فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 788

4 ـ خرج الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا كالمودع فقال: « أنا محمد النبي الأمي قال ذلك ثلاث مرات ولا نبي بعدي؛ أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتُجُوِّز بي، وعوفيت وعوفيت أمتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم؛ فإذا ذُهِبَ بي فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه » . الشاهد قوله: « فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب الله » . فلم يعلقهم بنفسه الشريفة ولا بذاته إنما علقهم بكتاب الله وبمنهج الله؛ وفي هذا تربيتهم على التعلق بالمنهج.

يتضح مما سبق من هذه الأحاديث كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوجه الصحابة ويحضهم ويعلقهم بمنهج الله الذي هو الكتاب والسنة ولم يكن يعلقهم بشخصه وذاته ، وكان يربيهم على هذه الحقيقة الأولية وهو بين ظهرانيهم ، ويركز عليها ويذكرهم بها في أكثر من موقف كما سبق ؛ وما ذاك إلا لأهمية هذه الحقيقة التي ربما يغفل عنها الناس ؛ فكان الواجب تذكيرهم والتركيز عليها ، و أيضًا لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يربي بعضهم بعضًا ، ولا غرابة في ذلك ؛ فقد رباهم صلى الله عليه وسلم على ذلك من قبل ، ويذكِّر بعضهم بعضًا بهذه الحقيقة المهمة حقيقة التعلق بالمنهج ونبذ التعلق بالأشخاص؛فمتى جنحت العاطفة نحو الأشخاص ضعفت النفوس وتقهقرت .

ويظهر ذلك فيما يلي:

1 ـ قال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس رضي الله عنه: « أن أبا بكر رضي الله عنه خرج وعمرُ رضي الله عنه يكلم الناس ، وقال: اجلس يا عمر . قال أبو بكر رضي الله عنه: أما بعد: فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . قال الله تعالى:"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ".قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر رضي الله عنه ، فتلاها منه الناس كلهم ؛ فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها» ، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه قال: « والله ! ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرقتُ حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض » .

2 ـ قال ابن أبي نجيح رضي الله عنه عن أبيه رضي الله عنه: « إن رجلًا من المهاجرين مرَّ على رجلٍ من الأنصار يتشحط في دمه فقال له: يا فلان ، هل شعرت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل ؟ وكان ذلك في أُحدٍ, فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلَّغ. فقاتلوا عن دينكم » .

3 ـ في غزوة أُحدٍ لمّا انهزم الناس لم ينهزم أنس بن النضر رضي الله عنه وقد انتهى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه و طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم ، فقال: ما يجلسكم ؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: ما تصنعون بالحياة بعده ؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم استقبل المشركين ولقي سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: يا سعد، واهًا لريح الجنة إني أجدها من دون أُحد، فقاتل حتى قتل، ووُجِد به بضع وسبعون ضربة، ولم تعرفه إلا أخته ببنانه.

إنه من واجب المربين ومن هم في موضع القدوة أن يربوا أتباعهم على التعلق بالله وعدم التعلق بالأفراد.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: ومن ادَّعى الحب في الله في مثل هذا فقد كَذَبَ، إنما هذا حبُ هوىً وشهوة.

مظاهر الإسراف في العواطف الإنسانية: ـ

وهذه المظاهر على نوعين: النوع الأول: مظاهر قلبية داخلية. النوع الثاني: مظاهر سلوكية خارجية.

النوع الأول: المظاهر القلبية:

فهي داخلية تختص بالقلب وأعماله فإذا ظهرت هذه المظاهر لواحد منا فليعلم أنه أسرف في عواطفه ووضعها في غير موضعها.

ومن هذه المظاهر: ـ

1 ـ انشغال القلب وكثرة التفكير به وبما يصده عن ذكر الله..وهو تعلق القلب بالمعشوق, فلا يفكر إلا في محبوبه, ولا يتكلم إلا فيه,ولايقوم إلا بخدمته , ولا يحب إلا ما يحب , ويكثر مجالسته والحديث معه الأوقات الطويلة من غير فائدة ولا مصلحة. وتبادل الرسائل ووضع الرسومات والكتابات عنه وعن الحب في الدفاتر وفي كل مكان..., ويقوم بالدفاع عنه بالكلام وغيره, ويغار عليه, ويغضب إذا تكلم مع غيره أو جلس معه, ويشاكله في اللباس وتسريحة الشعر, وهيئة المشي والكلام.

ومن أحب شيئًا استلزم هذا الحب ثلاثة أمور:

(1) المحبة والرجاء الدائم. (2) الخوف من فواته وفراقه. (3) السعي في كسب رضاه بقدر الإمكان .

فهو في ذلك ما بين الخوف المقلق والحب المزعج.. فينشغل به حتى في صلاته وسائر عباداته.. واستمع معي إلى ما يقوله ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان:"فلو خير بين رضاه ورضى الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه, ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه, وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه بمرضاة معشوقه, ويقدم مصالح معشوقه وحوائجه على حاجة ربه".وقال:"فلمعشوقه لُبُّهُ وقلبه وخالص ماله وربه على الفضلةِ, قد اتخذه وراءه ظهريًا وصار لذكره نسيًّا ووجه قلبه للمعشوق.. ينفرُ من خدمة ربه حتى كأنه واقفٌ في الصلاة على الجمر من ثقلها عليه وكلفه لفعلها.. فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحًا بها ناصحًا له فيها خفيفةً على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها".

2 ـ احتراق القلب بالغيرة: لماذا يتحدث مع غيري ؟ .. لماذا يحب غيري ؟ .. فالغيرة تحرق القلب وهكذا يكون قلب من وقع في مثل هذه الأمور فيحاول أن يبذل له الأكثر حتى يجذبه إليه أكثر من غيره.. هو صامت لكن لسان حاله يقول: أنت لي وحدي ولست لغيري.

3 ـ التنافس الغير محمود بين شخصين على أحد الأشخاص فيحاول كل منهما أن يقدم له الأحسن ويلبي طلباته.. منافسة مع أخيه فيتولد بينه وبين أخوه صراع من أجل هذا المحبوب.

أخي الحبيب: هناك تنافس محمود ومطلوب منا جميعًا ألا وهو التنافس في طاعة الله وخدمة المحتاجين والمبادرة إلى ذلك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.. أما التنافس والصراع من أجل كسب محبة وقلب زميل.. فقد أنسى صاحبه حظه من التجارة الرابحة وانشغل بتجارة خاسرة.. وكفى بهذا العذاب وهذا الهوان"أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير".

4 ـ المعاداة والموالاة ليس في الله وإنما في هذا المحبوب: فيعادي من يعادي محبوبه ويحب من يحب.. فهو يكره فلان من الناس فقط لأنه يكرهه!.

يقول أحد الإخوة: كنت مع صديق لي وكان يكره واحدًا فكان يسبه ويذكر مساوئه حتى كرهته كرهًا شديدًا ـ فقط لمجرد ذكر صديقي له ـ وأنا لا أعرفه ولم أره من قبل وبعد رؤيتي له وجلوسي معه تعجبت وبانَ لي عكس ما كنت أظنه به وعرفت أني ظلمته فذهبت إليه واعتذرت منه وأخبرته أني كنت سابقًا أكرهه وأتحدث به في المجالس.

أخي: لابد أن تكون عقيدتك سليمة في الولاء والبراء..فأنت تعادي وتوالي في الله وليس في فلان أو فلان من الناس.

النوع الثاني من المظاهر: المظاهر السلوكية: وهي ما يظهر للعَيانِ وما يظهر على الجوارح والتصرفات ومنها: ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت