أولًا: استخدام العلاج الذي أمر الله تعالى به في قوله {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ويعلم أن غض البصر طاعة يتقرب به إلى مولاه عز وجل ، ومعلوم أن الله لا يأمر عباده إلا بما يقدرون عليه ، وهو سبحانه أعلم بهم وبما يصلحهم ، وهو القائل {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ولم يستثن أحد من هذه الآية ، بل الخطاب عام لأهل الإيمان ، فلا يأتي متحذلق بعد ذلك ويقول بأنه لا يستطيع أو أن الهوى قد غلب عليه ، أو نحو ذلك ، وهذا إنما جنى على نفسه بإطلاق بصره أولا ، ولو أنه امتثل للأمر لبلغه الله ما يريد ولعصمه من هذه الفتنة ، ولكن هذا من عاقبة التفريط ، ومعلوم أن غض البصر يحتاج إلى صبر ومصابرة ومرابطة على الثغر وكل بحسب قوة إيمانه وإرادته فمقل ومستكثر .
ليس الشجاع الذي يحمي مطيته *** يوم النزال ونار الحرب تشتعل
لكن فتى غض طرفا أو ثنى بصرا *** عن الحرام فذاك الفارس البطل
قال ابن الجوزي"ليكن لك في هذا الغض عن المشتهى نية تحتسب بها الأجر وتكتسب بها الفضل وتدخل بها من جملة من نهى النفس عن الهوى" (23)
ثانيًا: استخدام العلاج النبوي: وذلك حين سئل عليه الصلاة والسلام عن نظر الفجأة فأرشد إلى العلاج النافع الذي من استعمله سد عليه هذا الباب بالكلية ولا يحتاج معه لعلاج غيره فقال (( اصرف بصرك ) )و أوصى ابن عمه بهذا العلاج فقال عليه الصلاة والسلام (( يا علي لا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى وليست لك الثانية ) ).
فهذان العلاجان هما من أنفع الأدوية ولا يحتاج معها المؤمن إلى علاج آخر إذا عمل بها ، ولاحظ انه علاج وقائي ، والعلاج الوقائي يعتبر من أفضل ما ينتفع به الإنسان ، لأنه يعالج الأمور ويدفعها قبل حصولها أصلا ، فإذا غض المؤمن بصره عن الحرام ثم إذا وقع بصره على شيء صرفه مباشرة ولم يعاود النظر فإنه أمن بذلك من هذه الفتنة العظيمة بسبب امتثاله لأمر الله ورسوله {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } .
ثالثًا: الصبر على غض البصر:لأن في إطلاق البصر قد يجد ما تتلذذ به العين ويشتهيه القلب فكان الغض عند ذلك شديدا على النفس يحتاج إلى صبر طويل ، وكلما استرسل بصره ثم أراد أن يغضه بعد ذلك ، كلما ازداد صعوبة في ثنيه ورده ، قال الحسن رحمه الله"إن هذا الحق قد اجهد الناس وحال بينهم وبين شهواتهم وإنما صبر على هذا الحق من عرف فضله ورجا عاقبته" (24) وقال ابن الجوزي رحمه الله""فالطاعة مفتقرة إلى الصبر عليها والمعصية مفتقرة إلى الصبر عنها فلما كانت النفس مجبولة على حب الهوى فكانت بالطبع تسعى في طلبه افتقرت إلى حبها عما تؤذي عاقبته ، ولا يقدر على استعمال الصبر إلا من عرف عيب الهوى وتلمح عقبى الصبر فحينئذ يهون عليه ما صبر عنه وعليه ، وبيان ذلك يتمثل بمثل وهو: أن امرأة مستحسنه مرت على رجلين فاشتهيا النظر إليها فجاهد أحدهما وغض بصره فما كان إلا لحظة ونسي ما كان ، و أوغل الآخر في النظر فعلقت بقلبه فكان ذلك سبب فتنته وذهاب دينه" (25) ."
رابعا: التفكر في حقيقة المنظور: فإذا نازعتك النفس إلى النظر الحرام فتأمل حقيقة ما تنظر إليه ، و ما تنطوي عليه من الأمور التي إذا تأملها عاقل و أمعن فيها وتفكر اقتنعت نفسه ولم تحدثه ولم تنازعه ، فهذه عملية لإقناع النفس بعدم جدوى النظر ، فمثلا عندما يقول القائل"إذا أعجبتك امرأة فتأمل مناتنها"وأعظم المناتن الكفر بالله ، وأدنى من ذلك الفسق والفجور والضلال ، وجميع ما يعرض في القنوات والمجلات و غيرها من الصور الفاتنة لا تكاد تخرج عن هاتين الصفتين وان كان الأول أعظم لكن الثاني تأباه الفطر والعقول التي لم تعبث بها الشياطين ، ثم تذكر بعد ذلك المناتن من المخاط والبول والغائط والعرق ورائحة الفم وغير ذلك ، ثم تذكر القبائح المعنوية مثل الغش والدجل والكذب والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل إلى غير ذلك مما يعلن وينشر من الفضائح اليومية والدورية ، فأين من يتأمل ذلك ويعمل الفكر فيه ؟و إلا فالكثير مطلق بصره بشهوة يتأمل في حسن الصورة ، منبهر من حسن الشكل ، معرض عن الصورة الحقيقية الباطنة التي غابت عنه ، وقد ذم الله تعالى أولئك الذين يعجب الناس مظهرهم من الهيئة وحسن الشكل والكلام ، لكنهم خواء من الإيمان ، قاعدون عن كل فضيلة ، واثبون إلى كل رذيلة فقال سبحانه {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة....}
فمتى يدرك المسلمون هذه الحقيقة القرآنية ؟ ، مع أنها أصل من أصول ديننا وهو الولاء و البراء.
خامسًا: تأمل العواقب وملاحظتها فإذا تأملت عاقبة النظر وما سيؤول إليه فإنك تدرك أثره وتأثيره على قلبك وجوارحك وإيمانك وجميع ما يصدر عنك ، فتعلم حينئذ خطره فتؤثر الغض وتراقبه أيما مراقبه"وإطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظة العواقب ، ومرسل النظر لو علم ما يجني نظره عليه لما أطلق بصره ، قال الشاعر:"
وأعقل الناس من لم يرتكب سببا *** حتى يفكر ما تجني عواقبه
وانظر إلى هذا العاقل حين تعرضت له تلك المرأة وعرضت نفسها عليه فصاح بها وأعرض عنها حيث أنه تذكر العاقبة والعقاب فقال:
فكم ذي معاصي نال منهن لذة *** فمات وخلاها وذاق الدواهيا
تصرم لذات المعاصي وتنقضي *** وتبقى تباعات المعاصي كما هيا
فيا سوءتا والله راء وسامع *** لعبد بعين الله يغشى المعاصيا
سادسًا: تذكر ما أعده الله عز وجل لعباده الصالحين في جنات النعيم وما فيها من المشتهيات واللذات على أكمل الأوجه وأوسعها وأوعاها كما قال تعالى عن تلك الدار (الزخرف:71) {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وانتم فيها خالدون } وقال تعالى (الإنسان:20) {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:قال الله تعالى (( أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) )
فسم بعينيك إلى نسوة *** مهورهن العمل الصالح
وحدث النفس بعشق الأولى *** في عشقهن المتجر الرابح
واعمل على الوصل فقد أمكنت *** أسبابه ووقتها رائح
وهذا الأمر ينبغي الاشتغال به والشوق إليه والسعي في بلوغه وحصوله
دع المصوغات من ماء وطين *** واشغل هواك بحور عين
سابعا: اليأس: وذلك بأن يجزم جزمًا ويعقد عزمًا على غض البصر ، بحيث تقنط النفس مع هذا الجزم ، وتيأس بأن لا تتطلع إلى المحذور مع هذا العزم ، فإنها حينئذ تذعن للغض ، ولو على مضض ، وهذا يحتاج إلى نفس حره عزيمة أبيه وكم من إنسان يعرف بأنه مخطئ ولكنه يسترسل لضعفه أمام شهوات نفسه ولا يزول ذلك إلا باليأس من العودة إلى المحذور
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى *** فإن أطمعت تاقت وإلا تخلت
قال ابن سهل: وجدت الراحة في اليأس (26) .