فهذا عمير بن أبي وقاص .. بطل من أبطال الصحابة .. كان عمره ستة عشر عامًا .. يروي قصته أخوه سعد بن أبي وقاص كما يذكر ابن سعد في الطبقات .. حضر عمير غزوة بدر .. وكان قبل المعركة يتخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم .. وما هي جريمته حتى يتخفى ؟ لقد كان يتخفى حتى لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم فيردَّه بسبب صغره .. ولكن .. سرعان ما اكتشف هذا البطل الصغير .. فيؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. فلما رآه صغيرًا رده عن المشاركة في المعركة .. فتولى وهو يبكى .. لم يبك خوفًا من الموت ، بل يبكى لأنه حرم الموت في سبيل الله .. ثم لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم بكاءه وإصراره أجازه ، فدخل المعركة ، فقاتل حتى قتل .. رضي الله عنهم أجمعين .
عباد ليل إذا جن الظلام بهم *** كم عابد دمعَه بالخد أجراه
وأسد غاب إذا لاح الجهاد بهم *** هبوا إلى الموت يستجدون لقياه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفرًا *** يشيدون لنا مجدًا أضعناه
هذا ما نرجوه من الآباء والمربين .. وأما الشباب .. فإنه وإن فسد المربي فإن هذا لا يكون مبررًا لفساد المتربي .
كم أحزن وأتألم، عندما يشكو لي بعض الشباب انحراف آباءهم، بل يصلي بعضهم معي في المسجد وقد اسود وجهه، ونكّس رأسه، ثم يقول: عندنا مدمن في البيت، فأقول له: من هو؟ فيقول: والدي!! .
فإلى هؤلاء الشباب، إلى كل من فقد الوالد .. أو ابتلي بأب فاسد .. أقول: صبرًا يا حبيبي .. اصبر لربك .. واثبت على دينك .. فقد أكرمك الله بالعقل .. ونهاك عن طاعة غير الله في المعصية ، وإن كان أقرب الناس إليك .. قال تعالى: ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا ) .
ليكن لك يا أخي في إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة عندما ضل أبوه آزر .. ثم هدده بالرجم والهجر فقال: ( أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليًا ) .. لكن إبراهيم أمام هذا التهديد ؛ كان أمة في صبره وثباته على دينه .
يقول سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه كنت برًا بأمي ، فلما أسلمتُ قالت:يا سعد، ما هذا الدين الذي قد أحدثت؟ لتدعنَّ دينك هذا أو لا آكلُ ولا أشربُ حتى أموت ، فتُعَيَّر بي ،فيقال: يا قاتل أمه ، قلت:لا تفعلي يا أمّه، إني لا أدع ديني هذا لشيء ، فمكثت يومًا وليلة لا تأكل و لا تشرب ، و أصبحت و قد جهدت ، فلما رأيت ذلك ، قلت:يا أمه تعلمين و الله لو كان لك مائة نفس ، فخرجت نفسًا نفسًا ، ما تركت ديني، إن شئت فكلى أو لا تأكلي . فلما رأت ذلك أكلت .
فنقول لكل شاب ، الله الله بالثبات ، ودعوة الوالد بالتي هي أحسن .
3)رسالة إلى القائمين على الإعلام في بلاد الإسلام .. بأن يتقوا الله في شبابنا وأسرنا .. وأن ينتقوا من المواد الإعلامية ما يرسخ القيم التربوية الصحيحة في نفوس الناشئة .. ولا يعارض شريعة الله تعالى .
وهمسة في أذن كل أب .. وكل شاب بأن نقي أنفسنا وأهلينا هذه السهام .. سهامَ الشبهات والشهوات .. التي صوبت إلينا عبر المجلات والشاشات والشبكات . فلا نفتح بيوتنا للصوص الفضيلة .. وقطاع الطريق إلى الله .
إنه لابد من التحذير .. ولابد من التغيير .. (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله) .
4)الفراغ قاتل .. فلا بد من احتواء أوقات الشباب .. وملئها بالنشاطات المفيدة والنافعة . وبلادنا المباركة تنعم بحمد الله بالعديد من الجهات التي تقدم البرامج والأنشطة للشباب كحلقات تحفيظ القرآن .. والمراكز الصيفية .. والمخيمات الشبابية . ولكن .. تبقى الحاجة ماسة إلى دعم وزيادة هذه الأنشطة المباركة ، بل وحتى في أوقات الدراسة .. أدعو إلى دراسة إيجاد مراكزَ جادة للنشاط واستثمار أوقات الشباب .
5)الرفقة الرفقة ..
أيها الشاب .. قل لي بربك: أي الفرقين تصاحب؟
هل تصاحب إخوانًا صالحين .. يحبك الله بحبهم .. ويغفر لك بمجالستهم .. هم والله نعم العُدة .. في الرخاء والشدة .. تقتبس في الدنيا من علمهم وأدبهم .. وتظفر يوم القيامة بشفاعتهم .. قال تعالى: (الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) .
هل تصاحب هؤلاء المتقين؟ أم تصاحب قومًا يحرقون ثياب استقامتك .. ويفسدون ريح كرامتك .. إذا كان الرخاء .. أطلقوا في وجهك الابتسامات الصفراء .. وإذا كانت الشدائد .. لم يصف لك منهم واحد .. وإذا كانت القيامة .. كانت الحسرة والندامة .
ثم أقول لكل أب ومربي .. ما دورك في هذا الجانب ؟
وبعض الآباء يقول: (وانا وش اسوي؟ أحبس الولد في البيت ؟)
فنقول: يا أخي نحن لا نطالبك أن تغلقَ على ولدك الأبواب .. ولا أن تفرضَ عليه العزلة عن الناس .. لكن بيدك أمورٌ كثيرةٌ نافعة بإذن الله ، أذكر بعضها بإيجاز:
أولًا ) أن يكون عندك معرفة صحيحة بشروط وصفات الرفقة الصالحة التي تريدها لولدك ، كصفة الاستقامة والخيرية والاتزان .
ثانيًا ) ذكّر الولد دائمًا منذ الصغر بأهمية الرفيق الصالح وخطر جليس السوء .
ثالثًا ) هيء الجو لوجود الرفقة الصالحة ، اختر السكن المناسب .. وانتق المدرسة الجيدة .. وأعد النظر في هاتين البيئتين - الحي والمدرسة - من وقت لآخر .
رابعًا ) أشرك الولد في الأنشطة المفيدة كحلق تحفيظ القرآن والمكتبات الخيرية والمراكز الصيفية، بحيث يكتسب الولد منها الرفاق الصالحين .. ويسلم بإذن الله من الانحراف .
خامسًا ) المتابعة غير المباشرة ، وتفقد رفقاء الولد .. مع تجنب التلقين المباشر أو الإلزام برفقاء من اختيار الأب .
سادسًا ) تشجيع الشاب المستقيم، وإكرام رفقته الصالحة وتقديرهم ، كما كان عليه الصلاة والسلام وصحابته يختلطون بالشباب ويسلمون عليهم ويكرمونهم ويشركونهم في الأنشطة .
إن هذا الأمر له دور كبير في قوة واستمرار علاقة الولد بالصالحين .. وله دور آخر في زيادة تقبله واستجابته لوالده .
لكني أقول: إن من المؤسف حقًا أن بعض الآباء قد يحول بين ولده وبين الاستقامة ومرافقة الصالحين .. ربما يكون الأب فاسدًا لا يحب الدين وأهله، وربما يكون هند الأب بعض الأوهام حول المتدينين، (لا تروح مع المطاوعة أخاف إنهم إرهابيين) .. سبحان الله .. يعني لما خرج بعض الشباب الشذاذ بهذه الأفكار الإرهابية والأعمال التخريبية، ورفعوا بعض الشعارات الدينية المغلوطة، نأتي ونعمم الحكم على الكثرة الكاثرة من شبابنا، الذين نشهد الله أنهم بحمد الله على استقامة وصلاح وبعد عن هذه الأفكار .. سبحان الله ، ما لكم كيف تحكمون .
وقد وقفت على قصة مؤلمة لشاب عمره خمسة عشر عامًا ، اسمه خالد .. كان هذا الشاب (كما أورد قصته صاحب كتاب الميلاد الجديد) يأتي إلى المسجد ويختلس النظرات إلى حلقة تحفيظ القرآن .. ثم يمضي .
مدرس الحلقة الأستاذ سلمان يقول: تعجبت من حال هذا الشاب .. ثم عزمت على التحدث معه .. التقيت به وعرضت عليه أن يشارك إخوانه في الحلقة بالمسجد.. وافق على الفور.. لكنه كان متلعثمًا.. مضت الأيام وخالد نشيط في الحفظ.. لم أنكر عليه إلا شروده وتفكيره الطويل.
وفي إحدى الليالي .. خرجنا في رحلة بحرية .. فرأيت خالدًا جالسًا على الشاطيء .. اقتربت منه فإذا هو يبكي .. سألته عن سبب بكائه .. فقال: إني أحبكم وأحب القرآن وأهله ، لكن أبي دائمًا يحذرني من مصاحبتكم .. إنه يكرهكم .. إنه يخوفني منكم .