502 -104 مسألة: ما الذي يحرم من الرضاع ؟ وما الذي لا يحرم ؟ وما دليل حديث عائشة رضي الله عنها: « أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » وليتبينوا جميع التحريم منه ؟ وهل للعلماء فيه اختلاف ؟ وإن كان لهم اختلاف فما هو الصواب والراجح فيه ؟ وهل حكم رضاع الصبي الكبير الذي دون البلوغ أو الذي يبلغ حكمه حكم الصغير الرضيع فإن بعض النسوة يرضعن أولادهن خمس سنين وأكثر وأقل ؟ وهل يقع تحريم بين المرأة والرجل المتزوجين برضاع بعض قراباتهم لبعض ويبنوه بيانا شافيا ؟
الجواب: الحمد لله حديث عائشة حديث صحيح متفق على صحته وهو متلقى بالقبول فإن الأئمة اتفقوا على العمل به ولفظه: [ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ]
والثاني: [ يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ] وقد استثنى بعض الفقهاء المتأخرين من هذا العموم صورتين وبعضهم أكثر من ذلك وهذا خطأ فإنه لا يحتاج أن يستثنى من الحديث شيء ونحن نبين ذلك فنقول:
إذا ارتضع الرضيع من المرأة خمس رضعات من الحولين صارت المرأة أمه وصار زوجها الذي جاء اللبن بوطئه أباه فصار ابنا لكل منهما من الرضاعة وحينئذ فيكون جميع أولاد المرأة من هذا الرجل ومن غيره وجميع أولاد الرجل منها ومن غيرها أخوة له سواء ولدوا قبل الرضاع أو بعده باتفاق الأئمة
وإذا كان أولادهما أخوته كان أولاد أولادهما وأولاد أخوته فلا يجوز للمرتضع أن يتزوج أحدا من أولادهما فإنهما إما أخوته وإما أولاد أخوته وذلك يحرم من الولادة وأخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته من الرضاع وأبوها وأمها أجداده وجداته من الرضاع فلا يجوز له أن يتزوج أحدا من أخوتها ولا من أخواتها وأخوة الرجل أعمامه وعماته وأبو الرجل وأمهاته أجداده وجداته فلا يتزوج بأعمامه وعماته ولا بأجداده وجداته لكن تتزوج بأولاد الأعمام والعمات فإن جميع أقارب الرجل حرام عليه إلا أولاد الأعمام والعمات وأولاد الخال والخالات كما ذكر الله في قوله: { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك }
فهؤلاء الأصناف الأربعة من المباحات من الأقارب فيبحن من الرضاعة وإذا كان المرتضع ابنا للمرأة وزوجها فأولاده أولاد أولادهما ويحرم على أولاده ما يحرم على الأولاد من النسب فهذه الجهات الثلاث منها تنتشر حرمة الرضاع
وأما أخوة المرتضع من النسب وأبوه من النسب وأمه من النسب فهم أجانب أبيه وأمه وأخوته من الرضاع ليس بين هؤلاء وهؤلاء صلة ولا نسب ولا رضاع لأن الرجل يمكن أن يكون له أخ من أبيه وأخ من أمه ولا نسب بينهما بل يجوز لأخيه من أبيه أن يتجوز أخاه من أمه فكيف إذا كان أخ من النسب وأخت من الرضاع فإنه يجوز لهذا أن يتزوج هذا ولهذا أن يتزوج بهذا
وبهذا تزول الشبهة لبعض الناس فإنه يجوز للمرتضع أن يتزوج أخوه من الرضاعة بأمه من النسب كما يتزوج بأخته من النسب ويجوز لأخيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاعة
وهذا لا نظير له في النسب فإن أخ الرجل من النسب لا يتزوج بأمه من النسب وأخته من الرضاع ليست بنت أبيه من النسب ولا ربيبته فلهذا جاز أن تتزوج به فيقول من لا يحقق: يحرم في النسب على أخي أن يتزوج أمي ولا يحرم مثل هذا في الرضاع وهذا غلط منه فإنه نظير المحرم من النسب أن تتزوج أخته أو أخوه من الرضاعة بابن هذا الأخ أو بأمه من الرضاعة كما لو ارتضع هو وآخر من امرأة واللبن لفحل فإنه يحرم على أخته من الرضاعة أن تتزوج أخاه وأخته من الرضاعة لكونهما أخوين للمرتضع ويحرم عليهما أن يتزوجا أباه وأمه من الرضاعة لكونهما ولديهما من الرضاعة لا لكونهما أخوي ولديهما فمن تدبر هذا ونحوه زالت عنه الشبهة
وأما رضاع الكبير فإنه لا يحرم في مذهب الأئمة الأربعة بل لا يحرم الإرضاع الصغير كالذي رضع في الحولين وفيمن رضع قريبا من الحولين نزاع بين الأئمة لكن مذهب الشافعي وأحمد أنه لا يحرم فأما الرجل الكبير والمرأة الكبيرة فلا يحرم أحدهما على الآخر برضاع القرايب مثل أن ترضع زوجته لأخيه من النسب فهنا لا تحرم عليه زوجته لما تقدم من أنه يجوز له أن يتزوج بالتي هي أخته من الرضاعة لأخيه من النسب إذ ليس بينه وبينها صلة نسب ولا رضاع وإنما حرمت على أخيها لأنها أمه من الرضاع وليست أم نفسه من الرضاع وأم المرتضع من الرضاع لا تكون أم لأخوته من النسب لأنها إنما أرضعت الرضيع ولم ترضع غيره نعم لو كان للرجل نسوة يطأهن وأرضعت كل واحدة طفلا لم يحل أن يتزوج أحدهما الآخر ولهذا لما سئل ابن عباس عن ذلك قال: اللقاح واحد وهذا مذاهب الأئمة الأربعة لحديث أبي القعيس الذي في الصحيحين عن عائشة وهو معروف
وتحرم عليه أم أخيه من النسب لأنها أمة أو امرأة أبيه وكلاهما حرام عليه وأما أخيه من الرضاعة فليست أمه ولا امرأة أبيه لأن زوجها صاحب اللبن ليس أبا لهذا لا من النسب ولا من الرضاعة
فإذا قال القائل: إن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ] وأم أخيه من النسب حرام فكذلك من الرضاع
قلنا: هذا تلبيس وتدليس فإن الله لم يقل: حرمت عليكم أمهات أخوانكم وإنما قال: { حرمت عليكم أمهاتكم } وقال تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } فحرم على الرجل أمه ومنكوحة أبيه وإن لم تكن أمه وهذه تحرم من الرضاعة فلا يتزوج أمه من الرضاعة وأما منكوحة أبيه من الرضاع فالمشهور عند الأئمة أنها تحرم لكن فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر لا بالنسب والولادة وليس الكلام هنا في تحريمها فإنه إذا قيل تحرم منكوحة أبيه من الرضاعة وفينا بعموم الحديث وأما أخيه التي ليست أما ولا منكوحة أب فهذه لا توجد في النسب فلا يجوز أن يقال تحرم من النسب فلا يحرم نظيرها من الرضاعة فتبقى أم الأم من النسب لأخيه من الرضاعة أو الأم من الرضاعة لأخيه من النسب لا نظير لها من الولادة فلا تحرم وهذا متفق عليه بين المسلمين والله أعلم