فهرس الكتاب

الصفحة 627 من 788

ولقد أخبر الله في كتابه، أن الذي لا يشغل فراغه بطاعة ربه في الدنيا، يندم على ذلك يوم القيامة، ويتمنى أن يعود إلى الدنيا ليحصل له فراغ يشغله بطاعة الله، ولكن ذلك الندم لا ينفعه، لأنه فوت على نفسه وقتا كافيا منحه الله إياه، شغله بغير طاعة الله، كما قال تعال: (( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له، من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون. أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين. بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين. ) ) [الزمر: 54-59] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

قال الأستاذ محمد قطب-مبينا خطر الفراغ على الإنسان-:"إن الفراغ مفسد للنفس، إفساد الطاقة المختزنة بلا ضرورة، وأول مفاسد الفراغ، هو تبديد الطاقة الحيوية لملء الفراغ، ثم التعود على العادات الضارة التي يقوم بها الإنسان لملء هذا الفراغ، والإسلام حريص على شغل الإنسان شغلا كاملا، منذ يقظته إلى منامه، بحيث لا يجد الفراغ الذي يشكو منه، ويحتاج إلى ملئه إلى تبديد الطاقة أو الانحراف بها عن نهجها الأصيل." [منهج التربية الإسلامية (1/253) ]

(تابع للأمر الثاني: وهو إرغام النفس على العمل الصالح الذي تضمنه المنهج الإسلامي.)

عندما حذر الله تعالى عبده خطر الفراغ والتفريط فيه، وأمره بملئه بطاعته، لم يترك سبحانه هذا العبد يتخبط في وضع منهج عملي يملأ به ذلك الفراغ، من عند نفسه، بل تفضل الله سبحانه على عبده بمنهج عملي شامل لحياته كلها، من وقت ولادته إلى أن يلقى ربه.

فليس عند المسلم مطلقا وقت فراغ يملؤه بغير طاعة الله، وهذا المنهج الرباني يشمل نشاط قلبه وعقله وجسمه وروحه في كل جزء من أجزاء حياته، ويطلق على هذا المنهج:"العبادة"أو"العمل الصالح"وما أشبه ذلك من الألفاظ الدالة عليه، كـ"الخير"و"البر"و"الطاعة"و"المعروف"

غاية المنهاج العملي.

وقد جعل الله تعالى لمنهاجه العملي-الذي لا يجد الإنسان معه فراغا يشكو منه، أو يشغله بالشر والفساد-غاية تجمع نشاط الإنسان ، بحيث لا يتحرك ولا يسكن إلا لتحقيق تلك الغاية.

وهذه الغاية هي"رضا الخالق"الذي وصف تعالى عباده المؤمنين باتباعه، ومعلوم أن اتباع رضوان الله تعالى، وهو الواقي من اتباع الهوى والنفس الأمارة بالسوء والشيطان، كما قال تعالى: (( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ولم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم ) ) [آل عمران: 173-174]

وهو تعالى إنما يرضى الإسلام، فمن أسلم لله فقد اتبع رضوانه، كما قال تعالى: (( اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا ) ) [المائدة: 3]

وهو سبحانه لا يرضى الكفر والفسوق والعصيان، فمن كفر، أو فسق، أو عصى ربه، فقد اتبع ما يسخط الله، لا ما يرضيه، كما قال تعالى: (( إن تكفروا فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم ) ) [الزمر: 7] وقال تعالى: (( يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) ) [التوبة: 96]

وكما أنه تعالى لا يرضى الكفر والفسوق والعصيان، فإنه كره ذلك إلى عباده المؤمنين، وحذرهم منه، كما قال تعالى: (( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون ) ) [الحجرات: 7]

والمؤمنون الذين اتبعوا رضوان الله، خصهم تعالى برضاه عنهم ورضاهم عنه، كما قال تعالى: (( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك هم خير البرية. جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه. ) ) [البينة: 7-8]

ولما كان الهدف والغاية من كسب المؤمن في الدنيا، هو رضا الله تعالى، فإنه تعالى يذكر عباده المؤمنين، بعد دخولهم الجنة -التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر-وظنهم أنه لم يبق أي نعيم لم ينعم به الباري عليهم، يذكرهم الله بنعمة رضوانه عليهم، وحصولها لهم، وإحلالها عليهم، إحلالا لا انقطاع له.

كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) [صحيح مسلم (4/2176) ]

هل ترى الإنسان الذي حدد الله له غايته، فرضي تلك الغاية، وهي رضاه تعالى عنه، هل تراه يتسبب في إفساد فراغه بتبديد طاقته أو شغل وقته بما هو شر؟

(تابع لمنهاج ملء الفراغ وغايته)

لقد بين تعالى في كتابه الكريم، أنه لم يخلق المكلفين من عباده في هذه الأرش-جنهم وإنسهم-إلا لعبادته، وليس لشيء آخر، كما قال تعالى: (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. ) ) [الذاريات: 56-58]

كما بين تعالى في آيات أخرى، أن نشاط هذا الإنسان كله لله، فحركاته وسكناته، وحياته وموته كلها لله، كما قال تعالى: (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) ) [الأنعام: 162-163]

وقد يشكل على بعض الناس، ممن لم تدرك أفهامهم مقاصد القرآن والسنة ومصطلحات الإسلام، هذا الشمول في الآيتين، فيسألون: أما خلق الإنسان إلا لعبادة الله؟ ألا يزاول غير عبادة الله، من أكل وشرب وملبس، وصحوة ونوم، ومسكن ومركب، وقيام وقعود، في غير صلاة وصيام وحج وقراءة قرآن وذكر....؟

نعم قد يشكل على هؤلاء هذا الشمول الذي يجعل عمر الإنسان كله عبادة، لأنهم لم يفهموا معنى العبادة التي لم يخلقهم الله تعالى لغيرها، ولو فهموها كما فهمها السلف الصالح، لما حصل لهم هذا الإشكال.

لقد وضح رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه-وهو إيضاح للأمة كلها-أن العبادة عامة شاملة، لكل ما يتقرب به الإنسان إلى ربه-ولو كان مباحا-

فكما أن أركان الإيمان-وهي من أعمال القلب-وأركان الإسلام-وهي من أعمال الجوارح-وما تفرع عن تلك الأركان، هي أصول العبادة، فكذلك سعي الإنسان لاكتساب رزقه ورزق عياله، إذا قصد به وجه الله، والتَّقَوِّي على طاعته، هو عبادة. وتقيد الإنسان في بيعه وشرائه وكل معاملاته، بما أحل الله تعالى واجتناب ما حرم، هو عبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت