الوجه الحادي والثلاثون: إن هذا النقل عنهم إذا قيل إنه صحيح إما باعتبار وإحدى الحقيقتين أو باعتبار قصدهم فإنهم لا يذمون على القول بخلق ذلك عندكم بل يحمدون على ذلك إذ أنتم وهم متفقون على ذلك ومن المعلوم بالإضطرار أن السلف الذين أجمع المسلمون على إمامتهم في الدين ذموهم على ذلك فإذا أنتم ذامون للسلف الذين أجمع المسلمون على إمامتهم في الدين وأنتم عند السلف وأئمة الدين مذمون وأنتم بذلك من جنس الرافضة والخوارج ونحوهم ممن يقدح في سلف الأمة وأئمتها وهذا حق فإن قول هؤلاء من فروع قول الجهمية وقول الجهمية فيه من التنقض والسب والطعن على السلف والأئمة وعلى السنة مال ليس في قول الخوارج والروافض
فإن الخوارج يعظمون القرآن ويوجبون أتباعه وإن لم يتبعوا السنن المخالفة لظاهر القرآن وهم يقدحون في علي وعثمان ومن تولاهما وإن لم يقدحوا في أبي بكر وعمر وأما الجهمية فإنها لا توجب بل تجوز اتباع القرآن في باب صفات الله كما يصرحون به كالرازي ونحوه من المعتزلة وغيرهم فضلا عن أن يتبعوا السنن أو إجماع السلف فالجهمية أعظم قدحا في القرآن وفي السنن وفي إجماع الصحابة والتابعين من سائر أهل الأهواء
ولهذا تنازع العلماء من أصحابنا وغيرهم هل هم داخلو في الثنتين والسبعين فرقة لكن كثير من الناس يأخذون ببعض الجهم وأيضا ففيهم من لا يكفر الأمة بخلاف ولا يستحل السيف وفيهم من قد بعدت عليهم الحجة وجهلوا أصل القول وقول الدعاة إلى الكتاب والسنة وظهور ذلك فيمن هنا كان حال فروع الجهمية قد يكون أخف من حال الخوارج وإلا فقولهم في نفسه أحنث من قول الخوارج بكثير وإذا كان يونس بن عبيد قد قال عن المعتزلة أن فتنتهم أضر على الأمة من فتنة الأزارقة والمعتزلة جهمية علم أن السلف كانوا يعلمون أن الجهمية شر من الخوارج
فال الطبراني في كتب السنة: حدثنا الحسن بن علي المعمري حدثنا محمد ابن بكار العبسي حدثنا عبدالعزيز الرقاشي سمعت يونس بن عبيد يقول فتنة المعتزلة على هذه الأمة أشد من فتنة الأزارقة لأنهم يزعمون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ضلوا وأنهم لا تجوز شهادتهم بما أحدثوا ويكذبون بالشفاعة والحوض وينكرون عذاب القبر أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم وفروع الجهمية لا يقبلون شهادة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما رواه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يأتمرن بكتاب الله وفيهم من هو في بعض المواضع شر من المعتزلة ولكن المعتزلة هم اصلهم في الجملة وفي هؤلاء من لا يرى التكفير والسيف كما تراه المعتزلة والرافضة وهو قول الخوارج
ولهذا كثيرا ما يكون أهل البدع مع القدرة يشبهون الكفار في استحلال قتل المؤمنين وتكفيرهم كما يفعله الخوارج والرافضة والمعتزلة والجهمية وفروعهم لكن فيهم من يقاتل بطائفة ممتنعة كالخوارج والزيدية ومنهم من يسعى في قتل المقدور عليه من مخالفيه إما بسلطانه وإما بحيلته ومع العجز يشبهون المنافقين يستعملون التقية والنفاق كحال المنافقين وذلك لأن البدع مشتقة من الكفر فإن المشركين وأهل الكتاب هم مع القدرة يحاربون المؤمنين ومع العجز ينافقونهم والمؤمن مشروع له مع القدرة أن يقيم دين الله بحسب الإمكان بالمحاربة وغيرها ومع العجز يمسك عما عجز عنه من الإنتصار ويصير على ما يصيبه من البلاء من غير منافقة بل يشرع له من المدارات ومن التكلم بما يكره عليه ما جعل الله له فرجا ومخرجا ولهذا كان أهل السنة مع أهل البدعة بالعكس إذا قدروا عليهم لا يعتدون عليهم بالتكفير والقتل وغير ذلك بل يستعملون معهم العدل الذي أمر الله به ورسوله كما فعل عمر بن عبدالعزيز بالحرورية والقدرية وإذا جاهدوهم فكما جاهد علي رضي الله عنه الحرورية بعد الإعذار وإقامة الحجة وعامة ما كانوا يستعملون معهم الهجران والمنع من الأمور التي تظهر بسببها بدعتهم مثل ترك مخاطبتهم ومجالستهم لأن هذا هو الطريق إلى خمود بدعتهم وإذا عجزوا عنهم لم ينافقوهم بل يصبرون على الحق الذي بعث الله به نبيه كما كان سلف المؤمنين يفعلون وكما أمره الله في كتابه حيث أمرهم بالصبر على الحق وأمرهم أن لا يحملهم شنآن قوم على أن لا يعدلوا