الأصل الثاني: أن يقال أكراء الشجر للإستثمار يجري مجرى أكراء الأرض للأزدراع واستئجار الظئر للرضاع وذلك أن الفوائد التي تستخلف مع بقاء أصولها تجري مجرى المنافع وإن كانت أعيانا وهي ثمر الشجر وألبان البهائم والصوف والماء العذب فإنه كلما خلق من هذه شيء فأخذ خلق الله بدله مع بقاء الأصل كالمنافع سواء
ولهذا جرت في الوقف والعارية والمعاملة بجزء من النماء مجرى المنفعة فإن الوقف لا يكون إلا قيما ينتفع به مع بقاء أصله فإذا جاز وقف الأرض البيضاء أو الزرع لمنفعتها فكذلك وقف الحيطان لثمرتها ووقفت الماشية لدرها وصوفها ووقف الآبار والعيون لمائها بخلاف ما يذهب بالإنتفاع كالطعام ونحوه فلا يوقف وأما أرباب العارية فيسمون إباحة للظهر اقراضا يقال أقرض به الظهر وما أبيح لبنه منيحة وما أبيح ثمره عرية وغير ذلك عارية
وشبهوا ذلك بالقرض الذي ينتفع به المقترض ثم يرد مثله ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم: [ منيحة لبن أو منيحة ورق ] فاكتراء الشجر لأن يعمل عليها ويأخذ ثمرها بمنزلة استئجار الظئر لأجل لبنها وليس في القرآن إجارة منصوصة إلا إجارة الظئر في قوله سبحانه: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن }
ولما اعتقد بعض الفقهاء أن الإجارة لا تكون إلا على منفعة ليست عينا ورأى جواز إجارة الظئر قال المعقود عليه هو وضع الطفل في حجرها واللبن دخل ضمنا وتبعا كنقع البئر وهذا مكابرة للعقل والحس فإنا نعلم بالاضطرار أن المقصود بالعقد هو اللبن كما ذكره الله بقوله: { فإن أرضعن لكم } وضم الطفل إلى حجرها إن فعل فإنما هو وسيلة إلى ذلك وإنما العلة ما ذكرته من الفائدة التي ستحلف مع بقاء أصلها يجرير مجرى المنفعة وليس من البيع الخاص فإن الله لم يسم العوض إلا أجرا لم يسمه ثمنا وهذا بخلاف ما لو حلب اللبن فإنه لا يسمى المعاوضة عليه حينئذ إلى بيعا لأنه لم يستوف الفائدة من أصلها كما يستوفي المنفعة من أصلها فلما كانت الفوائد العينية يمكن فصلها عن أصلها كان لها حالان:
حال تشبه فيه المنافع المحضة وهي حال اتصالها واستيفائها كاستيفاء المنفعة
وحال يشبه فيه الأعيان المحضة وهي حال انفصالها وقبضها كقبض الأعيان فإذا كان صاحب الشجر هو الذي يسقيها ويعمل عليها حتى يصلح الثمرة فإنما يبيع ثمرة محضة كما لو كان هو الذي يشق الأرض ويبذرها ويسقيها حتى يصلح الزرع فإنما يبيع زرعا محضا وإن كان المشتري هو الذي يجد ويحصل كما لو باعها على الأرض وكان المشتري هو الذي ينقل ويحول
وبهذا جمع النبي صلى الله عليه و سلم بينهما في النهي حيث نهى عن بيع الحب حتى يشتد وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه فإن هذا بيع محض للثمرة والزرع وأما إذا كان المالك يدفع الشجرة إلى المكتري حتى يسقيها ويلقحها ويدفع عنها الأذى فهو بمنزلة دفع الأرض إلى من يشقها ويبذرها ويسقيها ولهذا سوى بينهما في المساقاة والمزارعة فكما أن كرا الأرض ليس ببيع كزرعها فكذلك كرا الشجر ليس ببيع لثمرها بل نسبة كرا الشجر إلى كرا الأرض كنسبة المساواة إلى المزارعة هذا معاملة بجزء من النماء وهذا كراء بعوض معلوم
فإذا كانت هذه الفوائد قد ساوت المنافع في الوقت لأصلها وفي التبرعات بها وفي المشاركة بجزء من نمائها وفي المعاوضة عليها بعد صلاحها فكذلك يساويها في المعاوضة على استفادتها وتحصيلها ولو فرق بينهما بأن الزرع إنما يخرج بالعمل بخلاف الثمر فإنه يخرج بلا عمل كان هذا الفرق عديم النظير بدليل المساقاة والمزارعة وليس بصحيح فإن للعمل تأثيرا في الإثمار كما له تأثير في الإنبات ومع عدم العمل عليها فقد تعدم الثمرة وقد تنقض فإن من الشجر لو لم يخذم لم يثمر ولو لم يكن للعمل عليه تأثيرا أصلا لم يجز دفعه إلى عامل بجزء من ثمره ولم يجز في مثل هذه الصورة إجارته قبل بدو صلاحه فإنه تبع محض للثمرة لا إجارة للشجر ويكون كمن أكرى أرضه لمن يأخذ منها ما ينبته الله بلا عمل أحد أصلا قبل وجوده
فإن قيل: المقصود بالعقد هنا غرر لأنه قد يثمر قليلا وقد يثمر كثيرا يقال ومثله في كراء الأرض فإن المقصود بالعقد غرر أيضا على هذا التقدير فإنها قد تنبت قليلا وقد تنبت كثيرا وإن قيل المعقود عليه هناك التمكن من الازدراع لا نفس الزرع النابت قيل والمعقود عليه هنا التمكن من الاسثتمار لا نفس الثمر الخارج ومعلوم أن المقصود فيهما إنما هو الزرع والثمر إنما يجب العوض بالتمكن من تحصيل ذلك كما أن المقصود باكتراء الدار إنما هو التمكن من السكنى وإذا وجب العوض بالتمكن من تحصيل ذلك فالمقصود في اكتراء الأرض للزرع إنما هو نفس الأعيان التي تحصل ليس كاكتراء السكنى أو للبناء فإن المقصود هناك نفس الإنتفاع بجانب الأعيان فيها وهذا بين عند التأمل لا يزيده البحث عنه إلى وضوحا لا بد أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه و سلم من بيع الثمرة قبل زهوها وبيع الحب قبل اعتداده ليس هو إن شاء الله إكراءها لمن يجعل ثمرتها وزرعها بعمله وسقيه ولا هذا أخل في نهيه لفظا ولا معنى
يوضح ذلك: أن البائع لثمرتها والعمل عليها حتى يتمكن المشتري من الجداد كما على بائع الزرع تسليم سقيه حتى يتمكن المشتري من الحصاد فإن هذا من تمام التوفيه ومؤنة التوفية على البائع كالكيل والوزن
وأما المكري لها لمن خدمها حتى يثمر فهو كمكري الأرض لمن يخدمها حتى تبنت ليس على المكري عمل أصلا وإنما عليه التمكين من العمل الذي يحصل به الثمر والزرع
لكن يقال: طرد هذا أن يجوز إكراء البهائم لمن يعلفها ويسقيها ويحتلب لبنها
قيل: إن جوزنا على إحدى الروايتين أن يدفع الماشية لمن يعلفها ويسقيها بجزء من درها ونسلها جاز دفعها إلى من يعمل عليها لدرها ونسلها بشيء مضمون
وإن قيل: فهلا جاز إجارتها لاختلاف لبنها كما جاز إجارة الظئر ؟
قيل: نظير إجارة الظئر أن يرضع بعمل صاحبها للغنم لأن الظئر هي ترضع الطفل فإذا كانت هي التي توفي المنفعة فنظيره أن يكون المؤجر هو الذي يوفي منفعة الإرضاع وحينئذ فالقياس جوازه فلو كان لرجل غنم فاستأجر غنم رجل لأن ترضعها لم يكن هذا ممتعا وأما إن كان المستأجر هو الذي يحتلب اللبن أو هو الذي يستوفيه فهذا مشتري اللبن ليس مستوفيا لمنفعة ولا مستوفيا للعين بعمل وهو شبيه لاشتراء الثمرة واحتلابه كاقتطافها وهو الذي نهى عنه بقوله لا تباع لبن في ضرع بخلاف ما لو استأجرها لأن يقوم عليها ويحتلب لبنها فهذا نظير اكتراء الأرض والشجر