وأما الأدلة الخاصة على استحباب الصلاة في أول الوقت:
فقد تقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصليها بغلس.
كما في حديث جابر قال (كَانَ اَلنَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّيهَا بِغَلَس) متفق عليه.
وكما في حديث عَائِشَة. قالت (لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَس) متفق عليه.
عن جابر بن سمرة. قال (كَانَ رَسُول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي الظُّهْر إِذَا دَحَضَتْ الشَّمْس) رواه مسلم.
(دَحَضَتْ) هُوَ بِفَتْحِ الدَّال وَالْحَاء أَيْ إِذَا زَالَتْ.
قال النووي: وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب تَقْدِيمهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ.
تقدم حديث أبي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّيَ اَلْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) متفق عليه.
وعن بُرَيْدَة. عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- (أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ «صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ» . يَعْنِى الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالاً فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ) رواه مسلم.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِي الْعَوَالِيَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَة) رواه مسلم.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (كُنَّا نُصَلِّى الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ) رواه مسلم.
قال النووي: وَالْمُرَاد بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا بَعْدهَا الْمُبَادَرَة لِصَلَاةِ الْعَصْر أَوَّل وَقْتهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن أَنْ يَذْهَب بَعْد صَلَاة الْعَصْر مِيلَيْنِ وَثَلَاثَة وَالشَّمْس بَعْدُ لَمْ تَتَغَيَّر بِصُفْرَةٍ وَنَحْوهَا إِلَّا إِذَا صَلَّى الْعَصْر حِين صَارَ ظِلّ الشَّيْء مِثْله، وَلَا يَكَاد يَحْصُل هَذَا إِلَّا فِي الْأَيَّام الطَّوِيلَة. وَقَوْله: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْر، ثُمَّ يَخْرُج الْإِنْسَان إِلَى بَنِي عَمْرو بْن عَوْف فَيَجِدهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْر.
قَالَ الْعُلَمَاء: مَنَازِل بَنِي عَمْرو بْن عَوْف عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْمَدِينَة، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى الْمُبَالَغَة فِي تَعْجِيل صَلَاة رَسُول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- وَكَانَتْ صَلَاة بَنِي عَمْرو فِي وَسَط الْوَقْت، وَلَوْلَا هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّة، وَلَعَلَّ تَأْخِير بَنِي عَمْرو لِكَوْنِهِمْ كَانُوا أَهْل أَعْمَال فِي حُرُوثِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ وَحَوَاطِيهِمْ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالهمْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ وَغَيْرهَا ثُمَّ اِجْتَمَعُوا لَهَا، فَتَتَأَخَّر صَلَاتهمْ إِلَى وَسَط الْوَقْت لِهَذَا الْمَعْنَى. (شرح مسلم) .
تقدم حديث رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ (كُنَّا نُصَلِّي اَلْمَغْرِبَ مَعَ اَلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
قال النووي: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُبَكِّر بِهَا فِي أَوَّل وَقْتهَا بِمُجَرَّدِ غُرُوب الشَّمْس، حَتَّى نَنْصَرِف وَيَرْمِي أَحَدنَا النَّبْل عَنْ قَوْسه وَيُبْصِر لِبَقَاءِ الضَّوْء. وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَغْرِب تُعَجَّل عَقِب غُرُوب الشَّمْس وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ.