قال الإمام النووي رحمه الله:"أما معاني الحديث ومقصوده، فهو تمثيل الهدى الذي جاء به صلى الله عليه وسلم بالغيث، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس:"
فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتًا، وينبت الكلأ، فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها، وكذلك النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره، فينتفع وينفع.
والنوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع بها الناس والدواب، وكذلك النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظون حتى يأتي طالب محتاج فيعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم.
والنوع الثالث من الأرض: السباخ التي لا تنبت ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع بها غيرها، وكذلك النوع الثالث من الناس، ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أنواع من العلم منها: ضرب الأمثال، ومنها فضل العلم والتعليم وشدة الحث عليهما، وذم الإعراض عن العلم واله أعلم" [شرح النووي على مسلم (15/47-48) ] ."
وقد أثبت الرسول صلى الله عليه وسلم الخير لمن وفقه الله ففقهه في الدين، ومعنى ذلك أن من لم يفقهه في دينه فقد حرم الخير، وكيف ينال الخير من حرم الفقه في دين الله؟
ففي حديث معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى اله عليه وسلم يقول: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) ) [البخاري رقم (71) فتح الباري (1/164) ومسلم (2/718) ]
قال الحافظ رحمه الله:"ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين - أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع- فقد حرم الخير" [فتح الباري (1/165) ] .
والسبب في ربط الخير بالفقه في الدين أنه بالفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى اله عليه وسلم، يتعرف المؤمن بذلك على أسماء اله وصفاته، وما يجب له تعالى وما يجب للنفس وللناس من قريب أو بعيد، فينطلق الفقيه في الدين في عمله عن علم ومعرفة، ويفرق بين الحق والباطل، بخلاف الجاهل في ذلك كله.
وهذا يقتضي من العبد أن يجتهد في تحصيل العلم من الكتاب والسنة، وكل علم يعين على فهمهما والفقه فيهما، وأن يكون القصد من ذلك تطبيق ما علمه بعمله حتى يكون علمًا نافعا،ً وإلا كان الجاهل بدين الله خيرًا منه.
قال ابن تيمية رحمه الله:"وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى: (( فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) ) [إبراهيم: 13-14] "
وقوله: (( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) ) [الرحمن: 46] فوعد بنصر الدنيا وثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر لا يخاف الله، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: (( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ) ) [النساء: 17]
قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل .. قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته، وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم: إنما سموا جهالًا لمعاصيهم، لا لأنهم غير مميزين، وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءً، وإنما يحتمل أمرين:
أحدهما: أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه.
والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالًا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة.
فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال هما متلازمان.
والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله، وإنما يكون جاهلًا لنقص خوفه من الله ... إلى أن قال: وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ويروى مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( العلم علمان، فعلم في القلب وعلم على اللسان فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده ) )" [الفتاوى (7-21-23) ] ."
ومن أعظم ما يعين العبد على نفسه، علمه بأدوائها، وبأعوانها على الشر، وعلمه بما يعالج به تلك الأدواء ويدفع به تلك الأعوان من الكتاب والسنة، لأنه بذلك يكون مثل الجندي الذي درب على معرفة عدوه ومعرفة قوة هذا العدو وأسلحته ومواطن ضعفه وميدان انطلاقه، وكذلك زود بالعدة والأسلحة المضادة التي تبطل مفعول أسلحة عدوه وتعطل حركته وتلجئه إلى التقهقر، ثم الفشل والهرب من الميدان في آخر الأمر، فهو في حاجة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة في ميدان معركة عدوه الكافر، فالنفس هي التي تشح بفعل الخير، وهي التي تجود بالشر ولذلك علق الله فلاح الإنسان على وقايته تعالى شحها.
كما قال تعالى: (( فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرًا لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ) [التغابن: 16] .
كما بين تعالى أنه لا فلاح للإنسان إلا بتزكية نفسه، وأن الخسران في تدنيسها: (( قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها ) ) [الشمس: 9-10] ونص تعالى على كثير من الطاعات التي تزكي هذه النفس، وتكون سببًا في فلاح صاحبها، مثل قوله تعالى: (( قد أفلح المؤمنون، الذين هو في صلاتهم خاشعون ) )إلى قوله: (( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس فهم فيها خالدون ) ) [المؤمنون: 1-11] .
فاجتهاد المسلم في التفقه في دين الله من كتاب الله وسنة رسوله، هو محور فلاحه، وبعده عن ذلك من أعظم أسباب خسرانه.
الأمر الثاني من المطلب الأول: إرغام النفس على العمل الصالح الذي تضمنه المنهج الإسلامي.
لقد خلق الله تعالى الإنسان وفطره على الحركة والعمل في هذه الحياة، ليقوم بعمارة الأرض ويحقق استخلاف ربه إياه فيها، كما أنه تعالى زود هذا الإنسان بمنهج لحياته ينير له الطريق ويقوده إلى ما فيه سعادته، ودعاه سبحانه إلى الصراط المستقيم - فهو دائمًا في سعي وحركة، لا يسكن إلا ليتحرك: (( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه ) ) [الانشقاق: 6] قال ابن جرير رحمه الله:"يقول تعالى ذكره: إنك عامل إلى ربك عملًا فملاقيه به خيرًا كان عملك ذلك أو شرًا" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (30/115) ] .
وقال ابن كثير رحمه الله:"أي أنك ساعٍ إلى ربك سعيا وعامل عملا، (( فملاقيه ) )ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر."[تفسير القرآن العظيم: (4/488)
وقال سيد قطب رحمه الله:"يا أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحا، تحمل عبئك، وتجهد جهدك، وتشق طريقك في النهاية إلى ربك، فإليه المرجع، وإليه المآب، بعد الكدح والكدح والجهاد" [في ظلال القرآن: 30/3866]
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها،أو موبقها) [صحيح مسلم: (1/203) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه]