فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51585 من 346740

وأيضا فالقضاء نوعان :

أحدهما: الحكم عند تجاحد الخصمين مثل أن يدعي أحدهما أمرا يكذبه الآخر فيه فيحكم فيه بالبينة ونحوهما

والثاني: ما لا يتجاحدان فيه يتصادقان ولكن لا يعلمان ما يستحق لكل منهما كتنازعهما في قسم فريضة أو فيما يجب لكل من الزوجين على الآخر أو فيما يستحقه كل من الشريكين ونحو ذلك فهذا الباب هو من أبواب الحلال والحرام فإذا أفتاهما من يرضيان بقوله كفاهما ذلك ولم يحتاجا إلى من يحكم بينهما وإنما يحتاجان إلى حاكم عند التجاحد وذاك إنما يكون في الأغلب مع الفجور وقد يكون مع النسيان فأما الحلال والحرام فيحتاج إليه كل أحد من بر وفاجر وما يختص بالقضاء لا يحتاج إليه إلا قليل من الأبرار

ولهذا لما أمر أبو بكر وعمر أن يقضي بين الناس مكث حولا لم يتحاكم إثنان في شيء ولو عد مجموع ما قضى النبي صلى الله عليه و سلم من هذا النوع لم يبلغ عشر حكومات فأين هذا من كلامه في الحلال والحرام الذي هو قوام دين الإسلام يحتاج إليه الخاص والعام

وقوله: [ أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ] أقرب إلى الصحة باتفاق علماء الحديث من قوله: أقضاكم علي لو كان مما يحتج به وإذا كان ذلك أصح إسنادا وأظهر دلالة علم أن المحتج بذلك على أن عليا أعلم من معاذ بن جبل جاهل فكيف من أبي بكر وعمر اللذين هما أعلم من معاذ بن جبل مع أن الحديث الذي فيه ذكر معاذ وزيد يضعفه بعضهم ويحسنه بعضهم وأما الحديث الذي فيه ذكر علي فإنه ضعيف

وأما حديث مدينة العلم فأضعف وأوهي ولهذا إنما يعد في الموضوعات المكذوبات وإن كان الترمذي قد رواه ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وبين أنه موضوع من سائر طرقه والكذب يعرف من نفس متنه لا يحتاج إلى النظر في إسناده فإن النبي صلى الله عليه و سلم إذا كان مدينة العلم لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحدا بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن وتلك القرائن إما أن تكون منتفية وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس أو أكثرهم فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنة المتواترة بخلاف النقل المتواتر الذي يحصل به العلم للخاص والعام

وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل ظنه مدحا وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في علم الدين إذا لم يبلغه إلا واحد من الصحابة

ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر فإن جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من غير طريق علي رضي الله عنه

أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهم ظاهر وكذلك أهل الشام والبصرة فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن علي إلا شيئا قليلا وإنما غالب كان في أهل الكوفة ومع هذا فقد كانوا تعلموا القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلا عن خلافة علي وكان أفقه أهل المدينة وأعلمهم تعلموا الدين في خلافة عمر وقبل ذلك لم يتعلم أحد منهم من علي شيئا إلا من تعلم منه لما كان باليمن كما تعلموا حينئذ من معاذ بن جبل وكان مقام معاذ بن جبل أكثر مما رووه عن علي وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقهوا على معاذ

ولما قد م على الكوفة كان شريح قاضيا فيها قبل ذلك وعلي وجد على القضاء في خلافته شريحا وعبيدة السلماني وكلاهما تفقه على غيره

فإذا كان علم الإسلام انتشر في مدائن الإسلام بالحجاز والشام واليمن والعراق وخراسان ومصر والمغرب قبل أن يقدم إلى الكوفة لما صار إلى الكوفة عامة ما بلغه من العلم بلغه غيره من الصحابة ولم يختص علي بتبليغ شيء من العلم إلا وقد اختص غيره بما هو أكثر منه فالتبليغ العام الحاصل بالولاية حصل لأبي بكر وعمر وعثمان منه أكثر مما حصل لعلي وأما الخاص فابن عباس كان أكثر فتيا منه وأبو هريرة أكثر رواية منه وعلي أعلم منهما كما أن أبا بكر وعمر وعثمان أعلم منهما أيضا فإن الخلفاء الراشدين قاموا من تبليغ العلم العام بما كان الناس أحوج إليه مما بلغه من بلغ بعض العلم الخاص

وأما ما يرويه أهل الكذب والجهل من اختصاص علي بعلم انفراد به عن الصحابة فكله باطل وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قيل له: هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه و سلم شيء ؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة وكان فيها عقول الديات أي أسنان الإبل التي تجب فيه الدية وفيها فكاك الأسير وفيها لا يقتل مسلم بكافر

وفي لفظ: هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئا لم يعهده إلى الناس فنفى ذلك إلى غير ذلك من الأحاديث عنه التي تدل على أن كل من ادعى أن النبي صلى الله عليه و سلم خصه بعلم فقد كذب عليه

وما يقوله بعض الجهال أنه شرب من غسل النبي صلى الله عليه و سلم فأورثه علم الأولين والآخرين من أقبح الكذب البارد فإن شرب غسل الميت ليس بمشروع ولا شرب علي شيئا ولو كان هذا يوجب العلم لشركه في ذلك كل من حضر ولم يرو هذا أحد من أهل العلم

وكذلك ما يذكر أنه كان عنده علم باطن امتاز به عن أبي بكر وعمر وغيرهما فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية ونحوهم الذين هم أكفر منهم بل فيهم من الكفر ما ليس في اليهود والنصارى كالذين يعتقدون إلهيته ونبوته وأنه كان أعلم من النبي صلى الله عليه و سلم وأنه كان معلما للنبي صلى الله عليه و سلم في الباطن ونحو هذه المقالات التي إنما يقولها الغلاة في الكفر والإلحاد والله سبحانه وتعالى أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت