فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 788

2 ـ محبة ما يحب الله: وهذه التي تدخل للإسلام وتخرج من الكفر وأحب الناس إلى الله أشدهم محبة لما يحبه الله.

3 ـ الحب لله وفيه: وهي من لوازم محبة ما يحبه الله ولا تتم إلا بالحب فيه وله وهي من أعلى المراتب وهي الحب المطلوب.

4 ـ المحبة الطبيعية كحب الوالد والولد والأخوة وكل من وافق طباع الإنسان وهكذا: وهي لا تكون شركية إلا إذا أشغلت عن ذكر الله ومحبته.

5 ـ المحبة مع الله: وهي المحبة الشركية.

وظاهرة الإعجاب والتعلق من المحبة الشركية إذا ألهت عن ذكر الله. فانتبه يا رعاك الله.

أخي الشاب:

إن المحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام سواء كانت محبة محمودة أو مذمومة, نافعة أو ضارة, من الحلاوة والشوق والأُنس والاتصال والقرب والانفصال والبعد والصّد والهجران والفرح والسرور والبهاء والحزن وغير ذلك من لوازمها، فأما المحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وأخراه وهذه هي عنوان السعادة وتوابعها ولوازمها كلها نافعة له فإن بكى نفعه وإن حزن نفعه وإن فرح نفعه وإن انبسط نفعه وإن انقبض نفعه فهو يتقلب من مزيد إلى ربحٍ في منازل المحبة، أما المحبة المذمومة التي نحن بصددها هي التي تجلب لصاحبها ما يضره في دنياه وأخراه وهي عنوان الشقاوة وتوابعها كلها ضارة مُبعدةٌ عن الله كيفما تقلب في منازلها فهو في خسارةٍ وبُعدٍ.

وهكذا هو الإعجاب الذي هو من الظواهر الخطيرة والفتن الكبيرة التي كثُرت وعظم شأنها. لماذا ؟!

لأننا إذا أحببنا... أحببنا كلفًا... وهذا ليس من الدين ! .

أرى داء خطيرًا قد تفشى *** يحار له المفكر والبصير

ألمّ ببعض أفكار الحيارى*** وأرداهم إلى أمر خطير

فعودًا للرشاد بلا تمادي *** فقد جاء المحذر والنذير

فالإعجاب أو ما يسمى بالعشق والتعلق وهو: الإفراط في المحبة, تتركز فتنته ـ غالبًا ـ على الشكل والصورة, أو انجذاب مجهول السبب, لكنه غير متقيد بالحب لله, ويدعى بعضهم أنها صداقة وهي ليست كذلك؛ لأنها صداقة فاسدة لفساد أساس الحب فيها بعدم انضباطها بضوابط الشرع. والعشق رغم سهولة بداياته إلا أن نهايته انتكاس للعاشق, وخروج عن حدود الشرع, ولهذا كان بعض السلف يستعيذ بالله من العشق, فهو إفراط في الحب في أوله, وهو عبودية للمعشوق في نهايته, تضيع معها عبودية العبد لله, ولهذا يجعلون الحب مراتب: أوله:العلاقة, ثم الصبابة, ثم الغرام, ثم العشق, وآخر ذلك التتيم وهو التعبد للمعشوق, فيصير العاشق عبدًا لمعشوقه, وإن سقوط الشاب في شباك العشق لهو من أخطر الأمور, إذ أن الهوى من صفاته أنه يهوي بصاحبه, وإذا ما استحكم في القلب سيطر على العقل والفكر, وهنا يقع الإنسان في عبودية هواه:"أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا".

أخي الشاب:

الأصل في العملية التربوية أنَّ الفرد الذي يُدعى يجب أن تتركز الجهود التربوية في تربيته بتوثيق صلته برب العالمين، وأن تكون صلته القوية بالله تعالى وبمنهجه القويم، وألا يتعلق بالبشر؛ لأنَّ البشر من الممكن أن يتغيروا، ولكن الله الحي الذي لا يموت يُغيِّر ولا يتغيَّر كما قال سبحانه:"كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ".

وإنَّ مشكلة التعلق بالأشخاص لها سلبيات منها: أن الفرد يتغير بتغير المتعلق به.

ولذلك جاء القرآن ليقرر هذه الحقيقة الأولية حقيقة التعلق بالمنهج ونبذ التعلق بالأشخاص ولو كانوا رسلًا. ففي سورة آل عمران وهو يتحدث عن غزوة أحد يقول سبحانه:"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ"يقول أحد الباحثين: « وكأنما أراد الله سبحانه بهذه الحادثة وبهذه الآية أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وهو حيٌّ بينهم، وأن يصلهم مباشرة بالنبع, النبع الذي لم يفجِّره محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن جاء فقط ليومئ إليه ، ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق ، كما أومأ إليه من قبله الرسل ، ودعوا القافلة للارتواء منه ؛ وكأنما أراد الله سبحانه أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة ، وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام الله بلا وسيط ، حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة التي لا يخليهم عنها أن يموت الرسول أو يقتل فهم ؛ إنما بايعوا الله ، وهم أمام الله مسؤولون ، وكأنما كان سبحانه يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى حين تقع ، وهو سبحانه يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم ، فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب ، وأن يصلهم به هو وبدعوته الباقية قبل أن يستبد بهم الدهش والذهول » .

ويضيف قائلًا: « والمسلم الذي يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقد كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في تاريخها كله نظيرًا ، الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة وقد رأينا أبا دجانة يُترِّسُ عليه بظهره والنبل يقع عليه ولا يتحرك ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه ويستشهدون واحدًا إثر واحد ، وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان يحبونه ذلك الحب العجيب بكل كيانهم وبكل مشاعرهم حتى ليأخذهم الوجد من مجرد ذكره صلى الله عليه وسلم ، هذا المسلم الذي يحب محمدًا ذلك الحب مطلوب منه أن يفرق بين شخص محمد صلى الله عليه وسلم والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده باقية ممتدة موصولة بالله الذي لا يموت إنَّ الدعوة أقدم من الداعية » .

وكما كان القرآن يربي الصحابة والأمة من بعدهم على التعلق بالمنهج وذم التعلق بالأشخاص، كذلك كان صلى الله عليه وسلم هذا منهجه، ومنهج كل من دعا إلى الله على بصيرة، وإليك بعض النماذج:

1 ـ عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعَظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وَجِلَتْ منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله ! كأنها موعظة مودعٍ، فأوصنا ! قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، وإنَّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل بدعة ضلالة». الشاهد قوله: « كأنها موعظة مودع » ، « فعليكم بسنتي » فربما كان قد وقع منه صلى الله عليه وسلم وسلم تعريض في تلك الخطبة بالتوديع،وأنه مغادر الحياة ، فأوصاهم بالتعلق بسنته بعده ، وقول الصحابة: « فأوصنا » فيه أنهم لما فهموا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده .

2 ـ في حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا.. » . فأوصاهم بأخذ سنته وأتباع هديه الذي هو الدين الذي بلغه عن ربه؛ ففيه تعليق الصحابة بمنهج الله، وتربيتهم على ذلك وهو حيٌّ بين أيديهم.

3 ـ جمعه الناسَ بماء بين مكة و المدينة يسمَّى خُمًّا، وخطبهم فقال: « يا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب » , ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته . الشاهد تعريضه بأنه مغادر الحياة، وحضه بالتمسك بكتاب الله وبمنهج الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت