فهرس الكتاب

الصفحة 583 من 788

ولقد أضاف (هوارد بيكر) بعدًا نسبيًا لتلك المراحل، إذ أن العلاقة بين الانحراف وبين ردود فعل المجتمع تجاهه ليست علاقة ثابتة في كل الظروف والأزمنة، بل هي تختلف باختلاف الزمان والمكان الذي حدث فيه ذلك الفعل وردة الفعل، كما تختلف العلاقة أيضًا باختلاف المجتمع الذي تصدر عنه ردة الفعل نحو الفعل الانحرافي; ذلك أن المجتمع قد يصف بعض الأفعال بالشذوذ وهي غير كذلك، ومن ثم تثبت الوصمة على صاحب ذلك الفعل، في حين يوجد أفراد منحرفون فعلًا لكن لم تصل أخبارهم للمجتمع، ومن هنا فإن العلاقة بين الانحراف وبين ردة فعل المجتمع تختلف باختلاف المتغيرات السابقة (32) .

إلا أنه يؤخذ على هذا الاتجاه أنه لا يفسر كيف تنشأ بداية الانحراف، وإنما يفسر استمرار الفرد المنحرف في ذلك الطريق بسبب ردة فعل المجتمع.

وعليه فهذا الاتجاه قد يكون مناسبًا لتفسير ظاهرة العود للانحراف والاستمرار فيه، وليس لنشأته وبدايته.

ثانيًا: الأوساط الاجتماعية المؤثرة على انحراف الأحداث

تلعب الأوساط الاجتماعية دورًا بارزًا وذا أثر واضح في انحراف الأحداث أو استقامتهم، فالسلوك الإنساني ما هو إلا تفاعل تبادلي في الغالب بين الفرد ومجتمعه الذي يعيش فيه، بدءًا من مجتمعه الصغير الأسرة، ومرورًا بالمجتمع الأوسع، وتتماشى مع نمو الفرد، فعند التحاقه بالمدرسة تبدأ مؤثرات الوسط المدرسي بالتأثير عليه، كما تبدأ مؤثرات جماعات الرفاق مع نموه وتكوينه لعلاقات اجتماعية جديدة مع الأصدقاء سواء في الحي أو المدرسة، وخلال ذلك كله تلعب مؤثرات الوسط الاجتماعي في الحي دورًا مهمًا في تشكيل سلوك الفرد، ويكون لذلك الوسط الاجتماعي في الحي أثره السلبي أو الإيجابي على سلوك الحدث، كغيره من الأوساط الأخرى.

ولقد أشار الإسلام إلى أهمية الوسط الاجتماعي وأثره على سلوك الفرد، ففي الحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض ? فدُل على راهب، فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة ? فقال: لا، فقتله فكمل به المائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة ? فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله - عز وجل -، فاعبد الله - تعالى - معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء...) (33) .

فمن الحديث يتضح أن أسباب قيامه بعمليات القتل أنه يعيش في وسط اجتماعي سيئ، أصحابه يرتكبون المعاصي، ولا شك أن في مشاهدتهم ما يغري بارتكاب ما يأتون تقليدًا لهم ومحاكاة لسلوكهم.

ولقد ركز دوركايم (Durkheim) وغيره من علماء الاجتماع على أهمية الوسط الاجتماعي في تفسير الجريمة (34) .

ذلك أن الوسط الاجتماعي ليس دوره فقط بناء الفرد، بل يتعداه إلى ضبط سلوك الفرد وجعله يتوافق مع قيم ذلك الوسط، ويقصد هنا بالوسط الاجتماعي: الأسرة، المدرسة، جماعة الرفاق، الحي، حيث تؤثر جميع هذه الأوساط على سلوك الحدث سلبًا أو إيجابًا.. وسنعرض بشيء من التفصيل لتلك الأوساط وبعض العوامل المكونة لها:

* الأسرة:

تعد الأسرة المحضن الأساس الذي يبدأ فيه تشكل الفرد وتكون اتجاهاته وسلوكه بشكل عام، (فالأسرة) تعد أهم مؤسسة اجتماعية تؤثر في شخصية الكائن الإنساني، وذلك لأنها تستقبل الوليد الإنساني أولًا، ثم تحافظ عليه خلال أهم فترة من فترات حياته وهي فترة الطفولة، وهي (الفترة الحرجة في بناء تكوين شخصية الإنسان كما يقرر علماء النفس، وذلك لأنها فترة بناء وتأسيس) (35) .

وإلى هذا أشار حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) (36) .

ففي البيئة الأسرية يشكل الأبوان الطفل، ويحددان اتجاهاته الرئيسة وهي الاتجاهات العقدية، فالأسرة تلعب دورًا رئيسًا ومهمًا في رسم شخصية الفرد وسلوكه وعقائده الباعثة على جميع السلوكيات المتنوعة. وفي الأسرة يتعلم الأطفال (التحكم في رغباتهم، بل وكبت الميول التي لا توافق المجتمع.. ومن هنا فإن أسس الضبط الاجتماعي تغرس بواسطة الوظيفة التربوية في محيط الأسرة) (37) .

لذا لا غرابة أن نلحظ اهتمام الباحثين في مجال انحراف الأحداث بالأسرة، وجعلها من المحاور الرئيسة التي تدور عليها أبحاثهم، في محاولة اكتشاف أسباب الانحراف والعوامل المؤدية إليه. ومما لا شك فيه أن الأسرة المفككة عامل رئيس في انحراف الأحداث وسلوكهم طريق الجنوح، ومحضن مناسب لتخريج أحداث منحرفين.

ولا يتوقف الأمر على الأسرة المفككة فحسب، بل إن الأسرة المستقرة اجتماعيًا قد تخرج أحداثًا منحرفين في حالة عدم إتباع السلوك الصحيح للتنشئة السليمة لأفرادها، (فقد تكون عملية التنشئة الاجتماعية في الأسرة خاطئة، ينقصها تعلم المعايير والأدوار الاجتماعية السليمة، والمسؤولية الاجتماعية، أو تقوم على اتجاهات والدية سالبة مثل التسلط والقسوة، والرعاية الزائدة والتدليل، والإهمال والرفض، والتفرقة في المعاملة بين الذكور والإناث، وبين الكبار والصغار، وبين الأشقاء وغير الأشقاء، والتذبذب في المعاملة) (38) .

كذلك تدل الدراسات على أن الاختلافات بين الوالدين لها آثارها السلبية على الطفل، وتتمثل تلك الآثار في هروب الطفل إلى الشارع، أو انغماسه في أحلام اليقظة، وكل ذلك هروبًا من الواقع الذي يعيش فيه (39) .

ويربط بعض الباحثين بين الأسر ذات العدد الكبير وانحراف الأحداث، كما يربط بين انحراف الوالدين أو أحدهما وانحراف الحدث، فيما تشير دراسات أخرى إلى وجود علاقة بين درجة وكيفية الضبط داخل الأسرة وبين ما يقوم به الطفل من انحراف، وليس على ذلك فحسب، بل وموقف الطفل نفسه تجاه هذا الضبط ومدى استجابته له من عدمه.

كذلك لا يمكن أن نغفل دور الأسرة في تكوين الاتجاهات الإيجابية، نحو كيفية قضاء وقت الفراغ، فكما يتعلم الطفل السلوك الانحرافي داخل الأسرة فكذلك يتعلم السلوك السوي من توجيه الأسرة نحو قضاء وقت الفراغ فيما ينفعه من عدمه، نتيجة تقليد الطفل لمن حوله فيما يمارسونه من أنشطة ترويحية. فلقد وجد (ناش) في دراساته أن 70% من ميول وهوايات أهالي مدينة نيويورك قد بدأت في المنزل، وأن 70% من هذه الهوايات أيضًا ظهرت قبل سن الثانية عشرة، وهذا ما يؤكد على دور الأسرة ليس في حسن تربية الطفل وإكسابه المعايير السليمة المتوافقة مع المجتمع فحسب، بل تكوين اتجاهات إيجابية نحو استغلال وقت فراغه، مما يكون لديه إطارًا وقائيًا من الانحراف، من خلال استفادته من وقت فراغه بما يحقق له النمو المتوازن، وبما يحقق إشباع حاجاته النفسية والاجتماعية (40) .

ولعل من أبرز الدراسات التي أكدت العلاقة بين التفكك والانحراف، الدراسة التي قام بها العالمان الأمريكيان (شيلدون والينور جلوك) عام 1935م، وتوصلا إلى النتائج التالية:

1-إن أسر الأطفال الجانحين أكثر تبديلًا لبيوتهم.

2-إن الأطفال الجانحين يعيشون في بيوت أقل ملاءمة من الناحية الصحية، وأكثر ازدحامًا بالسكان.

3-إن غالبية الأطفال الجانحين لا يعيشون مع الوالدين، إما بسبب الطلاق أو الهجر بين الوالدين.

4-يتميز الأطفال الجانحون بعدم احترامهم لوالديهم، وعدم التزامهم بالقيم العائلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت