وفي أحد المساجد يحدثني أحد الدعاة الفضلاء يقول لي: والله يا أخ سامي ، وسيسألنيَ الله عن هذا اليمين، أنه حضر لي شاب أحد الشباب الذين ابتلوا بهذه القنوات وقال لي: يا شيخ أريد حلًا لمشكلتي.. ما مشكلتك؟ قال: يا شيخ لقد وقعت على أختي أربع عشرة مرة .
لا تقولوا .. إننا مبالغون .. لا تقولوا إننا متشددون .. فقد أطلق بعض المفكرين الغرب قبل المسلمين صيحاتِ النذير من الأثر الخطير لوسائل الأعلام على الناشئة والأسرة .. بل ألف بعضهم كتبًا ورسائل في الحرب على التلفاز ككتاب ( أربع مناقشات لإلغاء التليفزيون ) للأمريكي جيري ماندر ، وكتاب (اليوم الذي مات فيه التليفزيون) لدون ماجواير .
وفي دراستنا بدار الملاحظة تبين أن ستًا وخمسين بالمائة من الأحداث الموقوفين يشاهدون القنوات الفضائية .
إذن لا بد من ضبط وسائل الإعلام في المنزل واختيار المفيد منها .
السبب الخامس: الفراغ .
الوقت هو الحياة .. وهو الغنيمة التي فرط فيها كثير من الناس . ففي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ"
وإذا كان هذا هو حال كثير من الناس .. فما هو السبيل .. إلى أن نكون من القليل ؟ الذين استثمروا أوقاتهم .. وربحوا في تجارتهم .
لقد بين معلم البشرية هذا السبيل بقوله عليه الصلاة والسلام"اغتنم خمسًا قبل خمس"وذكر منها"وفراغك قبل شغلك"والحديث رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان وصححه الألباني .
ومصداق هذا الكلام ، السورة العظيمة التي يحفظها الصغير والكبير .. ( والعصر بالصبر ) في هذه السورة .. أقسم الله تعالى بالوقت أن الناس خاسرون مغبونون إلا من اغتنموا الأوقات بالإيمان والعمل الصالح .
دعونا يا إخواني نتساءل .. أين شبابنا الذين يتسكعون في الأحياء .. و يجوبون الشوارع بالسيارات .. وتكتظ بهم الأرصفة والاستراحات .. في جلسات أقل مفاسدها إضاعة الأوقات .. في السفاسف والترهات.
يحدثني أحد الشباب المقبوض عليهم في جريمة سرقة يقول: لا يوجد سبب لارتكابي السرقة لكني إنسان فارغ .. حياتي كلها نوم أو دوران في الشوارع .. وإذا كنت طفشان ذهبت إلى الشباب .. نشاهد الأفلام السيئة أو نسرق أو نشرب الخمر .
فنقول لكل شاب .. احذر الفراغ، وأشغل نفسك بالحق، وإلا شغلتك بالباطل .
السبب السادس: السفر إلى الخارج .
يسافر بعض شبابنا إلى بعض البلدان المعروفة بالفساد .. حيث يغامرون بعقيدتهم وأخلاقهم .. فكم من شاب ألقيت عليه الشبهات حتى ضعف التوحيد في قلبه .. وكم من شاب سلطت عليه الشهوات حتى غدا أسيرًا لشهوته .. وكم من شاب ابتلي بتعاطي المسكرات والمخدرات . يسافرون عبر بوابات المطر .. ويعودون عبر بوابات الكفر والإيدز والإدمان .
وفي دراسة على متعاطي المخدرات في السعودية والبحرين والكويت تبين أن52% من متعاطي المخدرات في هذه البلاد سبق لهم السفر إلى الخارج .
وإن من المؤسف حقًا ما تقوم به بعض الأسر من إرسال أبنائها إلى الخارج لتعلم اللغة في أحضان العوائل الكافرة .. فيعود الأبناء وقد أضاعوا دينهم .. وتمردوا على بلادهم وأسرهم .
العنصر الثالث: ما هو العلاج ؟
أيها الأحبة .. انحراف الشباب من أهم قضايا الأمة .. ولهذا فإن علاجها لا بد أن يكون على مستوى الأمة .. بدءًا بولاة الأمر والآباء والمربين .. ومرورًا بالمؤسسات التربوية وأجهزة الإعلام .. وانتهاءً بالشباب أنفسهم .. ولعلي في هذا المقام أذكّر ببعض الأمور التي يمكن القيام بها لعلاج هذه الظاهرة:
1)العلاج الإيماني: إنه السلاح المعطل عند كثير ممن يقوم على إصلاح الشباب .. ولا سيما من غير المسلمين .
الإيمان وقاية وعلاج .
أما الوقاية فالإيمان حصن حصين .. وعصمة للشباب من الانحراف .. كلما ازداد الإيمان ازدادت مناعة الشاب من الانحراف .. وكلما ضعف الإيمان ضعفت تلك المناعة .
و والله .. ما أتي كثير من شبابنا إلا بسبب ضعف الإيمان في قلوبهم .
فتعاهد أيها الشاب شجرة الإيمان في قلبك بالبر والأعمال الصالحة .
وأما العلاج .. فإن الإيمان هو الحل لكثير من مشاكل الشباب والأمة.
إنه الإيمان الذي حول سحرة فرعون خلال لحظات .. من سحرةٍ مجرمين إلى أولياء مخلصين .
إنه الإيمان الذي جعل الصحابة مدمني الخمر في الجاهلية يريقونها حتى جرت بها شوارع المدينة .. وهم يقولون انتهينا انتهينا .
في فرنسا، كان التلفاز الفرنسي يعرض برنامجًا يناقش أثر الخمور على حوادث السيارات ، فصاحت سيدة فرنسية كانت قد فقدت ابنتيها في حادثين مروريين بسبب شرب الخمور ، فقالت:"الإسلام فيه الحل".
أيها المربون .. يا دعاة الإسلام .. لا تيأسوا من شبابنا .. وإن عظم انحرافهم واشتد إجرامهم .. فإنهم ما إن يذكروا بربهم .. وينتبهوا من غفلتهم .. حتى يعودوا عبادًا صالحين .. وقادة مصلحين .
في دار الملاحظة شباب ابتلوا بأنواع شتى من الجرائم .. وبعد أن من الله عليهم بالتوبة صاروا من أهل الصيام والقيام .
كان أحدهم يحدثني عن توبته وتقربه إلى الله بالنوافل والقيام .. نعم القيام . فقلت له: هل يلزمونكم بقيام الليل ؟ . قال: لا لكني أتعلق بالمراقب وأرجوه أن يوقظني قبل الفجر لأصلي لله ما تيسر .
2)رسالة إلى الآباء والمربين بضرورة الاهتمام بالتربية وإصلاح النشء . وإنها لمسؤولية كبرى .. سيسأل عنها كل والد ووالدة .. وكل مربٍ ومربية .. وكلكم راع .. وكلكم مسؤول عن رعيته .
إذا علمنا هذا .. فما هي التربية التي يريدها منك أبناؤنا ؟
لعلك تسمع أحد الآباء وهو يقول: أنا أربي أبنائي أحسن تربية .. فهم يأكلون أفضل الطعام والشراب .. ويلبسون أفخر الثياب .. ويتمتعون بأرقى أسباب المعيشة .
سبحان الله !! أهذه هي التربية ؟
أحد الأغنياء قبض على ولده في قضية سرقة سيارة .. وما إن خرج الولد حتى عاد في قضية سرقة أخرى .. ولما استدعي الأب ، سأله محدثي وهو أحد المشرفين الأفاضل بدار الملاحظة عن سبب وقوع ولده في السرقة عدة مرات مع أنه من الأغنياء .. أهو البخل أم ماذا ؟
فقال الأب للمشرف: قل للولد يطلب أي سيارة يريدها وأنا على استعداد لشرائها له الآن .. لكن يكف عن سرقة السيارات .
فرد عليه المشرف وقال: دعك من هذا ، لكن أجبني بصراحة ما هو برنامجك ؟ فقال: أعود من العمل فأستريح ، ثم أخرج لأعمالي الخاصة وقد أتأخر إلى الليل .. أما أبنائي فأنا مقصر في جانبهم .
فقال المشرف: هذا هو سبب انحراف ولدك .
إن هذا الولد لم يكن يسرق لحاجة أو قلة مال .. بل كان يسرق لفساد خلقه .. وافتقاده الرعاية الأبوية التي تمنعه من الشر وأهله .
أيها الإخوة .. إن أبناءنا لا يريدون أموالنا بقدر ما يريدون منا حبنا وعطفنا ورعايتنا وهذا لا يكون إلا بتربية الروح بالعلم والأدب وغرس الفضيلة .
فيا أيها الآباء .. ويا أيها المربون .. ويا أيها المسؤولون عن التعليم .. الله الله في التربية الإيمانية .. التربية التي أخرجت للأمة علماء وقادة لم يتجاوزوا العشرين سنة .. كأسامة الذي قاد جيشًا فيه أبو بكر وعمر .. وكان عمره قرابة الثامنة عشر .
التربية الإيمانية التي جعلت الصحابي الصغير يقف على أطراف أصابعه حتى يكون طويلًا فيسمح له بدخول المعركة .