5-الحلقة الأخيرة: ما بعد الضواحي ويقطنها الأثرياء في فلل واسعة.
ويحدد (كليفوردشو) منطقة الجنوح في المنطقة الثانية، والتي توصف بأنها المنطقة الانتقالية، وهي التي تكونت بعد انسحاب الأثرياء منها إلى الضواحي، ونزوح الفقراء إلى الداخل لانخفاض الإيجارات إضافة إلى تميز تلك المنطقة بكثرة الزحام، وقدم المباني، وعدم استقرار السكان.. كما قام (كليفوردشو) بتسجيل ثلاث ملاحظات عن منطقة الجنوح (الحلقة الثانية) وهي (24) :
1-تظل معدلات الجنوح عالية رغم التغير السكاني السريع، وهذا يعني أن الجنوح جزء من التراث الأيكولوجي.
2-انخفاض معدلات الجنوح كلما ابتعدنا عن وسط المدينة.
3-تختص كل منطقة بنوع أو أنواع معينة من الجنح.
وأشار (كليفوردشو) - بعد دراسته الشهيرة مع بعض زملائه حول ظاهرة الجناح في مدينة شيكاغو- إلى أن (الظروف القائمة داخل هذه المنطقة -مناطق الجنوح- تجعل سيطرة المجتمع على أبنائه ضعيفة أو تُضعف من أساليب الضبط الاجتماعي إلى درجة عدم التزام هؤلاء الأبناء بالامتثال للمعايير الثقافية المقبولة داخل المجتمع) (25) ، ولعل ذلك عائد إلى طبيعة سكان تلك المناطق، إذ يقطنها خليط من البشر ومن الثقافات، إضافة إلى وجود المنحرفين والمدمنين وتجار المخدرات واللصوص فيها، وهذا يعني تأثر أبناء السكان فيها بالجو السائد في المنطقة.
إلا أن هذا الاتجاه أُخذ عليه بعض المآخذ التي قد تضعفه، وأهمها:
1-وجود عوامل أخرى قد تؤثر على زيادة الجناح في منطقة دون أخرى غير العوامل الأيكولوجية، مثل اختلاف عدد أفراد الشرطة في منطقة، ونوعيتهم، ودرجة متابعتهم للظروف الأمنية في الحي، ودقة ضبطهم لعملهم.
2-عدم تحديده للمنطقة الجانحة بوضوح، فهل هي المنطقة التي يعيش فيها الجانحون، أم هي المنطقة التي يمارسون فيها نشاطهم الانحرافي، أم هي المنطقة التي قبض على الجانحين فيها ?
3-عدم تفسيره لوجود أفراد غير منحرفين في نفس المنطقة الجانحة التي حددها أصحاب هذا الاتجاه، إضافة لعدم تفسيره لوجود منحرفين في مناطق أخرى لا يعتبرها الأيكولوجيون مناطق جناح، مثل المنطقة أو الحلقة الرابعة أو الخامسة.
4-قصور الإحصائيات الرسمية التي استندت عليها بحوث أنصار ذلك الاتجاه عن الإحاطة بالنطاق الشامل للمدى الواقعي للجريمة، إضافة إلى عدم ثبات هذه الإحصائيات كأساس للمقارنة، والشك في صدق المقارنة بمقتضاها خلال فترات زمنية طويلة لا تتماثل خلالها الحقائق التي تتخذ أساسًا للمقارنة (26) .
5-اعتمادها على عامل واحد في تفسير السلوك المنحرف، وإهمالها لتداخل وأثر العوامل الأخرى في تكوين ذلك السلوك المنحرف.
كما يلاحظ عدم انطباق ذلك التقسيم الذي توصل إليه الأيكولوجيون على المدن في دول العالم الثالث.
4-الاتجاه التفاعلي (الوصم) :
يعد الأمريكي (إدوين ليميرت) من أبرز من يمثل هذا الاتجاه، الذي يرى أن الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع الفرد المنحرف هي التي تؤدي إلى وجوده واستمراره في ذلك السلوك المنحرف، وما ذلك الانحراف إلا نتيجة تفاعلية بين فعل الفرد المنحرف وردود الأفعال من المجتمع تجاهه، وبتناميها في عملية تصاعدية تؤدي به في النهاية إلى استقراره في السلوك المنحرف، ومن ثم وصمه بتلك الوصمة أو الصفة التي تحمل مدلولًا يتعارف عليه المجتمع، ويتعامل مع من يحمله على هذا الأساس، وعلى حيثيات وإشارات ومضامين تلك الصفة أو الرمز. ومما لا شك فيه أن لتلك الصفة أو الرمز الذي يطلقه المجتمع على المنحرف أثرًا في استمرار ذلك السلوك، وبناء عليه يتحول هذا التعامل من المجتمع مع الفرد الجانح من خلال إطلاق تلك الصفة أو الرمز إلى تدعيم ذاتي لذلك السلوك الجانح، (فإن إطلاق مسميات على السلوك هو فعل اجتماعي، ومثل هذا الفعل -شأنه شأن أي فعل اجتماعي آخر- يمكن أن ينمو ويتم الحفاظ عليه من خلال عملية التدعيم أو العكس) (27) .
ونظرية الوصم تقوم على فرضيتين أساسيتين (28) :
الأولى: أن الانحراف لا يقوم على نوعية الفعل وماهيته بقدر ما يقوم على نتيجته وما يوصف به الفاعل من قبل المجتمع.
الثانية: أن الانحراف عملية اجتماعية تقوم بين طرفين، الفعل الانحرافي من جانب، وردة فعل المجتمع تجاه هذا الفعل الانحرافي ووصمه بالانحراف من جانب آخر.
وتأسيسًا على ما سبق، فإن أصحاب هذا الاتجاه يرون أن المؤسسات الإصلاحية مثل السجون ودور الملاحظة والتوجيه تلعب دورًا كبيرًا في إضفاء صفة الجنوح والانحراف والإجرام على أفرادها، ذلك أن من يودع فيها يوصف بأنه مجرم أو خريج سجون، وبالتالي يصمه المجتمع بتلك الوصمة التي لم تأت إلا بسبب دخوله السجن أو دار الملاحظة، ومن هنا فإن المؤسسات من وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه لا تعمل على إصلاح من يدخلها بقدر ما تصبغه بهذه الصفة، ووصمه من ثم بالجنوح أو الأجرام من قبل المجتمع، وبالتالي يتكرس فيه ذلك الانحراف نتيجة لتلك الوصمة أو الصفة التي يطلقها عليهم المجتمع. ومن ثم تصبح تلك الوصمة عقبة في سبيل إصلاح الفرد المنحرف أو تقويمه.
ويرى العالم الأمريكي (إدوين ليميرت) أن الجنوح يتم على ثلاثة مستويات (29) :
أولًا: الجنوح الفردي: وهو يظهر نتيجة الضغوط النفسية الداخلية النابعة من الفرد ذاته، ويكون تأثيرها على الفرد نفسه.
ثانيًا: الجنوح الظرفي: وهو يظهر نتيجة التعرض لمواقف ضاغطة وعوامل آنية، بحيث لا تترك للفرد فرصة التفكير والاختيار.
ثالثًا: الجنوح الاجتماعي: وهو يحدث على مستوى التنظيم الاجتماعي القيمي، أو التنظيم الثقافي الذي يرى السلوك المنحرف أسلوبًا من أساليب العيش.
وهذه المستويات الثلاثة من الجنوح لا تحدث فجأة، وإنما لا بد أن يمر الفرد بعدد من المراحل وفق منطلقات وفرضيات تلك النظريات. فالفرد يرتكب الفعل المنحرف لأول مرة لينظر ردة فعل المجتمع، وبطبيعة الحال لا يمكن للمجتمع، أو على الأقل جزء من ذلك المجتمع، أن يتجاهل ذلك الفعل.. وردة الفعل تلك قد تكون استحسانًا أو استهجانًا (30) .
ولقد وضع (إدوين ليميرت) عددًا من المراحل لتبلور واكتمال هذا الجنوح (31) :
1-يرتكب الفرد انحرافه (الأول) كبادرة لاختبار ردة فعل المجتمع تجاهه.
2-حدوث ردة فعل المجتمع، وتتمثل في معاقبة الفرد على تصرفاته الانحرافية.
3-يكرر الفرد انحرافه ويكون بنسبة وبحجم أكبر من الانحراف الأول.
4-يقوم المجتمع بردة فعل وتتمثل في عقوبة الفرد على سلوكه المنحرف، ولكنها تكون بشكل أشد ورفض أقوى من المرة الأولى.
5-يزداد الانحراف ويصاحبه شعور بالعداء والكراهية على الذين يمارسون العقاب معه أو رفضه.
6-تبدأ ردود فعل المجتمع الرسمية، وتأخذ شكلًا جديدًا بإضفاء صفة الوصم بالانحراف على الفرد.
7-يزداد الانحراف كرد مباشر ومجابهة للمجتمع الذي أعطاه صفة الانحراف ووصمه بها.
8-وفي هذه المرحلة، يقبل المنحرف صفة الوصم بالانحراف، مع محاولة التكيف والتوافق مع مركزه الاجتماعي الجديد كفرد منبوذ من المجتمع.