فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 788

ويقول العنصر الطبي (راميرز) البالغ من العمر ستًا وعشرين سنة من مدينة (سان أنطونيو) وضابط البحرية الملحق بفرقة (برافو) الجراحية: إنني اعتدت من قبل على رؤية أناس يقضون نحبهم على الطاولات في غرف العمليات الجراحية، غير أن ما شاهدته في الفلوجة كان مرعبًا بحق. وبعد شهرين من ذلك وعند أول وصول للجرحى من الجنود الأمريكيين والعراقيين للمستشفى بعد اجتياح مدينة الفلوجة استعد (راميرز) للأسوأ من هذه المشاهد المخيفة، وقال (راميرز) إن عمله مع المرضى لم يكن يؤثر عليه، ولكن بعد مشاهدته المتكررة للدماء على الأرض أو لشخص يحمل قطعة من ذراع أو رِجل أدرك أن هذه المناظر ستبقى في ذاكرته طيلة حياته. وقال العاملون الطبيون في المستشفى الميداني لشركة (برافو) الجراحية والتي يتم نقل كافة قتلى وجرحى المعارك إليها: إن إصابات الجنود في قتال الفلوجة دائمًا ما تكون مدمرة، وأن معظمهم أصيب في انفجارات قريبة منهم. وقال رئيس فريق معالجة الصدمات النفسية (دامون ساندرز) : إن إصابات الجنود مرعبة بحق؛ فقد شاهدنا أعدادًا متزايدة من إصابات شظايا الانفجارات، وعادة ما يتعرض شخص أو شخصان إلى إصابات مباشرة من المتفجرات، بينما يتعرض الآخرون إلى شظايا تلك الانفجارات. وأضاف ساندرز «36 عامًا» من مدينة (تيميكولا) من ولاية كاليفورنيا قائلًا: إن الإصابات في الفلوجة تعتبر أكثر قسوة وفظاعة من تلك التي يتعرض لها في العادة الجنود في العراق. وعزا ذلك على نحو كبير لسيطرة عناصر المقاومة العراقية على المدينة طيلة الشهر واستعدادهم للقتال حتى الموت. وأوضح (راميرز) أن المستشفى الجراحي الميداني كان مستعدًا لاستقبال أكثر عدد من الجنود الجرحى قبل بدء معركة مدينة الفلوجة، ولكنه قال: إنه وزملاءه لم يكونوا مستعدين لهذا العدد الكبير من الجرحى بما في ذلك الذين يمشون على أرجلهم؛ مما اضطر إدارة المستشفى لنصب خيمة إضافية كبيرة لمعالجة هؤلاء الجرحى الذين يتم إحضارهم على نقالات. وأضاف (راميرز) قائلًا: إنه عندما تم إبلاغهم بالتوجه إلى الفلوجة فقد كان الكثير منهم يعتقد أنه سيشاهد الكثير من جرحى إطلاق الرصاص، ولم يكونوا يتخيلون أنهم سيشاهدون أشخاصًا بأعضاء مبتورة بسبب الانفجارات. وقال (راميرز) إنه قضى وقتًا طويلًا في طمأنة الجنود المصابين بأنهم سيتلقون أفضل الرعاية الصحية، وقال متذكرًا: إنه كان هناك أحد الجنود المصابين في حالة عصبية حادة للغاية. ومضى (راميرز) قائلًا: إن العاملين في المستشفى الجراحي الميداني كانوا يعملون على مدار الساعة خلال اشتداد حدة المعارك في الفلوجة، وبصفة خاصة أثناء تقدم قوات مشاة البحرية صوب الأحياء الجنوبية للمدينة؛ حيث واجهوا مقاومة عنيفة من عناصر مسلحة مدربة جيدًا؛ مضيفًا أن تلك أيام لا يمكنه وزملاؤه نسيانها طيلة حياتهم. وصدق الله العظيم في تثبيته للمؤمنين؛ حيث قال: {إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: 104] .

إن النجاح هو فيما إذا تمكنت المقاومة من الاستمرار في القيام بعمليات داخل وخارج الفلوجة، وجعل قوات الاحتلال في حالة استنفار دائم؛ مما يؤدي إلى إنهاكها مع العمل على قطع الإمدادات؛ فإن شح التموين عامل أساسي في تحطيم معنويات الخصم. ويبدو أن هذا هو ما يحدث؛ فبعد الخسائر الجسيمة في صفوف قوات الاحتلال يلاحظ أن حدة القتال خفت كثيرًا، وغالبًا ما تكون في الليل وبمبادرة من المقاومة. وكما صرح الشيخ (عبد السلام الكبيسي) رئيس قسم العلاقات العامة في هيئة علماء المسلمين في اتصال مع قناة الجزيرة: إنه إلى هذه اللحظة فإن أكثر من نصف الفلوجة بأيدي المقاومة الفلوجية، وأقول «الفلوجية» ؛ لأنه ليس هناك مقاتلون من غير الفلوجيين داخل الفلوجة - على حد قوله -.

وسخِر (الشيخ الكبيسي) من الادعاءات الأمريكية التي كانت تزعم أن الفلوجة ستُسحق خلال 48 ساعة، وشدد على أن القوات الأمريكية تعيش حاليًا مأزقًا حقيقيًا في الفلوجة، وأنها كانت بادئ الأمر تهاجم، لكنها الآن تدافع؛ فهي متخندقة في الفلوجة، ولا تستطيع أن تخرج إلى أي شارع أو أي زقاق في أكثر من نصف الفلوجة، سواء كان في أحياء الجولان أو الشهداء أو الصناعي، وفي حي نزال، وفي أماكن كثيرة.

ونختم هنا بأن أمريكا قد فضحت نفسها بنفسها؛ فبعد تدمير الفلوجة، وتدمير 32 مسجدًا، وقتل الجرحى في المساجد، ونشر صورة الرجل الذي قُتل وهو يحمل أمه العجوز يخرج علينا السفير الأمريكي (نيغرو بونتي) وهو (حاكم العراق الفعلي) في تصريح لقناة العربية الإخبارية: إن الفلوجة لم تعد قاعدة لما وصفه بالإرهاب الأجنبي وعناصر النظام السابق. وأضاف: إن هذه القاعدة دُمرت الآن، وأعتقد أن هذا كان بمثابة درس لأولئك الذين يحاولون عرقلة الديمقراطية والحرية في هذه البلاد.

هذا شيء مما نشرته وسائل الإعلام الغربية، وتتحاشاه كثير من وسائل الإعلام العربية نضعه بين القارئ ليعرف حقيقة الحرية والديمقراطية التي جاء الأمريكيون ليبسطوها في أرض الرافدين، وهي درس لمن يفكر في خداع الرأي العام بها. تتهاوى وتسقط أمام كل ذي عينين. والله المستعان.

ذو القعدة 1425هـ * ديسمبر/يناير 2005م

تأملات في أسباب غياب البعد الزمني وآثاره

منصور طه الحاج آدم

استطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحوِّل مجتمعًا كاملًا من جاهلية وشر وفرقة وشتات ودماء وتارات إلى مجتمع رشيد بقيم الحق معافيً يمثل قدوة في العالمين في فترة لا تتعدى ثلاثًا وعشرين سنة، وقد بدأ العد التصاعدي للدعوة النبوية ببزوغها والإيذان بها، وبدأ العد التنازلي لدعوة الكفر التي غدت تفقد كل يوم أرضًا وضَيْعةً من ضيعاتها، بينما كانت الجاهلية تسعى جاهدة لتطويق الدعوة وإماتتها في مهدها بشتى السبل والطرق؛ لمعرفتها ما يترتب من تحولات قادمة تحسب لها الحسابات عبر رصدها لتحركات النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماعته، ولكنها أخفقت وخاب مسعاها؛ لأن الدعوة منصورة بالله، ثم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل بالأسباب الواجبة المقتضية لتحقيق تمكينها في الأرض.

ولأهل الباطل عداوات شديدة ورصد كبير لأهل الحق ودعاته، ولا يفتؤون يبذلون ما في وسعهم لضرب الدعوة وأهلها؛ مما يوجب عليهم ذلك نظرًا بصيرًا وتحركًا محكمًا ينطلق من تقييم صحيح وسليم، وتعرُّف على مآلات الخير والشر ودرجات كل منهما، وكما يقال:"ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الخيْرين وشر الشرَّيْن"كما يوجب عليهم الإفادة من الزمن لتحقيق المفاجأة وتغيير موازين القوى؛ فإن عامل المفاجأة وتغيير الموازين في الصراع يستند إلى قدرة الجماعة على بذل طاقاتها مع اختزال للجهد والزمن بأقصى ما يمكن لتحقيق التفوق على الخصم؛ فإن صراع الجماعات والأمم صراع على أرضية الزمن، وكيفية كسبه وتحقيق أعظم إنجاز بأقل جهد وزمن، وهذا ما نلاحظه في دعوة النبوة: عظمة الإنجاز مع قلة الزمن.

وأمام أهل الحق جبهات ثلاث مفتوحة علميًا وعسكريًا وسياسيًا من قِبَل التيارات الآتية:

1 -التيارات الكفرية والشركية.

2 -تيارات النفاق من العلمانيين والشيوعيين وغيرهم الذين يتلوَّنون بكل لون، ويدفعون كل راية حسب مقتضى الحال، ويكشفون عورات المسلمين.

3 -الفِرَق والجماعات الضالة الحديثة والقديمة في أصولها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت