فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 50418 من 346740

1 -1 - مسألة: هل القيام للمصحف وتقبيله وجعله عند القبر ووقيد قنديل في موضع يكون من غير أن يقرأ فيه مكروه ؟ وهل يكره أيضا أن يفتح فيه الفال ؟

الجواب: الحمد لله القيام للمصحف وتقبيله لا نعلم فيه شيئا مأثورا عن السلف وقد سئل الإمام أحمد عن تقبيل المصحف فقال: ما سمعت فيه شيئا ولكن روي عن عكرمة بن أبي جهل أنه كان يفتح المصحف ويضع وجهه عليه ويقول: كلام ربي كلام ربي ولكن السلف وإن لم يكن من عادتهم القيام له فلم يكن من عادتهم قيام بعضهم لبعض اللهم إلا لمثل القادم من مغبه ونحو ذلك ولهذا قال أنس: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك والأفضل للناس أن يتبعوا طريق السلف في كل شيء فلا يقومون إلا حيث كانوا يقومون

فأما إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض فقد يقال: لو تركوا القيام للمصحف مع هذه العادة لم يكونوا محسنين في ذلك ولا محمودين بل هم إلى الذم أقرب حيث يقوم بعضهم لبعض ولا يقومون للمصحف الذي هو أحق بالقيام حيث يجب من احترامه وتعظيمه ما لا يجب لغيره حتى ينهى أن يمس القرآن إلا طاهر والناس يمس بعضهم بعضا مع الحدث لاسيما في ذلك من تعظيم حرمات الله وشعائره ما ليس في غيرذلك

وقد ذكر من ذكر من الفقهاء الكبار قيام الناس للمصحف ذكر مقرر له غير منكر له

وأما جعل المصحف عند القبور وإيقاد القناديل هناك فهذا مكروه منهى عنه ولو كان قد جعل للقراءة فيه هنالك فكيف إذا لم يقرأ فيه ؟ فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ] فإيقاد السرج من قنديل وغيره على القبور منهى عنه مطلقا لأنه أحد الفعلين الذي لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم من يفعلهما كما قال: [ لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عوراتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك ] رواه أبو داود وغيره ومعلوم أنه ينهى عن كشف العورة وحده وعن التحدث وحده وذلك قوله تعالى: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا } فتوعد على مجموع أفعال وكل فعل منها محرم وذلك لأن ترتيب الذم على المجموع يقتضي أن كل واحد له تأثير في الذم ولو كان بعضها مباحا لم يكن له تأثير في الذم والحرام لا يتوكد بانضمام المباح المخصص إليه

والأئمة قد تنازعوا في القراءة عند القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد في أكثر الروايات ورخص فيها في الرواية الأخرى عنه هو وطائفة من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم

وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف بل هي تدخل في معنى اتخاذ المساجد على القبور وقد استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه و سلم بالنهي عن ذلك حتى قال: [ لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ] يحذر ما صنعوا قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وقال: [ إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ] ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور معه مساجد

ومعلوم أن المساجد بيت الصلاة والذكر وقراءة القرآن فإذا اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلا في النهي فإذا كان هذا مع كونهم يقرأون فيها فكيف إذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها ولا ينتفع بها لا حي ولا ميت فإن هذا لا نزاع في النهي عنه ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه وأسرع إلى فعل ذلك وتحريه

وأما استفتاح الفال في المصحف فلم ينقل عن السلف فيه شيء وقد تنازع فيه المتأخرون وذكر القاضي أبو يعلى فيه نزاعا ذكر عن ابن بطة أنه فعله وذكر عن غيره أنه كرهه فإن هذا ليس الفال الذي يحبه رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه كان يحب الفال ويكره الطيرة والفال الذي يحبه هو أن يفعل أمرا أو يعزم عليه متوكلا على الله فيسمع الكلمة الحسنة التي تسره مثل أن يسمع: يا نجيح يا مفلح يا سعيد يا منصور ونحو ذلك كما لقي في سفر الهجرة رجلا فقال: ما اسمك ؟ قال: يزيد قال: يا أبا بكر يزيد أمرنا

وأما الطيرة بأن يكون قد فعل أمرا متوكلا على الله أو يعزم عليه فيسمع كلمة مكروهة مثل: ما يتم أو ما يفلح ونحو ذلك فيتطير ويترك الأمر فهذا منهى عنه كما في الصحيح عن معوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله منا قوم يتطيرون قال: [ ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم ]

فنهى النبي صلى الله عليه و سلم أن تصد الطيرة العبد عما أراد فهو في كل واحد من محبته للفال وكراهته للطيرة إنما يسلك مسلك الاستخارة لله والتوكل عليه والعمل بما شرع له من الأسباب لم يجعل الفال آمرا له وباعثا له على الفعل ولا الطيرة ناهية له عن الفعل وإنما يأتمر وينتهي عن مثل ذلك أهل الجاهلية الذين يستقسمون بالازلام وقد حرم الله الاستقسام بالازلام في آيتين من كتابه وكانوا إذا أرادوا أمر من الأمور أحالوا به قداحا مثل السهام أو الحصى أو غير ذلك وقد علموا على هذا علامة الخير وعلامة هذا علامة الشر وآخر غفل فإذا خرج هذا فعلوا وإذا خرج هذا تركوا وإذا خرج الغفل أعادوا الاستقسام

فهذه الأنواع التي تدخل في ذلك مثل الضرب بالحصى والشعير واللوح والخشب والورق المكتوب عليه حروف أبجد أو أبيات من الشعر أو نحو ذلك مما يطلب به الخيرة فما يفعله الرجل ويتركه ينهى عنها لأنها من باب الاستقسام بالإزلام وإنما يسن له استخارة الخالق واستشارة المخلوق والإستدلال بالأدلة الشرعية التي تبين ما يحبه الله ويرضاه وما يكرهه وينهى عنه وهذه الأمور تارة يقصد بها الإستدلال على ما يفعله العبد هل هو خير أم شر ؟ وتارة الإستدلال على ما يكون فيه نفع في الماضي والمستقبل وكلا غير مشروع والله سبحانه أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت