وحول هذا الأمر سألت الشيخ خالد المشيقح عن بعض العلماء مِمَّنْ شرح في عشرة أيام منظومة العمريطي في الفرائض والتي تقدر بمئتي بيت، فهل يستطاع بهذه السرعة أن يشرح الشيخ هذه المنظومة في عشرة أيام، لما يقارب (20) بيتًا في كلَّ يوم، ويكون أغلب الطلاَّب قد استوعبوا المتن المشروح؟
فأجاب فضيلته قائلًا: (هذا يرجع لاستيعاب الشيخ للمتن، وإلمامه به، فقد يستطيع إتمامه واغتنام الوقت بشرحه للطلاَّب، ولكن مع اقتصار الشيخ على تحليل العبارة، وإيراد الدليل الموافق للقول الراجح، ثم يبيّن الشيخ بعض المراجع التي تفيد طلبة العلم إن أرادوا التوسع) .
وأختتم الحديث عن هذه القضية بتركيز المشايخ المشاركين على أهمية استيعاب الشيخ للمتن، ومن ثم عرض مقاصد هذه المتون، وإبراز مسائلها الهامة، مع الاقتصار على القول الراجح والدليل الأظهر في المسألة؛ إذ ليس هدف الدورات استيفاء الأقوال، واستيفاء ذكر الأدلة، وقد أكَّد على ذلك الشيخ المصلح، والشيخ الزامل، ووافقهم عليه الشيخ العريفي.
الرحلات العلمية للعلماء المتقدمين... والدورات المكثفة:
لعل من بديع الحديث، محاولة الربط بين هذه الدورات المكثفة، مع رحلات العلماء السابقة في طلب العلم، وهل كان هناك مع هذه الدورات وجه تشابه وتناسق مع دروس العلماء المتقدمين؟
حول هذا الإطار ذكر المشايخ المشاركون أن العلماء كانت لديهم رحلات في طلب العلم، بل أَلَّف الخطيب البغدادي كتابًا حول ذلك وسماه (الرحلة في طلب الحديث) . ويلفت الشيخ الخضير إلى اهتمام بعض الطلاب في السابق بالشيوخ الغرباء والواردين على بلدانهم، بل كانت الرحلة في طلب العلم سنَّة معروفة عند أهل الحديث؛ فإذا ورد على البلد عالم من العلماء اجتمع عليه الطلاب من أهل البلد، وحرصوا على تحمل ما عنده من حديث قد لا يوجد عند شيوخهم في بلدهم.
ويُعرِّجُ الشيخ خالد السبت ذاكرًا نماذج من ذلك؛ حيث قال: (كانت للسابقين قراءات على الشيوخ سريعة: تارة للضبط، وتارة مع التعليق والشرح، وأضاف ممثلًا على ذلك بقوله: فمن الأول أن صحيح مسلم قرئ على ابن لبَّاج بجامع قرطبة في أسبوع في مجلسين من كل يوم، وصحيح البخاري قرأه الخطيب البغدادي على إسماعيل الضرير في ثلاثة مجالس، مجلسين بعد صلاة المغرب إلى صلاة الفجر، والثالث من الضحى إلى المغرب، ثم ذكر الشيخ السبت مقولة للإمام الذهبي وهي: هذا شيء لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه!
ويتابع الشيخ السبت حديثه قائلًا: ومن النماذج في ذلك أن العراقي قرأ مسند الإمام أحمد على ابن الخَبَّاز في ثلاثين مجلسًا.
ثم بين فضيلته أن العلماء كانت لهم قراءة مع الشرح والتعليق، ودلَّل على ذلك بقوله: فقد قرأ محمد بن عبد الحي الكتَّاني صحيح البخاري تدريسًا وقراءة مع تحقيق وتدقيق في نحو (50 مجلسًا) .
وأضاف الشيخ المصلح في هذا الباب قوله: وهذا يبين أن إنجاز المتون في مدة قصيرة كان معروفًا في طرائق أهل العلم المتقدمين، وبين فضيلته رأيه حول هذه الدورات العلمية الصيفية وهل لها شبيه بالدروس السابقة بالطريقة نفسها فقال: (أما الدورات العلمية الصيفية فأول من أعلم أنه رتبها وجلس فيها للطلاب شيخنا محمد الصالح العثيمين ـ رحمه الله ـ فقد بدأ بها منذ أوائل الثمانينيات الهجرية وكانت دروسًا ضحوية في أيام الصيف من إغلاق المدارس النظامية إلى قريب فتحها، ويتابع حديثه حول دروس ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ فيقول الشيخ المصلح:(واستمر الشيخ ابن عثيمين على هذا النسق حتى وفاته ـ رحمه الله ـ إلاّ أنه قلل المدة في آخر سنواته مراعاة لأحوال الطلاب) .
أثر الدورات في بناء طلبة العلم تربويًا:
لا يشك أي متابع لهذه الدورات في ما لها من كبير الأثر في تأصيل توجهات الطلاب علميًا، غير أن هناك ما يعتبر أمرًا هامًا جدًا، وهو أثر هذه الدورات تربويًا على الناس عمومًا وطلبة العلم خصوصًا.. وحول هذا الموضوع يحدثنا الشيخ الزامل فيقول: لا شك أن هذه الدورات لها تأثيرها التربوي على الحاضرين؛ فهي تشعر طالب العلم بالإخبات والهدوء، والخشوع؛ حيث يستشعر أنه حين يحضر هذه الدورات تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، ويذكره الله فيمن عنده، وأضاف فضيلته: وكذلك يتعلم الطالب الأدب مع مشايخه، وأخذ سمتهم الحسن، وذكَّرَنَا الشيخ الزامل بقصة الطلبة الذين كانوا يحضرون في مجالس الإمام أحمد بن حنبل ويقدَّرون بخمسة آلاف فرد وكأن على رؤوسهم الطير في أدبهم مع الإمام أحمد، وكان خمسمائة طالب يحضر لكتابة العلم والحديث، وبقية الطلبة يستفيدون من أدب الإمام أحمد وسمته.
وما دام الحديث يدور حول ذلك؛ فقد قال الشيخ المشيقح: إذا تعلم الإنسان فإن علمه سيؤثر في سلوكياته وأخلاقه وعباداته؛ لأن العلم والتربية متلازمان، وينتج عن ذلك خشية الطالب لربِّه، وهذه سمة العلماء وطلبة العلم فالله ـ تعالى ـ يقول: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .
ومن جانبه فقد أكَّد الشيخ الخضير بأنَّ لهذه الدورات الأثر الكبير في البناء التربوي لطالب العلم بقوله: تعدد الشيوخ في الدورات يحصل به تعدد القدوات، ولا يخفى تأثير الشيوخ في نفوس التلاميذ من ناحية الهدي والسمت.
ويوصي الشيخ يوسف الغفيص أهل العلم بقوله: أفضل كثيرًا أن يعنى الشيوخ في صناعة اللغة العلمية المعتدلة للطلبة، بما تحمله من انضباط علمي، واعتدال تربوي، وأضاف: فعلوم الشريعة أخص العلوم في انضباط الخطاب واعتداله وواقعيته.
وتبقى نقطة هامة ركز عليها الشيخ العريفي: حيث اقترح أن يؤتى بداعية، ويكون من الدعاة المؤثرين، وممن يتعامل مع عامة الناس، ومِمَّن اشتهر بالدعوة إلى الله، وفنون التعامل مع الناس، والتأثير عليهم من جميع النواحي الأخلاقية والاجتماعية، ويقول مواصلًا حديثه: فلو ألقى على طلبة العلم شيئًا ممَّا في جعبته من فنون الدعوة، وأبرز ما لديه من الخبرة والتجارب المفيدة، فإن هذا أمر مفيد لطلبة العلم.
هل هذه الحلقات مظهر تجديد؟
من المعلوم أنَّ هذه الدورات لها أثر كبير في صقل شخصية الطالب؛ كما أن لها أثرها في إحياء العلم وتزكيته للنفوس، ولكن هل بمقدورنا أن نقول إنَّ هذه الدورات من قبيل تجديد الدين؟!
يتحدث الشيخ الراجحي حول ذلك قائلًا: هذه الدورات العلمية من العلم والفقه في الدين، وهي من علامات إرادة الخير للمتلقي كما في الصحيحين: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» .
ويتوافق الشيخان المشيقح والسبت في جوابهما عن ذلك حيث يقول المشيقح: لا شكَّ أنَّ هذا من قبيل تجديد الدين على وجه العموم، ويُعَقِّب الشيخ السبت فيقول: هذه الدورات مفيدة بلا شك في الجملة مع تفاوتها، ولا تخلو من نوع تجديد.