فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 788

لا بل إن المسلم لينام على سريره يرجو أن يثيبه الله على منامه، ولهذا كان ذاكرا لربه في كل حال من أحواله، فيذكر الله إذا أوى إلى فراشه، ويذكره إذا استيقظ من منامه، ويذكره إذا أغلق باب داره، ويذكره إذا أراد دخول المرحاض لقضاء حاجته، ويذكره إذا خرج منه، ويذكره إذا دخل المسجد أو خرج منه، ويذكره عند تناول طعامه أو شرابه، وإذا فرغ منهما، ويذكره إذا لبس ثوبه، ويذكره إذا خرج من داره أو دخلها، ويذكره إذا ركب دابته أو سيارته أو طائرته أو سفينته... ويذكره إذا غادر بلدته مسافرا، أو قفل إليها راجعا، بل لا يزال لسانه رطبا بذكر الله محققا أمر الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا. وسبحوه بكرة وأصيلا. ) ) [الأحزاب: 41-42]

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) [البخاري، رقم: 2989، وهو في الفتح: (6/132) ]

قال ابن رجب رحمه الله في شرح الحديث:"وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة، منها ما نفعه متعد، كالإصلاح وإعانة الرجل على دابته.. والكلمة الطيبة، ويدخل فيها السلام، وتشميت العاطس، وإزالة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفن النخاعة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسماع الأصم، وتبصير المنقوص بصره، وهداية الأعمى أو غيره الطريق..."

ومنه ما هو قاصر النفع، كالتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والمشي إلى الصلاة، وركعتي الضحى..." [جامع العلوم والحكم، ص: 216] "

ويحس المسلم بالضر الذي يصيبه، من جوع وعطش ونحوهما، فيدفعه عن نفسه إذا قدر عليه، يحس بأن غيره من الحيوانات العجماء-فضلا عن الإنسان-إذا أصابه ذلك الضرر، قد لا يقدر على دفعه عن نفسه، فيسرع المسلم لنجدته، ابتغاء وجه ربه، فينال بذلك ثواب الله ورضاه، لأنه تقرب إليه بذلك.

كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (بينما رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفمه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له) قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: (في كل كبد رطبة أجر) [البخاري، رقم الحديث: 2363، وهو في الفتح: (5/40) ومسلم: (4/1761) ]

ويسعى المسلم، ليكسب الرزق لعياله، وهو يبتغي بذلك وجه الله، يكون في عبادة يثيبه الله عليها، كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه-وفيه-: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في أمرأتك) [البخاري، رقم: 2742 ، وهو في الفتح: (5/363) وصحيح مسلم: (3/1250) ]

وهذا المعنى -وهو أن الله تعالى خلق الإنسان ليكون نشاطه كله عبادة لربه-هو الذي فهمه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من معنى العبادة أو العمل الصالح الذي يحقق الغاية، وهي رضا الله تعالى، ولهذا قال معاذ بن جبل رضي الله عنه:"والله إني لأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي" [البخاري، رقم: 4342، وهو في الفتح: (8/60) وصحيح مسلم: (3/1456) ] ومعنى كلامه: أنه يرجو أن يثيبه الله على نومه، كما يرجوه أن يثيبه على قيام الليل.

وفهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسيلم، ومن تبعهم ممن فقههم الله في الدين، هو الذي جمع طاقتهم ووحدها لتحقيق تلك الغاية، فرفعوا بذلك كلمة الله في الأرض، في فترة قصيرة من الزمن، كما أكثروا من طاعة الله والتقرب إليه، إذ غدت أعمالهم كلها طاعة لله وعبادة وعملا صالحا، ولو كانت في الأصل مباحات.

يدل على ذلك أن الأحكام التكليفية لا تخرج عن خمسة أقسام، وهي: الواجب، والمندوب، والمباح، والحرام، والمكروه، والعبد إذا فعل الواجب والمندوب والمباح قاصدا وجه الله، فقد عبد الله بذلك، ونال ثوبه، وإذا ترك المحرم والمكروه، قاصدا وجه الله، فقد عبد الله بذلك، ونال ثوابه، بل إذا ترك المباح -ورعا-خشية أن يقع فيما به بأس أثابه الله على ذلك، وأعمال الإنسان لا يمكن أن تخرج عن هذه الأحكام التكليفية، كما هو معلوم.

وهذا ما دعا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن يعرف العبادة تعريفا شاملا لا يخرج منه أي جزء من أعمال القلوب والجوارح المراد به وجه الله، فقال:"العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك في الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك، من العبادة" [مجموع الفتاوى: (10/149) ]

وعلى هذا فالعمل الصالح، هو ما يراد به وجه الله، مطابقا لشرعه، سواء كان واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، يتقرب بعملها العبد إلى ربه، أو محرما أو مكروها، يتركهما العبد لوجه ربه، وهي الأحكام الخمسة المعروفة في علم أصول الفقه بـ"الأحكام التكلبفية".

(تابع لمنهاج ملء الفراغ وغايته)

إن أداء الفرائض والمحافظة عليها، هو الحد الأدنى الذي كلفه الله المسلم، حيث لا يجوز له التفريط فيه، بل يجب عليه أداؤه على الوجه المطلوب شرعا فيه.

وأول هذه الفرائض، الإخلاص لله في عبادته، وهو تنقية العمل وتصفيته من شوائب الشرك، سواء شركا أكبر، و هو الذي لا يغفره الله تعالى، كما قال عز وجل: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ) [النساء: 48،116]

أو شركا أصغر-ومنه إرادة الإنسان بعمله مراءاة الناس-كما قال تعالى: (( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ) [الكهف: 110]

وفي الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه) [صحيح مسلم: (4/2289) ]

وقد أمر الله تعالى بالإخلاص في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ) [البينة: 5]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك) [البخاري، رقم الحدي (50) وهو في الفتح: (1/114) ومسلم: (1/36) ]

وقال: (اتق الله حيثما كنت) [الترمذي: (4/355) وقال:"حديث حسن صحيح. وراجع جامع العلوم والحكم، لابن رجب"ص 136)]

والإخلاص لله تعالى في العمل، يربي النفس على الاتجاه إلى بارئها، وانصرافها عمن سواه، وهذان الأمران هما العاصمان -بإذن الله-من الهوى والانزلاق في مهاوي الشهوات والمعاصي. وهو أساس الخوف من الله تعالى وخشيته التي تحجز المسلم من تلك الشهوات والمعاصي، كما قال تعالى: (( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى ) ) [النازعات: 40،41]

ولما كان الإخلاص هو أساس الأعمال الصالحة، استحق الذكر في مقدمتها.

وقد حث الله تعالى العبد على تزكية نفسه، بما افترضه الله عليه في نصوص القرآن والسنة، ويصعب استقصاء تلك الفرائض ونصوصها، وأثرها في تزكية النفس هنا. ويكفي ذكر بعضها على سبيل الأمثلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت