فهرس الكتاب

الصفحة 611 من 788

قال ابن مسعود t: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السامة علينا ) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية: ( كان يتخولنا أن نتحول من حالة إلى حالة ) لأن السآمة والملل يفضيان الى النفور والضجر ، يقول علي بن أبي طالب t: ( إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم) ، ويقول أيضًا: ( روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلب إذا أكره عمي) ، ويقول أبو الدرداء t: (إني لا ستجم قلبي باللهو المباح ليكون أقوى لي على الحق ) ، وقال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: ( تحدثوا بكتاب الله وتجالسوا عليه وإذا مللتم فحديث من أحاديث الرجال ) ..

وهذا إمامهم وقدوتهم محمد r يقول: ( ياحنظلة ساعة وساعة ) رواه مسلم ، وهذا ربهم وربنا سبحانه وتعالى يقول: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة.. الآية) ،

وبعد قراءة أحوالهم واستقراء سيرهم يحدد لنا سلف الأمة ضوابط اللهو المباح والترويح هاهم يروحون عن أنفسهم فلا يتجاوز أحدهم حدود الشرع المطهر ، بعيدًا عن المحرمات أو المكروهات ، لم يكن ترويحهم هدفًا لذاته بل كان وسيلةً لتجديد الهمة مع تصحيح النية لعمل أفضل وإنتاج أكمل لذا لم يكن ترويحهم لمجرد تزجيه الأوقات وتضييعها وإمضاء الساعات دون مردود يقوي الجسم وينمي العقل .

كان الصحابة يروحون عن أنفسهم بالمرح والمِزاح والتسلية ولا يقصرون في شيءٍ من حق الله تعالى وإذا جَدَّ الجِدُ كانوا هم الرجال كما ثبت من فعلهم أنهم كانوا يتبارحون - أي يترامون - بالبطيخ فإذا جد الجد كانوا هم الرجال وكما قال الأوزاعي عن بلال بن سعد- يرحمهما الله-:"أدركت أقوامًا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض فإذا كان الليل كانوا رهبانًا ، وهكذا كانوا- رضي الله عنهم - كما قال ابن تيمية - رحمه الله:"فرسانًا بالنهار رهبانًا بالليل"وقال عمر بن الخطاب t:"كان القوم يضحكون والإيمان في قلوبهم أرسى من الجبال""

ترويحهم وضحكهم وسمرهم وسفرهم وترفيههم لا يضعف إيمانهم ولا يفسد أخلاقهم ، لا يتعدى وقتُ الترويح على أوقات الصلاة وذكر الله وصلة الرحم وقراءة القرآن أولئك هم الرجال (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار)

كانوا يروحون عن أنفسهم بعيدًا عن سهر في ليل طويل ، وسمر فارغ هزيل ، يخل بحقوق كثيرة ومنها حق الجسم وحق الأهل وفوق ذلك حق الله تعالى وتبارك.

إذا قرأنا سيرهم وتاريخهم نرى عدم الإفراط في استهلاك المباح لعلمهم بأن المهمة الكبرى للإنسان هي عبادة الله ولأن الوقت ثمين ومن منهج الإسلام عدم الإفراط في كل شيء حتى ولو كان في الصوم والصلاة والجهاد فكيف باللهو والترويح، كل ذلك حتى لا تُضَّيع الحقوق الأخرى وفي هذا يقول r لأحد الصحابة رضي: (صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقًا ، وإن لعينك عليك حقًا ، وإن لزوجك عليك حقًا ، وإن لزورك عليك حقًا ) رواه البخاري .

الصيد - كما تعلمون - مباح في الأصل ، وقد يُفرِط فيه البعض فيهدر أوقاته ، ويهلك أيامه يتتبعه من مكان إلى مكان مطاردًا باحثًا ولاهثًا غافلًا ، هنا نهى الإسلام عن هذا الإفراط حفاظًا على وقت المسلم الغالي ليكون في طاعة مديدة ومتوازنًا لأداء حقوق كثيرة فقال r: ( من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل ) رواه أحمد هذا فيمن يفرط في اللهو المباح فكيف بمن يفرط ويصرف أوقاته الثمينة وساعات عمره في أنماط ترويحية محرمة ينتهك محارم الله ويتجاوز مناهيه ؟ كيف بمن يقدم حضور حفل أو وليمة أو فرح أو مبارة على فريضة من فرائض الله كيف بمن يلهو ويمزح ويضحك ويمرح بالسخرية من أحكام الله أو الاستهزاء بعباد الله يتهكم بأعراضهم ويسخر من أحوالهم.. سهرٌ وعبثٌ ونومٌ عن صلاة الفجر أو الظهر والعصر هكذا يقضي بعضهم الإجازة ..

أليس هذا نكرانًا لنعم الله وجريمة تنذر بالشؤم وتوجب سخط الإله؟!

كان رسول الله يداعب أصحابه حتى تعجب الصحابة من مداعبته لهم وقالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا ؟ قال: (إني لا أقول إلا حقًا ) رواه الترمذي .

عباد الله: الإجازة نعمة وقد تكون نقمة إذا لم تستثمر في ترويح مباح ولهو بريء وعمل مفيد يستغرق الصباح والمساء فإن هذا الفراغ الرهيب يعد مشكلة تقلق كل أب لبيب ، وهل فساد الأبناء إلا من الفراغ .

لقد هاج الفراغ عليه شغلًا وأسباب البلاء من الفراغ

فهو كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل ) فكم سهرة عابرة أسقطت فتى في أتون المسكرات والمخدرات وجلسةٍ عاصفة وقع البريء فيها في المهلكات .

الفراغ جرثومة فساد تنتشر وتستفحل في مجتمعات الشباب فتحطم الجسد وتقتل الروح، الفراغ لص خابث وقاطع عابث وسارق خارب أفسد أناسًا ودمر قلوبًا وسبب ضياعًا وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى غفلة الكثير عما وهبوا من نعمة الوقت والعافية فقال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفرغ) رواه البخاري من حديث ابن عباس قال ابن بطال: (كثير من الناس ) أي أن الذي يوفق لذلك قليل أهـ.

الخطبة الثانية:

أخي المسلم: إن الإجازة جزء من عمرك وحياتك ترصد فيها الأعمال وتسجل الأقوال ، وأعلم أنك موقوف للحساب بين يدي ذي العزة والجلال ، فإن الدنيا دار اختبار وبلاء، قال r:"لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسال عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ما له من أين اكتسبه وفيما أنفقه"..

واستشعار ذلك - عباد الله - يجعل للحياة قيمة أعلى ومعان أسمى من أن يحصر المرء همه في دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها أو منصب يطلبه أو رفاهية ينشدها أو مال يجمعه حتى إذا انتهى راح يطلب المغريات الكاذبة، كلا ليس الأمر كذلك فالله عز وجل يقول:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، ويقول سبحانه:"أفحسبتم انما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون"..

عباد الله: إن من الأمور التي تساهم وتساعد على استثمار الإجازة: العناية بالقران الكريم والاشتغال به حفظًا وتلاوةً وتعلمًا وتعليمًا قال r:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه".

فيأخي المسلم إذا أخذت قسطك من النوم والراحة ، وتنعمت بأنواع الطعام ، وحققت شيئًا من السعادة ، فلا تنس غذاء قلبك بقراءة القرآن طلبًا للحسنى وزيادة ، لا تبخل على كتاب الله بساعة من أربع وعشرين ساعة.

-والسفر إلى بيت الله الحرام لأداء العمرة وزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال r: ( صلاة في مسجدي افضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجدَ الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضلُ من مائة ألف صلاة فيما سواه ) رواه أحمد وابن ماجة وصححه الألباني.

-وكذلك السفر في بر الوالدين وصلة الأرحام وزيارة العلماء والصالحين في الله تعالى وعيادة المرضى وإجابة دعوات الأفراح والمناسبات التي ليس فيها منكرات قال r:"من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم".

-وكذلك السفر لأجل الدعوة إلى الله على علمٍ وهدىً وبصيرة قال تعالى:"ومن أحسن قولًا ممن دعا على الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين"وقال r:"فوالله لن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حمر النعم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت