فهرس الكتاب

الصفحة 775 من 788

إننا مطالبون اليومَ بالسيرِ على ما ساروا عليه ، وأن نقتفي أثرَهُم ، ونحذوا حذوَهُم ..لنصل إلى القمةِ الشماءِ ، والمرتبةِ العليا .

ولعلنا بعدَ هذا العرضِ قد عزمنا على أن تكونَ لنا أهدافٌ منشودة ، وغايةٌ مقصودة بإذن الله تعالى:

لكن لابد أن تكون هذه الأهدافُ شرعيةٌ ، والغاياتُ نبيلة ، والمقاصدُ سامية،فالثراءُ مثلا: هدفٌ تطمحُ إليه النفوسُ ولكن هل يتخذُ من الربا والمعاملاتِ المحرمةِ وسيلةً لبلوغِ هذه الغاية ؟!! ومن أراد أن يتفوقَ في دراستهِ هل يتخذُ من الغشِ والاحتيالِ وسيلةً لبلوغِ هدفِه ؟!

وقد تتساءلُ أخي الكريم: كيف يمكنُ الوصولُ إلى غايتي وهدفي بأفضلِ طريقةٍ ، وأخصرِ وسيلة ؟!!

وإجابةٌ لسؤالك ؛ اطرحُ هذه الأسئلةِ عليك:

هل يمكنُ الوصولُ إلى غايتِك من خلالِ حياةِ العشوائية ؟

هل يمكن أن تُحقق أهدافَك من خلالِ الارتجاليةِ والعفوية ؟

هل يمكنُ أن تنجزَ هدفَك بوقتٍ مقبولٍ بدون دراسةٍ ولا تخطيطٍ مسبق ؟ !

إذن: أفضلُ طريقةٍ ،وأخصرُ وسيلةٍ لبلوغِ الأهدافِ والغاياتِ هو أن تعملَ ما يلي:

أولًا: أن تخططَ للمستقبلك .

ثانيًا: أن تنظمَ نفسَك .

ثالثًا: أن تنفذَ وتطبيقَ بدقةٍ وعناية .

ونبدأ أولًا: بالحديثِ عن القضيةِ الأولى وهي قضيةُ التخطيط .

إن التخطيطَ لأي عملٍ ؛ عملٌ مشروعٌ ، فعلَه خيرُ البرية وأزكى البشريةِ r فمن ذلك:

عندما عزمَ r الانتقالَ من مكةَ إلى المدينةِ في هجرتهِ العظيمةِ ..لم تقمْ تلك الرحلةُ بعشوائيةِ ، بل خططَ لهذه المسيرةِ الخطيرةِ والتي يعلمُ r حجمَ المؤامرةِ التي تحاكُ له في جنحِ الظلامِ للقضاءِ عليه ..فمن ذلك ذهابُه r متقنعًا لبيتِ أبي بكرٍ الصديقِ في وقتٍ لم يكن يأتيهِ فيه ،حتى استنكرَ أبو بكرٍ هذا المجيءَ ، وعلمَ أن هذا القدومَ إنما هو لغايةٍ عظيمة ..ثم أمرُه r لأبي بكرٍ أن يُخرجَ من كان عندَه ..ليَعرضَ عليه أمرَه الذي جاءَ من أجلهِ ..حتى طمأنَهُ أبو بكر ؛ وقال: هم أهلُكَ يا رسولَ الله .. بعد ذلك أبرمَ r خطةَ الهجرةِ مع صاحبهِ رضي الله عنه ..وأيضاُ: أمرُه r لعلي بنِ أبي طالبٍ أن ينامَ في مكانهِ حتى يؤخرَ الطلبَ عنه ويمكنَهُ الابتعادَ أكثرَ ..ثم خروجُه r مع أبي بكرٍ من البابِ الخلفي ، ليَخرجَ من مكةَ على عجلٍ ، ثم سلوكُه r لطريقٍ غيرِ معتادٍ ومتوقعٍ لأهلِ مكة َ، ثم صعودهُ r لجبلٍ شامخٍ وعرٍ صعبِ المرتقى ذا أحجارٍ كثيرةٍ ..ومكوثهُ r فيه ثلاثةَ أيام .. كلُّ هذا وغيُره تخطيطٌ لصرفِ الأنظارِ عنه r وبلوغهُ للغايةِ التي قصدَها ..وهي وصولُه إلى المدينةِ سالما ، ومن ثم مواصلةُ رحلتهِ الدعويةِ إلى الله تعالى .

وإذا انتقلنا إلى صورةٍ أخرى من صورِ تخطيطهِ r وحرصهِ على هذا المبدأِ في حياتهِ ما كان يفعلُه r في غزواتهِ حيث قلَّ ما كان يريدُ غزوةً إلا ورى بغيرهِا .

أخي المبارك: إن من خلالِ التخطيطِ المدروسِ تستطيعُ أن تكسبَ الفوائدَ التالية:

1-تحديدُ الأهدافِ المقصودةِ ، والغاياتِ المنشودةِ ،والتي تطمحُ أن تصلَ إليها ، وأن تنجزَها

2-إمكانيةُ التنسيقِ بين جهودكِ وأعمالكِ الأخرى .

3-معرفةُ كميةِ الجهدِ الذي تحتاجُه للوصولِ لهدفِك .

4-معرفةُ الوقتِ المناسبِ لقضاءِ هذا الهدفِ والحصولِ عليه .

5-معرفةُ العقباتِ التي يمكنُ أن تعرقلَ مسيرك .

6-معرفةُ الوسائلِ التي يمكنُ من خلالِها الوصولُ إلى الهدفِ بأفضلِ طريقة .

فإذا اتضحتْ هذه الحقائقُ في ذهنِك ، ورسمتَها بقلمِك ، فإن معالمَ الطريقِ قد اتضحتْ لك ، وسبلُ الوصولِ إليه قد تبينتْ ، ولم يبقْ إلا أن تعرفَ الأسبابَ الشرعيةَ الموصلةَ لهدفِك المشروع ، و تستعدَ للسيرِ على هذا الطريقِ ، الذي جعلتَهُ على هيئةِ مراحلَ ؛ لكلِّ مرحلةٍ زمنيةٍ كافيةٍ أهدافٌ معينةٌ ممكنة ، فكلما انتهيتَ من مرحلةٍ زادَ نشاطُك ، وعلت همتُك ، وتاقتْ نفسُك ، لبلوغِ الغايةِ والهدفِ .وأدركتَ أهميةَ الوقتِ الذي هو حياتُك وعمرُك ،

روي عن الحسنِ البصري (رحمه الله) أنه قالَ: ( يا ابنَ آدمَ، إنما أنتَ أيامٌ، كلما ذهبَ يومٌ ذهبَ بعضُك) :

دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له إن الحياةَ دقائقٌ وثوان

فارفعَ لنفسِك قبلَّ موتِك ذكرَها فالذكرُ للإنسانِ عمرٌ ثان

قواعدُ في التخطيط:

1-أن تكون الأهدافُ المقصودةُ ممكنةَ التنفيذ . فمن الخطأِ في التخطيطِ أن تفكرَ أن تتخرجَ من كليةِ الطبِ في سنتين مثلا .

2-أن تكون الأهدافُ واضحةً لا غبشَ فيها . كمن وضعَ نصبَ عينيه أن يكون صاحبَ منصبٍ !! المناصبُ كثيرةٌ فأي المناصبِ تريد ؟ هل مثلًا أن تكون عالما أو ضابطا أو طبيبا أو مهندسا ، فلا بد إذن من أن يكون الهدفُ واضحًا .

3-أن يكون الوقتُ الذي حددتَه لهذه الأهدافِ كافيًا ، فمن أراد أن يحفظَ ألفَ حديثٍ مثلا لابد أن يكون الوقتُ المحددِ لها كافيًا لأن الزيادةَ أو النقصانَ تسببان للإنسانِ إما الإحباطَ أو ضياعَ الوقت .

4-أن يكون التخطيطُ مكتوبًا في ورقة .

5-أن يكون المخطَطُ قابلا للتغييرِ للظروفِ الصعبة ، فمثلا لو طَلبَ منك الوالدُ حاجةً للمنزلِ وأنتَ قد رسمتْ برنامجًا لهذا الوقتِ فماذا تفعل ؟ يمكنُ أن تفعلَ أشياءَ كثيرةً حتى تستغلَ هذا الوقت: بحفظِ متٍن مثلا ، أو سماعِ شريطٍ تريدُ سماعَه ، أو مراجعةٍ لكتابِ الله تعالى .

6-أن يوجدَ في المخطَطِ وقتٌ للراحةِ والاستجمام ؛ لأن النفسَ قد تملُ وتكلُ فإذا روحتَ عليها عادتْ إلى الجدِ والعملِ بقوةٍ ونشاط .

7-جمعُ الوسائلِ التي يتمٌ من خلالِها تحقيقُ الأهدافِ . فمثلا:

من أراد أن يتقن متن البيقونيةِ في الحديثِ حفظا وفهمًا فمن الوسائلِ لتحقيقِ هذا الهدف:

ـ تحديدُ وقتِ الحفظ ـ تحديدُ من ستقرأُ عليه هذا المتنَ ـ جمعُ الشروحِ المتعلقةِ بهذا المتن ـ تلخيصُ الشرحِ على نسختِك الخاصةِ أو بطريقةٍ مناسبةٍ لك .

مثالٌ آخر: من أرادَ أن يفتحَ مشروعًا تجاريًا فمن الوسائل:

الاستخارة ـ إقامةُ دراسةٍ لهذا المشروع ـ وجودُ رأسِ المال ـ تحديدُ الأيدي العاملةِ التي تقومُ على هذا المشروعِ ـ وغيرهِا من الوسائل .

بهذا التخطيطِ تشعرُ بأهميةِ الوقتِ ، وتقضي على مشكلةِ الفراغِ الذي تعاني منه ، فوضعُك لبرنامجٍ محددٍ هو بدايةُ تحريِك نفسِك ، وبعثِ همتِك لاستدراكِ الفائت ، أو اغتنامِ الحاضر ، والاستعدادِ للمستقبل .

يقولُ الله تعالى: (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) )أي لنوفقنهم لإصابةِ الطريقِ المستقيم .

عقبات في طريق التخطيط

قد تقولُ إن التخطيطَ قد تعتريهِ عقباتٌ كؤودةٌ ، وعوارضُ صعبة ، من همومٍ وغموم ، وأمراضٍ موجعة ، وزياراتٍ محرجة ، ومناسبةٍ متعددة ،مما يَقلبُ الأملَ يأسا ، والتفاؤلَ تشاؤما ، والهمةَ العاليةَ فتورا ؟

فأقولُ: لابد أن تدركَ ما يلي:

أولًا: أن التخطيطَ إنما هو رسمٌ لمنهجٍ موصلٍ إلى الغايةِ المطلوبةِ ، و ليس تشريعًا لا يجوزُ لك أن تتجاوزَه في وقتِ المصائبِ ونحوهِا .

ثانيًا: بإمكانِك أن تستغلَ هذه العوارضَ بما يُلائمُ وضعَك ، ويناسبُ وقتك ، من قراءةِ قرآن ، أو اتصالٍ هاتفي ، أو كتابةِ رسالة ، أو ذكرٍ لله تعالى ، وهذا ما أوصى به النبيُ r فعن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( إن قامتْ الساعةُ وبيدِ أحدكِم فسيلةٌ، فإن استطاعَ أن لا يقومَ حتى يغرسَها فليفعلْ ) )فالإسلامُ يحثُّ المسلمَ على الاستفادةِ القصوى من الوقتِ حتى في أشدِّ الظروفِ صعوبةً وهو عند قيامِ الساعةِ !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت