ومن هنا نجد شخصية الحدث تتشكل في الغالب بحسب سكان الحي، وبحسب مكانة الحي بين الأحياء على مستوى المدينة، وبحسب وسائل الترويح المتاحة فيه، (فالحي الذي تتوافق قيمه مع قيم المجتمع الكبير، يكون حيًا سويًا يهيئ للطفل جوًا يكسبه الشعور باحترام النظام والقانون) (51) .
ولقد حاول بعض العلماء تصنيف تلك الأحياء المصدرة للجناح، والتي تعد مكان تفريخ للمجرمين، وعد منها سبعة أنواع هي:
1-الحي المزدحم بسكانه الفقراء، وتنتشر فيه الرذيلة.
2-الحي الفقير جدًا، بحيث تصبح السرقات البسيطة وكأنها أمر طبيعي.
3-الحي الذي ينفصل عن المجتمع بفواصل طبيعية أو اجتماعية.
4-الحي الذي يعيش فيه غير المتزوجين، ومن سماته الخليط السكاني غير المتجانس.
5-الحي الذي يغلب على سكانه الأقليات المتميزة عن المجتمع، بحيث يمتاز بعزلة اجتماعية.
6-الحي الذي يعرف عنه أنه مكان للرذيلة (البغاء، والقمار) .
7-الحي النائي، وهذه عادة ما تكون أقرب للريف وتكون ملجأ لاختفاء المجرمين (52) .
وأخيرًا نستطيع أن نقول: إن الحي مرآة لساكنيه، فمن خلال الحي نستطيع أن نحدد معالم ساكنيه إلى حد كبير، مع التسليم أن ذلك الأمر ليس مطلقًا، فليس كل ساكن في الحي السيئ هو إنسان منحرف، بل يتوقف ذلك على مدى تأثره بالمواقف الاجتماعية التي يعايشها في الحي، ودور الأسرة والمدرسة في غربلة تلك المواقف التي يتعلمها في الحي سواء كانت سلبية أو إيجابية.
وبالجملة فالحي السيئ نستطيع أن نعتبره عاملًا من العوامل التي تؤثر على انحراف الأحداث.
ونستطيع أن نتبين ذلك إلى حد ما من خلال الاطلاع على إحصاءات انحراف الأحداث في المملكة العربية السعودية، فلقد بلغ عدد الأحداث المودعين دار الملاحظة بالرياض، في عام 1411هـ، ممن يقطنون في الأحياء الشعبية قبل إيداعهم (566 حدثًا) بنسبة 40%، في حين بلغ عدد الأحداث الذي يقطنون أحياء راقية قبل إيداعهم (214 حدثًا) بنسبة 15% فقط (53) ، ويتوزع البقية بين أحياء حضرية متوسطة، وأحياء ريفية، وسكان بادية.
وفي الدراسة التي أجراها (الربايعة) (54) على ثلاثة مجتمعات (الأردن، المغرب، السودان) وجد أن 30% من جيران من ارتكبوا جرائم سبق أن دخلوا السجن.. ويتضح الترابط بين الحي وساكنيه وأثره في إكساب الفرد السلوك المنحرف، إذا عرف أنه في الدراسة السابقة نفسها وجد أن 40% من العينة كانوا يزورون جيرانهم يوميًا، و34% منهم كانوا يزورونهم أسبوعيًا.
* جماعة الرفاق (الأصدقاء) :
تتكون عناصر شخصية الطفل وسلوكياته بواسطة العديد من المؤثرات، وإن كانت الأسرة والمدرسة والحي من أبرز تلك المؤثرات، فجماعة رفاق الطفل وأصدقاؤه لا تقل في الأهمية عما ذكر، بل قد تفوق تأثيرات الأصدقاء تأثير العوامل السابقة، ذلك أن جماعة الرفاق تتيح (للحدث فرصة تحدي الوالدين من خلال قوة الجماعة الجديدة التي صار جزءًا منها، التي تسانده في إظهار هذا التحدي) (55) ، إضافة إلى شعوره (أنهم يمدونه بزاد نفسي لا يقدمه له الكبار أو الأطفال... وبهذا تعد طبقة الأقران أحد المصادر المهمة والمفضلة عند المراهقين للإقتداء واستقاء الآراء والأفكار) (56) .
ولقد أشار الإسلام لأهمية الرفقة والصداقة وأثرها في حياة الفرد في اكتساب القيم والسلوكيات والأفكار. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم إلى من يخالل) (57) ، والخليل هو الصديق أو الرفيق، فإذا كان أثر الصديق يمتد إلى الدين فلا شك أن أثره في سلوكه واتجاهاته سيكون واضحًا وبينًا، هذا إذا كان واحدًا، فكيف إذا كانت جماعة ? فلا شك أن أثرها على الطفل أو الحدث سيكون أكبر.
ولا غرابة أن يكون لجماعة الرفاق كل ذلك الأثر، (فالانتماء هو أساس العيش في جماعة اللعب، وهو يتمثل بالقبول المطلق والولاء المطلق... فالطفل يتعلم في جماعة اللعب كيف يعيش في جو جماعي من نوع جديد، وفي إطار قواعد اجتماعية جديدة لا سبيل لمخالفتها) (58) وإلا نبذته الجماعة.
وإن كان بعض الباحثين يرى أن الحدث لا يصاحب إلا من يتفق معه في الميول الانحرافية، أو بينهما اتفاق سابق في الميول الانحرافية، وتشابه في العادات التي تؤدي إلى السلوك المنحرف. بل إنه من العسير أن يندمج الحدث السوي في جماعة منحرفة إلا إذا كان الاستعداد للسلوك المنحرف موجودًا لديه.
ولعل هذا الرأي ينطبق على الأحداث الذين يختارون أصدقاءهم بمحض إرادتهم، ولكن كيف بمن يجد نفسه في بيئة يفرض عليه فيها جماعة الرفاق ? كأن يكون رفقاؤه من أقاربه أو جيرانه.
وأصدقاء الحدث، نستطيع أن نصنفهم إلى ثلاثة أصناف رئيسة، يختلف تأثير كل صنف عن الآخر، وهؤلاء الأصناف هم:
1-أصدقاء الحدث المماثلون له في السن.
2-أصدقاء الحدث الأكبر منه سنًا.
3-أصدقاء من الأقارب والجيران.
ويختلف أثر كل صنف على الحدث في اكتساب السلوك المنحرف، فنجد أن أشدها خطورة وأكثرها تأثيرًا على الحدث الصنف الثاني الذين يفوقون الحدث سنًا، إذ يعتبرهم الحدث المثل الأعلى، ويرى أن انحرافهم بطولة، يسعى إلى تقليدهم والإقتداء بهم، وقد يتطور الأمر إلى استغلال الصديق البالغ للحدث في أمور عدة، من سرقة، أو ترويج مخدرات، أو شذوذ جنسي، أو غيره من الانحرافات.
ولقد أوضحت بعض الدراسات والأبحاث أن الفرد قليلًا ما يرتكب الجناح منفردًا، ومن هذه الدراسات الدراسة التي قام بها (جلوك) على 500 طفل جانح، فوجد أن 492 حدثًا منهم، أي ما نسبته 98. 4%، لم يرتكبوا الجناح بمفردهم، وإنما مشاركة مع آخرين (59) .
وكذلك الدراسة التي أجراها شو ومكاي (Shaw and Mekay) على 5480 حدثًا منحرفًا، فوجد أن 81. 8% منهم ارتكبوا أفعالهم الانحرافية مع آخرين (60) .
وفي الدراسة التي أجرها (حيدر) على المجتمع السوري، ظهر أن 73% من الأحداث ارتكبوا أفعالهم الانحرافية بمشاركة آخرين (61) .
وفي المجتمع السعودي، نجد أنه في الدراسة التي أجراها (المطلق) على دار الملاحظة في القصيم، ظهر أن 73% من الأحداث قد ارتكبوا أفعالهم الانحرافية بمشاركة آخرين (62) .
وفي الدراسة التي أجراها (الربايعة) على ثلاثة مجتمعات (الأردن، المغرب، السودان) ، ظهر أن 40% من أفراد العينة ارتكبوا جرائمهم بالاشتراك مع آخرين، وتبين أن الأصدقاء يشكلون حوالي 78% من أعضاء هذه الجماعة (63) .
وبكل حال فتأثير جماعة الرفاق ما هو إلا عامل من العوامل الاجتماعية المؤثرة في انحراف الأحداث، لا يعمل إلا (بوجود عوامل أخرى مختلفة، تدفع الحدث إلى أن يجد في مثل هذه الرفقة تخفيفًا لمتاعبه وصراعاته، ومن أمثلة هذه العوامل فقدان الرعاية الأسرية، أو الفقر الشديد، والإهمال الشديد، أو القسوة الزائدة) (64) .
الخاتمة:
انتهى هذا البحث إلى مشروعية الترويح في الإسلام، بل قد يكون مطلوبًا ومهمًا في حياة الفرد.. كما يستطيع الفرد أن يحقق منه أقصى النتائج الإيجابية إذا تعامل معه وفق النظرة الشرعية للترويح، ووفق الضوابط المتعددة التي حرص الإسلام على تلازمها مع أي ممارسة ترويحية، فهناك ضوابط أساسية للترويح، حيث ينبغي ألا يكون محرمًا في ذاته أو يصاحبه محرم، مثل: الترويح الذي يطال الآخرين منه إيذاء، أو استهزاء، أو سخرية، أو كذب، أو يصاحبه موسيقى أو معازف أو غناء، أو تحريش بين البهائم. كما يوجد ضوابط أخر تتعلق بالمشاركين في الترويح، وضوابط في وقت الترويح، ومكانه وزيه.