فهرس الكتاب

الصفحة 614 من 788

ثانيًا: في كثرة القراءة: وممن نقل عنه ذلك الإمام بن شهاب الزهري رحمه الله، فقد كان يجلس في مكتبته ويقرأ وقتًا طويلًا حتى إن زوجته قالت والله لهذه أشد علي من ثلاث ضرائر، وعبدالله بن عبدالله بن عبدالعزيز، قال: لقد غبرت علي أربعون عامًا ما قمت ولا نمت إلا والكتاب على صدري، والحافظ ابن حجر قرأ في حال إقامته في دمشق -وكانت شهرين وثلث تقريبًا- قرأ قريبًا من مائة مجلد مع ما يعلقه ويقضيه من أشغال. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول عن نفسه: لقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الصغار والكبار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عند أحد من الصحابة أنه أوّل شيئًا من آيات الصفات. فقد حكى عن نفسه أنه قرأ أكثر من مائة تفسير فما بالكم بما قرأه من كتب الحديث والفقه والعربية وعلوم الحديث والعقيدة وغيرها من أبواب العلم. أما ابن الجوزي يقول محدثًا عن نفسه: وإني أخبر عن حالي ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز، ولقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة وكتب الحميدي وكتب شيخنا عبدالوهاب بن ناصر وكتب أبي محمد بن الخشاب وكانت أحمالًا، وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه، ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعد في الطلب. ثالثًا مع المعاصرين: ممن كان كثير القراءة الأديب المشهور الأستاذ/ علي الطنطاوي، فيقول عن نفسه: لو أحصيت معدل الساعات التي كنت أطالع فيها لزادت على عشر في اليوم. والمحدث العلامة الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني رحمه الله كان يعمل في اليوم ثلاث ساعات في إصلاح الساعات ويصرف ما بقي في القراءة، وكان يدخل المكتبة الظاهرية ويبقى فيها أحيانًا اثنتي عشرة ساعة، وقد خصَّصَت له فيها غرفة خاصة؛ فكان يأتي قبل الموظفين في الصباح وكان من عادة الموظفين الانصراف ظهرًا، فكان لا ينصرف ويتناول غداءه في المكتبة. رابعًا: من غرائب أحوالهم في القراءة: للخطيب البغدادي رحمه الله كتاب نفيس أسماه تقييد العلم، ذكر في آخره فصولًا عن الكتب منها الفصل الرابع ذكر من وظف على نفسه السبل في مطالعة الكتاب ودرسه، وروى فيه عن أبي العباس المبرد قال: ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة الجاحظ والفتح بن خاقان وإسماعيل بن إسحاق القاضي، فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع في يده كتاب قرأه من أوله إلى آخره أي كتاب كان، وأما الفتح بن خاقان فكان يحمل الكتاب في كمه فإذا قام من بين يدي ليبول أو ليصلي أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي حتى يبلغ الموضع الذي يريد ثم يصنع ذلك في رجوعه إلى أن يبلغ مجلسه، وأما إسماعيل بن إسحاق فإني ما دخلت عليه قط إلا وفي يده كتاب ينظر فيه أو يقلب الكتب بطلب كتاب ينظر فيه. الإمام أبو داود السجستاني صاحب السنن كان حين يفصل ثيابه يجعل كمًا واسعًا وكمًا ضيقًا فقيل له في ذلك، فقال: الكم الواسع للكتب، والضيق لا حاجة له. لقد كانت قضية القراءة واصطحاب الكتاب قضية تشغل باله فلا ينسى ذلك وهو يفصل ثيابه رحمه الله، وأبو العباس الشيباني قيل في سبب موته أنه خرج من الجامع وفي يده كتاب ينظر فيه وكان قد أصابه صمم شديد، فصدمته فرس فأُلقي في هوةٍ فاضطربت دماغه فمات في اليوم الثاني رحمه الله. وأبو بكر الخياط النحوي كان يدرس جميع أوقاته حتى في الطريق، وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة، والجاحظ وقد مر شيء من خبره قبل قليل كان يكتري الدكاكين من الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب فيبيت فيها في الليل حيث لا يكون أصحابها فيها، وقال سليم بن أيوب الرازي -حاكيًا عن أبي الفرج الاسفراييني-: أنه نزل يومًا إلى داره فقال: قد قرأت جزءًا في طريقي -وهم يسمون الكتاب الصغير جزءًا-. ويحكي عبدالرحمن بن أبي زرعة عن والده الإمام أبو زرعة فيقول: ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء في الطريق وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه. وكان الألباني يستعير الكتب من صاحب مكتبة تجارية في دمشق، حتى يأتي من يبحث عن الكتاب ليشتريه؛ فيبعث له صاحب المكتبة ويرده عليه. هذه بعض الأخبار في عناية من سلف في القراءة والتحصيل، وحين نسوق خبر ذاك الذي يقرأ في الطريق أو الذي يُقرأ عليه وهو يأكل الطعام، أو من سقط في جرف أو خبطته دابة وهو يقرأ، فإنها ليست دعوة إلى أن نسلك هذا السلوك؛ فذاك مسلك من استثمروا أوقاتهم وعمروها بالقراءة والعلم والتحصيل حتى لم يجدوا إلا هذه الأوقات، أما نحن فنملك رصيدًا هائلًا من الأوقات التي نستطيع أن نقرأ فيها ونحن ساكنين مطمئنين دون أن نصاب بجرح أو نخبط في طريق أو دابة.

لمن نقرأ ؟

يدعو البعض إلى القراءة لكل شخص ويقول: اقرأ كل ما وقع في يدك، وقد يكون هذا المنطق مناسبًا لفئة معينة من القراء، أما نحن في هذه المرحلة فأرى أن نختار ما نقرأ وأن نعتني به، وألا نقرأ لأي كاتب أو أي عنوان لأمور عدة:

أولها: أن المرء حين يقرأ بعض ما كتبه أولئك الذين قد دونوا بعض زلاتهم وشطحاتهم قد يقع فيها من حيث لا يشعر، ويوصي بذلك العلامة ابن القيم رحمه الله حين تحدث عن الخوارج في قصيدته الكافية الشافية وضلالهم ،قال:

يامن يظن بأننا حفنا عليهم*** كتبهم تنبيك عن ذا الشان

فانظر ترى لكن نرى لك تركها*** حذرًا عليك مصائب الشيطان

فشباكها والله لم يعلق بها*** من ذي جناح قاصر الطيران

إلا رأيت الطير في قفص الردى*** يبكي له نوحٌ على الأغصان

ويظل يخبط طالبًا لخلاصه*** فتضيق عنه فرجة العيدان

والذنب ذنب الطير خلا أطيب الثـ*** مرات في عا من الأفنان

وأتى إلى تلك المزابل يبتغي الـ*** فضلات كالحشرات والديدان

ياقوم والله العظيم نصيحة*** من مشفق وأخ لك معوان

جربت هذا كله ووقعت في *** تلك الشباك وكنت ذا طيران

حتى أتاح لي الإله بفضله ***من ليس تجزيه يدي ولساني

فالله يجزيه الذي هو أهله ***من جنة المأوى مع الرضوان

أخذت يداه يدي وسار فلم يرم*** حتى أراني مطلع الإيمان

ورأيت أعلام المدينة حولها ***نزل الهدى وعساكر القرآن

إنه يشبِّه حال هذا الذي يقرأ هذه الكتب بذاك الطير الذي يترك الثمرات العالية، ويأتي إلى أسفل الشجر؛ فقد يدخل في شباك فيحاول أن يخرج فيخفق، والطائر حين يدخل في الشباك ويخفق تزيد الشبكة التواءً عليه حتى لا يستطيع الطيران. فهذا حال من يقع في الشبه، فهو يقع في شبهة من الشبه ثم يبحث لها عن حل، ثم يقع في شُبهة أخرى ويبحث لها عن حل، حتى يصبح غارقًا في الشبه، فلا يكاد يقرأ إلا وعرضت له شبهة، ولا يكاد يسأل إلا موردًا لشبهة.

ثانيًا: إننا حين نقرأ تراجم أهل العلم نرى أن هناك من أهل العلم من بلغ منزلة عالية في العلم والتحصيل، ومع ذلك وقع في بعض البدع ووافق أهل البدع في بعض ما دعوا إليه، وحين يقع أولئك في بعض هذه البدع فهذا يدل على أننا - نحن الذين أقل منهم حظًا وتحصيلًا - عرضة أيضًا لأن نقع فيما وقعوا فيه، بل أكثر منهم.

ثالثًا: كتب أهل السنة وأهل المعتقد السليم فيها الغنية والكفاية والبركة، وبخاصة حالنا مع القراءة، فلو أننا قرأنا الكثير مما كتبه أهل السنة، وبعد ذلك لم نجد ما نقرأه، حينها قد يسوغ لنا أن ننتقل إلى المرحلة الأخرى، ولا أظن أبدًا أننا قد قرأنا أكثر ما نحتاج إليه فلم يتبق لنا إلا هذا النوع من القراءة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت