فهرس الكتاب

الصفحة 675 من 788

فالانشغال بأمور النساء سبب في إطلاق النظر فيهن ومما يؤسف له أن هذا الأمر قد تسرب لمجالس كثير من أهل الخير حتى أصبحت بعض مجالسهم تكاد لا تخرج عنه وهذا مؤشر خطير ينبغي أن يحذر منه أهل الخير ويرتقوا بمجالسهم إلى ما هو أعلى من ذلك وخير منه كما قال بعض العلماء"جنبوا مجالسنا الدنيا والنساء"ولا يشتغلوا بتوافه الأمور ولا بدنيء الهمم ، وأما أولئك المتسمرون أمام الشاشات والمتأملون فيها الساعات تلو الساعات ، فقد فتك بقلوبهم حب الغانيات وعصف بمشاعرهم مشاهد العاهرات ، حتى قادتهم إلى سبل الشيطان وأردتهم في مهاوي الهلاك ، علموا بذلك أم لم يعلموا ، وقد سكروا بكؤوس النظر التي يتجرعونها ، وأنسوا بالمستنقعات وهي ماء زلالا يظنونها ، فشرقوا بغصصها وغرقوا في لججها ، فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

5-التقليد وحب الاستطلاع: وأكثر ضحايا هذا القسم هم من فئة الشباب حين يسمعون أو يقرؤون أو ينظرون إلى من حولهم من الأصحاب والإخوان ، يتحدثون عن المغامرات العاطفية وخاصة أن بعض الشباب وللأسف ينشئون في بيئة لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا ، فيرى الشاشات وما يعرض فيها من صور للحب الساقط والتصنع المبتذل ، ويسمع من حوله يتحدثون عن حب فلانة وفلان فإنه حينئذ يتحفز لاستجلاء هذا الأمر وسبر غوره ، ولكي يكون عنده رصيد يتحدث ويفتخر به ، فتبدأ مرحلة الشقاء بإطلاق النظر في كل مليحة ومليح ، فإن كان ذلك و إلا صنعه في الخيال وحاك حوله القصص والأساطير ، فيكون هو أول المصدقين بذلك ، فيخوض في غمار اللجج ويطلب النجاة و لكن هيهات

الحب أوله شيء يهيم به قلب *** المحب فيلقى الحب كاللعب

يكون مبدؤه من نظرة عرضت *** أو مزحة أشعلت في القلب كاللهب

كالنار مبدؤها من قدحة فإذا *** تضرمت أحرقت مستجمع الحب

ومن أسباب إطلاق البصر محادثة النساء الأجنبيات:

قال ابن القيم"والشعراء قاطبة لا يرون بالمحادثة والمخاطبة والنظر للأجنبيات بأسا وهو مخالف للشرع والعقل وفيه تعريض للطبع لما هو مجبول عليه من ميل كل واحد للآخر ، وكم من مفتون بذلك في دينه ودنياه لأن ذلك مدعاة لتركيز النظر والتنقيب عن المحاسن حتى تنقش في القلب وكلما تواصلت النظرات وتتابعت كلما زاد تعلق القلب وهيجانه ، مثل المياه تسقى بها الشجرة فإذا أكثر من المياه فإنها تفسد الشجرة ، وكذلك النظر إذا كرر وأعيد فإنه يفسد القلب لا محالة فإذا تعرض القلب لهذا البلاء فإنه يعرض عما أمر به ويخرج بصاحبه إلى المحن (19) ."

وقال ابن الجوزي"ومن التفريط القبيح الذي جر أصعب الجنايات على النفس محادثة النساء الأجانب والخلوة بهن وقد كانت عادة الجماعة من العرب ، ويرون أن ذلك ليس بعار ويثقون من أنفسهم بالامتناع عن الزنا ويقتنعون بالنظر والمحادثة وتلك الأشياء تعمل في الباطن و هم في غفلة من ذلك إلى أن هلكوا ، و هذا الذي جنى على مجنون ليلى وغيرهم فأخرجهم إلى الجنون والهلاك (20) ."

وبعض الناس يستصعبون محادثة النساء البعيدات عنهم ولكنهم يخالطون من حولهم من النساء كزوجات إخوانهم ونحو ذلك وينظرون إليهن ويدخلون عليهن ولذلك سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك خاصة فقيل له أرأيت الحمو؟فقال (( هو الموت ) ) [رواه البخاري5232 ، ومسلم2172]

فليحذر المسلم من مخالفة أمر الله و رسوله صلى الله عليه وسلم ولتكن علاقاته مبنية على أصول الشرع لا يتعدى ولا يفرط ، ولا يجعل هذه الأمور لهوى نفسه ونزعات شيطانه .

6-الإعلام الفاسد بكافة وسائله من المقروء والمسموع والمرئي ، على كافة المستويات حيث يحمل العبء الأكبر من العبث بأفكار وعقول الجيل بل إنه مسخ عقولًا بما يعرضه ويفرضه من صور فاضحة ومشاهد يستحيا من ذكرها فضلا عن رؤيتها ، وخاصة في غياب شبه كامل من أهل الصلاح والخير ، في الوقت الذي نرى فيه أهل الباطل والفساد من أرباب الشهوات والشبهات يفتتحون قنوات تخص باطلهم وتنشر رذائلهم وهم يعملون بدأب عجيب ، فنشكو إلى الله جلد الفاجر وعجز المؤمن.

7-الاختلاط والتبرج والسفور: وهذا أدى إلى انتشار الفواحش وإطلاق الأبصار المسعورة في الصور المعروضة وهو رأس دواعي الفتنة ولذا لم يأل أعداء الإسلام وخاصة دعاة التغريب وسعا في الحث عليه والدعوة إليه والتهافت في ذلك وبذل الوسع والطاقة في جلبه وتحصيله ، ولما اشتدت وطأة التبرج في الكثير من الأقطار الإسلامية كثر المتساقطون في حبالها ، وأصبح الذي يغض بصره في بعض المجتمعات كالقابض على الجمر لكثرة المنكر وانتفاخه ، ولكن ليبشر هؤلاء الصابرون {فإن مع العسر يسرا }

8-المصافحة:

وقد يعجب البعض من هذا السبب ولكن لما العجب وقد وردت النصوص في تعظيم هذا الأمر والوعيد الشديد في حق فاعله ، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لأن يطعن في رأس رجل بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له ) ) [الصحيحة226]

وقد بين ابن القيم رحمه الله سرا في ذلك فقال"والسبب الطبيعي أن شهوة القلب ممتزجة بلذة العين فإذا رأت العين اشتهى القلب فإذا باشر الجسم الجسم اجتمع شهوة القلب ولذة العين ولذة المباشرة (21) "

فسبحان الله ! كم من مفتون بذلك ، يستسهل هذا الأمر ويستصعب تركه أو بسبب ضغوط من حوله حتى يتلذذ بهذا الأمر ويشتهيه قلبه فما يزال الشيطان به حتى يكبه في أودية الهوى صريعًا والله المستعان .

9-ومن أسباب إطلاق الأبصار: تزيين الشيطان وتسويله: وذلك بإيجاد مسوغ شرعي للنظر كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو مخالطة الغلمان وتعليمهم ونحو ذلك ، ومعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يحتاج إلى النظر إلى بعض المنكرات ولكن هذا أبيح للضرورة والحاجة فيقدر بقدر ذلك ، وأما أن يسترسل الإنسان في ذلك ويديم النظر أكثر من الحاجة فهذا قد تجاوز الحد المباح فلينتبه الدعاة وفقهم الله لذلك ويحذروا من خطوات الشيطان ، وكذلك مسألة مخالطة الغلمان من قبل المدرسين أو غيرهم ، ولا شك أن تربية النشء وتعليمهم من أعظم الأعمال ، ولكن أذكر ما قاله ابن الجوزي رحمه الله من لفتة تربوية رائعة حيث قال"والعالم والعابد قد أغلقا على أنفسهما باب النظر إلى النساء الأجانب لبعد مخالطتهن ، والصبي مخالط لهم فليحذر من فتنته فكم زل فيها من قدم وكم قد حلت من عزم ، وقل من قارب هذه الفتنة إلا وقع فيها (22) "

ولست هنا أدعوا إلى ترك الشباب لدعاة الفساد والشهوات ، بل أؤكد على الدعاة وفقهم الله أن يتحملوا هذه المسؤولية فهم أحق بها أهلها ، ولكن أدعوا إلى الحذر من الانزلاق إلى طريق لا تحمد عقباه ، ولا يكون ذلك إلا بالصدق مع الله فإنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير .

العلاج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت