فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 788

قال النووي رحمه الله:"وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها) فمعناه كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله بطاعته، فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى، باتباعها، فيوبقها، أي يهلكها. والله أعلم." [شرح النووي على مسلم: (3/102]

وقال ابن رجب رحمه الله:"ودل الحديث على أن كل إنسان، إما ساع في هلاك نفسه، أو في فكاكها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله، فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها في الآثام الموجبة لغضب الله وعقابه" [جامع العلوم والحكم، ص: 193]

فظهر مما تقدم أن الإنسان لا بد أن يشغل وقته بعمل وسعي، فإن ملأه بالعمل بمنهاج الله، فقد حافظ على عمره الذي منحه الله، فلا يشذ به عن طاعته التي يخلص بها نفسه من غضبه وأليم عقابه، أو يملأ ذلك الوقت بطاعة الشيطان، فيكون في ذلك هلاك نفسه باستحقاها سخط الله وعقابه.

ولعل ذلك من أسباب تعظيم الله للزمن ، حيث أقسم تعالى به في مواضع من كتابه، على فلاح الإنسان وفوزه بالعمل الصالح، أو خسرانه بعمل المعاصي، لأن عمر الإنسان محدود بزمن معين، له بداية ونهاية، فهو يتقلب فيه مفلحا فائزا، أو مفلسا خاسرا.

كما قال تعالى: (( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ) [العصر]

وقال تعالى: (( والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى. فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى ) ) [الليل: 1-10]

وقال تعالى: (( والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها. والنهار 'ذا جلاها. والليل إذا يغشاها. والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها. ) ) [الشمس: 1-10]

وصرح سبحانه وتعالى، بأن المقصود من خلق الليل والنهار-يخلف كل منهما الآخر-منح عباده المتقين، التذكر والشكر-أي الدوام على عبادته- كما فال تعالى: (( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أرد أن يذكر أو أراد شكورا ) ) [الفرقان: 62]

قال ابن كثير رحمه الله:"أي يخلف كل واحد منهما صاحبه، يتعاقبان لا يفتران، إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك ... وقوله تعالى: (( لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) )أي جعلهما يتعاقبان، توقيتا لعبادة عباده له عز وجل، فمن فاته عمل في الليل، استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار، استدركه في الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح، أن الله عز وجل يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل" [تفسير القرآن العظيم: (3/324) ]

ولهذا يحاسب الله تعالى أهل النار يوم القيامة، على ما أعطاهم من الفسحة في أعمارهم التي منحهم إياها ليتذكروا حقه عليهم، ويتبعوا هداه الذي أرسل إليهم به رسله عليهم السلام، كما قال تعالى: (( والذين كفروا لهم نار جهنم، لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كل كفور. وهم يصطرخون فيها، ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير. فذوقوا فما للظالمين من نصير. ) ) [فاطر: 36،37]

قال ابن كثير رحمه الله:"أي أوما عشتم في الدنيا أعمارا، لو كنتم ممن ينتفع بالحق، لا انتفعتم به في مدة عمركم."تفسير القرآن العظيم: (3/558) ]

وفي صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله، حتى بلغ ستين سنة) [رقم الحديث: (6419) وهو في الفتح: (11/238) ]

قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله:"قال ابن بطال: إنما كان الستون حدا لهذا، لأنها قريبة من المعترك، وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية، فهذا إعذار بعد إعذار، لطفا من الله بعباده، حتى نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم، ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة، وإن كانوا فطروا على حب الدنيا وطول الأمل، لكنهم أمروا بمجاهدة النفس في ذلك، ليمتثلوا ما أمروا به من الطاعة، وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية." [فتح الباري: (11/240 ) ]

وفي سنن الترمذي، من حديث ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة، من عند ربه، حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم) [الترمذي رقم: 2531. وهو في تحفة الأحوذي: (7/99-100) والحديث فيه ضعف، ولكن النصوص السابقة واضح في أن الإنسان مسؤول عن عما عمله في عمره، فهي دالة على معناه،]

فالزمن الذي يعيش فيه المكلف، هو مسؤول عنه أمام الله تعالى يوم القيامة، وذلك يقتضي أن يجاهد المرء نفسه باستمرار، بملء هذا الزمن بطاعة الله، لا بمعاصيه.

تابع للأمر الثاني: وهو إرغام النفس على العمل الصالح الذي تضمنه المنهج الإسلامي.

لما كان عمر الإنسان كله-في حال تكليفه-لا بد من تحركه وسعيه وكسبه فيه، فإن نجاحه وفلاحه، لا يتحققان إلا بملء وقته بطاعة الله، وإلا أصيب بمفسدة الفراغ الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبر أن الفراغ نعمة يندم على تفويتها صاحبها، إذا لم يستغلها في طاعة ربه، لأن الذي لا يشغل وقته بطاعة الله، سيشغلها بمعصيته.

ففي حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) [صحيح البخاري: رقم (6412) وهو في الفتح: (11/229) ]

قال الحافظ:"قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا، حتى يكون مكفيا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك، فليحرص على ألاّ يغبن، بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك، فهو المغبون" [فتح الباري: (11/230) ]

ولقد وعى السلف الصالح-وعلى رأسهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-خطر التفريط في الفراغ، وعدم شغله بطاعة الله تعالى، ومن ذلك وصية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما التي كان يعظ بها الناس، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أوعابر سبيل) وكان ابن عمر يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" [صحيح البخاري، رقم: (6416) وهو في الفتح: (11/233) ]

قال ابن رجب رحمه الله:"قوله: وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك، يعني اغتنم الأعمال الصالحة، قبل أن يحول بينك وبينها السقم، ومن الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت. وقد روي معنى هذه الوصية عن النبي صلى الله عليه وسلم-وذكر حديث ابن عباس لسابق-."

وفي صحيح الحاكم عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) [جامع العلوم والحكم: ص 336]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت