فهرس الكتاب

الصفحة 736 من 788

أذكر أني قبل سنوات .. التقيت بأحد المدمنين في مستشفى الأمل ..سألته عن سبب إدمانه ، فقال: دخلت يومًا على والدي وهو يتعاطى الهيروين .. طلبت منه ببراءة أن يعطيَني مما معه فنهاني وطردني . وفي يوم آخر رأيت والدي على تلك الحالة فألححت عليه أن يعطيني .. فأعطاني شيئًا من الهيروين ، وقال: اذهب إلى الغرفة الأخرى ولا تتعاطاه أمامي .

وهذا آخر عمره ستة عشر عامًا موقوف في قضية سرقة سيارات يقول: كان والدي مدمنًا للحشيش وكان يتعاطاه أمامي .. ثم سجن ومات في السجن بسبب المخدرات .. ولم أعلم بوفاته إلا بعد خمسة أشهر . وبعد أن انحرفتْ ، كانت أمي تنصحني وتبكي عندي ، ولكن لا حياة لمن تنادي .

من مظاهر ضعف التربية: التفكك الأسري وكثرة الخلافات بين الزوجين .. وحالات الطلاق التي تحدث في بعض الأسر .. وهذا له أثر كبير على الأولاد .

يقول هذا الشاب وعمره سبعة عشر عامًا موقوف في قضية سرقة: سبب قيامي بالسرقة هو وجود مشاكلَ عائليةٍ في المنزل .. فأضطرُ إلى الخروج من المنزل ولا أعود أحيانًا إلا بعد ثلاثة أيام .

ومن مظاهر ضعف التربية أيضًا: طول غياب الوالدين عن المنزل .

وهذا أمر يقع فيه كثير من الآباء والأمهات . فالوالد مشغول بعمله أوتجارته أو جلساته وسهراته مع الزملاء والأصدقاء .. والوالدة مشغولة بعملها أو زياراتها لصديقاتها ، ومجالس القيل والقال .

التقينا بشاب عمره سبعة عشر عامًا موقوف في قضية سرقة يقول: بعد طلاق أمي من أبي عشت أنا وإخواني مع أبي .. أبي سائق أجرة فكان يغيب عنا طويلًا .. بدأت في الانحراف .. وتركت المدرسة .. ثم تعلمت السرقة والمخدرات .

وهذا آخر يبلغ من العمر ستة عشر عامًا موقوف في قضية اختطاف يقول: كان والدي يوفر لي كل ما أطلب .. حتى جهاز الحاسب اشتراه لي لكي أجلسَ في المنزل .. لكنه كان مشغولًا بالمقاولات والأعمال الخاصة .. فكنت بمجرد أن يخرج من المنزل أخرج وراءه .

السبب الثالث: رفقة السوء:

إنهم مفاتيح الشرور .. وأعوان الشياطين .. دعاةُ كل رذيلة .. وأعداءُ كل فضيلة .. والمصيبة أنك أيها الشاب تلتقي بهذه الفئة في كل مكان .. فقد تشاركك مقاعد الدراسة .. وقد تجاورك في السكن .. وفي الشارع .. وفي البوفيهات ومحلات التسالي .. وفي الحدائق و الملاعب والأماكن العامة .

إنهم يحسنون المعصية .. ويكسرون حاجز الفضيلة والمروءة الذي يمنع الشاب من الإقدام على المنكر .

في عملي السابق في مكافحة المخدرات، قبضنا على أحد الشباب في قضية استعمال مخدرات .. وكان هذا الشاب من أسرة طيبة .. ثم زارني أحد مدرسيه في الثانوية وذكر لي أن هذا الشاب من الأوائل على المدرسة وأن معدله ثلاثةٌ وتسعون بالمائة .. استدعيت الشاب .. سألته عن سبب تعاطيه المخدرات . فقال لي: إن السبب هو أحد رفاقي المنحرفين في الحارة . قلت له: ألم تقرأ أو تسمع أن المخدرات سموم وهلاك . قال: بلى لكني عندما ركبت مع رفيقيَ السيارة وناولنيَ الحبة قلت له: إن المخدرات ضارة . فرد علي وقال: لا تخف .. أنا أتعاطى الحبوب منذ سنوات ولم أصب بأي مرض . يقول: فأكلت الحبة وأتبعتها بأخرى حتى وقعت في الإدمان .

التقينا بشاب عمره ثمانية عشر عامًا موقوف في قضية سرقة يقول عن سبب قيامه بالسرقة: كنت أجلس عند البقالة المجاورة للمنزل . حيث يجتمع عندها الكثير من الشباب المنحرفين فتأثرت بسلوكهم .

وآخر عمره سبعة عشر عامًا موقوف في قضية مخدرات يقول: خرجت من الابتدائية إلى المتوسطة ثم تعرفت على أصدقاءَ جُدُد .. تعلمت منهم الدخان ثم الحبوب ثم الحشيش حتى فشلت في دراستي وهجرت أهلي .

وآخر عمره ثمانية عشر عامًا موقوف في قضية سرقة سيارات يقول: كنت أدخن مع بعض الأصدقاء .. وفي أحد الأيام أحضر أحد الشباب الحشيش وقال: إنه نوع جديد أفضل من الدخان العادي فقمنا بتدخين الحشيش ، وكان هذا الصديق يحضره لنا مجانًا .. وبعد يومين أو ثلاثة قال لنا: لابد أن تدفعوا المال لكي أحضر الحشيش من المروج ، فجمعنا له بعض النقود .. وبعد أيام .. نفِدت نقودنا .. وتعلقت بالحشيش قلوبنا.. عرض علينا أحد الشباب فكرةَ تكسيرِ زجاج السيارات وسرقةِ ما بداخلها .. فاستحسنا الفكرة وقمنا بهذه الجريمة .. ثم قبض علينا .

أحبابي .. إن طبقة الأقران .. أهم مصادر التلقي والاقتداء عند الإنسان . فقل لي من تصاحب .. أقل لك من أنت .. وأصدق من هذا قوله عليه الصلاة والسلام"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"أخرجه الترمذي و حسنه الألباني .

ولقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا بليغًا لأثر الجليس على الإنسان فقال (( مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد ريحا خبيثة ) )والحديث متفق عليه .

تأملوا يا إخوان في هذا المثال البليغ ، الجليس أثره بالغ عليك، ولو كان في نظرك أثرًا حقيرًا كالرائحة .

السبب الرابع: وسائل الإعلام .

وسائل الأعلام والاتصال كالصحف والمجلات .. والتلفاز والقنوات .. وشبكة المعلومات (الانترنت) ؛ لها أثر كبير على سلوكِ الناشئة ، واكتسابِهم القيمَ والتصوراتِ التي تحكم سلوكهم .

والواقعَ المؤسف .. أن كثيرًا من هذه الوسائل تبث موادَ إعلاميةً سيئة .. أفسدت كثيرًا من أبناء وبنات المسلمين .. فحدث عن الكفر والتنصير .. وحدث عن تمييع عقيدة الولاء والبراء .. ونشر السحر والشعوذة .. وتعليم العنف والإجرام .. ناهيك عن الجنس وتأجيج الشهوات وتحريك الغرائز .

إن كثيرًا مما يعرض في هذه الوسائل مخالف لأحكام شريعتنا الإسلامية .. بل ومخالف للرؤية الإسلامية للتربية والسلوك .

فكم علمت من جريمة .. وكم قلبت من قيم .. فالجريمة بطولة .. وعقوق الآباء تحرر .. والغدر ذكاء .. والاستقامة تعقيد .. والعفة كبت وحرمان .. وطاعة الزوج رق واستعباد .. والدياثة رقي وتمدن .

وعلى الرغم من هذا الخطر .. فإن بعض الأسر لا تأخذ هذا الأمر مأخذ الجد .. فترى الطفل أو المراهق أو الشاب ، وهم من هم في شدة التقليد والمحاكاة ، يجلس أحدهم الساعات الطوال أمام الأفلام الهابطة ، حيث تأخذ بلبه الصورُ والأصوات .. ويُشربُ قلبه الشهواتِ والشبهات .... حتى إذا كبر وشب عن الطوق ظهرت عليه مظاهر الانحراف في وقت يصعب فيه علاجه وتقويمه .

في دار الملاحظة التقيت بشاب عمره سبعة عشر عامًا قبض عليه في قضية سرقة مرتين كان هذا الشاب يحدثني عن طرق دقيقة لسرقة السيارات.. وأساليب محكمة لسرقة المنازل والمحلات . وكنت أظن أن هذا الشاب الصغير إنما تعلم هذه الأساليب من رفاقه .. لكني لما سألته قال لي: إنه استفادها خَطوة خَطوة من بعض الأفلام الأجنبية التي تعرضها بعض القنوات .

وشاب آخر عمره تسعة عشر عامًا يقول: تمكنت من إقناع والدي بإدخال الدش إلى البيت .. كنت أجلس أمام القنوات ساعات طويلة .. كانت المشاهد تهيج الشهوة في نفسي .. فأخرج من المنزل أبحث عن وسيلة لإطفاء هذه الشهوة فلا أجد سوى أبناء الحي الصغار .. حيث أفعل بهم الفاحشة .. أحيانًا بمفردي .. وأحيانًا مع بعض رفاقي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت