فهرس الكتاب

الصفحة 584 من 788

5-تتميز البيوت التي يعيش فيها الأطفال الجانحون بتفككها القيمي، وضعف الرقابة، وانعدام وجود أسباب التسلية والترويح داخل الأسرة.

6-إن عائلة الطفل الجانح أكبر نسبيًا من عائلة الطفل غير الجانح (41) .

ومن الدراسات العربية في هذا الميدان الدراسة التي أجراها (وليد حيدر) (42) في الجمهورية العربية السورية، وظهر منها أن 55% من أفراد العينة البالغ عددهم (113) حدثًا يعيشون في أسر مفككة إما بطلاق أو وفاة أحد الوالدين.

وكذلك الدراسة التي أجراها مركز أبحاث مكافحة الجريمة بالمملكة العربية السعودية (43) عام (1404هـ) ، وأظهرت ما يلي:

-كثيرًا ما لا يسكن الجانح مع والديه.

-أم الجانح ليست في ذمة الأب.

-أم الجانح ليست الزوجة الوحيدة.

-أحد الوالدين أوكلاهما متوفى.

-في الغالب ليس الأب هو ولي الأمر.

وفي دراسة أخرى (تماضر حسون) اتضح أن 78% من أفراد العينة المنحرفة انحدروا من أسر تتميز علاقاتها بالاضطراب والتوتر (44) .

ونستطيع أن نقول: إن هناك علاقة طردية بين التفكك الأسري من جانب وبين انحراف الأحداث من جانب آخر، وإن كانت ليست العامل الوحيد في تفسير الانحراف إلا أن لها دورًا لا ينكر، ملموسًا ورئيسًا.

* المدرسة:

تأتي المدرسة في المرتبة الثانية من حيث الأهمية في تنشئة الطفل، خاصة بعد أن عمم التعليم وأصبح إجباريًا في سنواته الأولى في أغلب الدول، وتحملت المدرسة تعليم الصغار بالتعاون مع الأسرة من أجل توسيع مدارك الطفل وجعله يحب المعرفة والتعليم، مما أدى إلى بروز المدرسة كمؤسسة اجتماعية مهمة، لها أثرها الفعال في مختلف جوانب الطفل النفسية، والاجتماعية، والأخلاقية، والسلوكية، خاصة وأن الطفل في السنوات الأولى من عمره يكون مطبوعًا على التقليد والتطبع بالقيم التي تسود مجتمعه الذي يعيش فيه، فهو يتأثر في الغالب بالجو الاجتماعي الذي يعيشه في المدرسة، لذا فإن المدرسة تعد عاملًا عظيم الأثر في تكوين شخصية الفرد التكوين العلمي والتربوي السليم، وفي تقرير اتجاهاته في حياته المقبلة وعلاقته في المجتمع.

ومن هنا فإن المدرسة ليست محضنًا لبث العلم المادي فحسب، بل هي نسيج معقد من العلاقات خاصة للطفل الصغير، ففيها تتوسع الدائرة الاجتماعية للطفل بأطفال جدد وجماعات جديدة، فيتعلم الطفل في جوها (المزيد من المعايير الاجتماعية في شكل نظم، كما يتعلم أدوارًا اجتماعية جديدة، فهو يتعلم الحقوق والواجبات، وضبط الانفعالات، والتوفيق بين حاجته وحاجات الغير، ويتعلم التعاون، ويتعلم الانضباط السلوكي) (45) .

فالطفل يتعلم كل ذلك من خلال ما يتلقاه من علوم معرفية وما يكتسبه من مخالطة رفاقه في المدرسة، فالمدرسة بالجملة لها أثرها الفعال في سلوك الأطفال وتوجهاتهم في المستقبل.. كما أننا ومن خلال المدرسة نستطيع أن نكتشف عوارض الانحراف مبكرًا لدى الأطفال، مما يهيئ الفرصة المبكرة لعلاجها قبل استفحالها، مثل الاعتداء على الزملاء، أو السرقة من حاجياتهم، أو محاولة الهرب من المدرسة، أو إتلاف أثاث المدرسة، مما يعطي مؤشرًا أوليًا لوجود خلل في سلوكيات الطفل.

إن المدرسة (مسرح مكشوف يتم من خلاله رصد ومتابعة سلوكيات الحدث، خصوصًا أن مجتمع المدرسة يعد أكبر وأكثر تعقيدًا من مجتمع الأسرة.. وبهذا فإن المدرسة تكون أول حقل تجريبي للحدث، يمارس فيه سلوكه بعيدًا عن رقابة أسرته وأقربائه) (46) .

وتتحمل المدرسة دورًا كبيرًا في هذا الأمر، بل هناك من يرى أن ذلك من أهداف التعليم الأساسية، فمثلًا نجد أن (برتراند راسل) يعد (أن من أهداف التعليم خلق وتنمية الاتجاهات التي يمكن لها أن تتيح للفرد استخدام وقت فراغه بذكاء) (47) ، في حين يرى (وليم فونس) (أن وظيفة المدارس يجب ألا تقتصر على تنمية المعرفة، بل يجب أن تهتم إلى جانب ذلك بتنمية القدرات والمهارات للاستفادة منها في استثمار وقت الفراغ) (48) .

ويتأتى كل ذلك بتوعية الطلاب بأهمية وقت الفراغ، وتعريفهم بميولهم بعد استكشافها وتنميتها، مع توفير الإمكانات المناسبة لاستغلال وقت فراغهم بما يفيدهم وينفعهم، لذا لا غرابة أن نجد أن ميثاق الفراغ الدولي قد أفرد مادة خاصة لهذا الأمر، وأكد على ضرورة تحمل المدرسة لمسؤوليتها في تعليم الأطفال والشباب المهارات الترويحية حتى يتمكنوا من الاستفادة من وقت فراغهم، لينعكس أثره على مستقبل الطفل.

ومن كل ما ذكر عن دور وأهمية المدرسة في حياة الطفل، يحتم علينا القول بضرورة المراجعة المستمرة لمناهج التعليم، لتواكب الحاجات النفسية والاجتماعية للطفل وبما يتمشى مع العصر الذي يعيشه، مع التأكيد على دور المعلم كفرد في تكوين شخصية الطفل وتطويرها ورعايتها حق الرعاية، بما يكفل للطفل التكيف الاجتماعي والنفسي السليم، وبما يضمن له التوافق مع معايير المجتمع الذي يعيش فيه، ليصب في النهاية في قناة وقايته من الانحراف أو الجنوح.

* الحي السكني:

ونقصد بالحي السكني هنا: المنطقة الجغرافية التي تقطنها الأسرة بجوار العديد من الأسر، وتتشابك فيها العلاقات الاجتماعية بين تلك الأسر وأفرادها تأثرًا وتأثيرًا.

لذا (فإن الحي يسهم في تزويد الفرد ببعض القيم، والمواقف، والاتجاهات، والعادات، والمعايير السلوكية، التي يتضمنها الإطار الحضاري العام الذي يميز المنطقة الاجتماعية) (49) .

ونستطيع أن نقول: إن للحي دورًا قد يكون مكملًا لدور الأسرة في توجيه الطفل، ويؤثر كل واحد في الآخر، فقد يكون داعمًا لما تقدمه الأسرة من سلوكيات معينة، بغض النظر عن ماهية هذا السلوك، وقد يكون هادمًا له، وذلك يتأتى من طبيعة الحي ومستواه الاقتصادي والاجتماعي.

فقد ربطت العديد من الدراسات بين طبيعة الحي وتأثيره على سلوك سكانه، ومن أبرز تلك الدراسات الدراسة التي قام بها الأمريكي (كليفورد شو) على خمسة من الأشقاء عرفوا بتاريخهم الإجرامي الطويل، وكيف كان للحي أثر بيّن في تكوين الجناح لديهم، فلقد كان حيهم -كما وصفه- يتميز بعدم التنظيم الاجتماعي، وأنه كان بيئة فاسدة شجعت هؤلاء الإخوة على الجناح، ذلك أن هذا الحي كان يحترم المجرم، ويرسم له شيئًا من صور البطولة والرجولة (50) .

والحي الذي يساعد على الانحراف نجده يعطي شيئًا من الشرعية على أعمال المجرمين، ويصورها بالصورة البطولية، مما يكوّن لدى الحدث في ذلك الحي مثالًا وقدوة سيئة يحتذي بها، وتتشكل شخصيته على هذا الأساس. ومن هنا فالحدث يرى أن لا يمكن أنه يكون له منزلة في ذلك الحي إلا بتبني إحدى صور البطولة والرجولة التي ارتسمت في ذهنه، كصورة المجرم في حيه. حيث يبدأ في تتبع خطوات بطله المنحرف حتى يسقط في أخطائه، ويرتكب أعمالًا ضد القيم والمصلحة العامة لحيه، فالطفل انحرف باتباعه بطل السوء، وهذا ربما لعدم وجود بطل الخير والصلاح الذي يرشده ويقتدي به في الحي نفسه.

وبالإضافة إلى ذلك لا نستطيع أن نغفل في هذا المجال الوسائل الترويحية المتاحة للأطفال في الحي. فبعض العلماء يرى أن الجنوح ما هو إلا سوء استثمار الطفل لوقت فراغه، في ظل غياب الوسائل الترويحية الصحية المناسبة في الأحياء، مما يجعلهم يتجهون إلى بعض النوادي لتكون مركز تجمع والتقاء بالمجرمين، فتتكون لدى الحدث بلقائهم القدوة السيئة، ويحاول تقليدهم وتقمص شخصياتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت