فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 52017 من 346740

وقال الشيخ الإمام أبو حامد الإسفرائيني في كتابه في أصول الفقه الذي شرح فيه رسالة الشافعي وسماه التعليق: مسألة في أن الأمر أمر لصيغته أو لقرينة تقترن به: اختلف الناس في الأمر هل له صيغة تدل على كونه أمرا أو ليس له ذلك ؟ على ثلاثة مذاهب:

فذهب أئمة الفقهاء إلى أن ذلك الأمر له صيغة تدل بمجردها على كونه أمرا إذا انفردت عن القرائن وذلك مثل قول القائل: « افعل كذا وكذا » وإذا وجب ذلك عاريا عن القرائن كان أمرا ولا يحتاج في كونه أمرا إلى قرينة هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وجماعة أهل العلم وهو قول البلخي من المعتزلة

وذهبت المعتزلة بأسرها غير البلخي إلى أن لا صيغة له ولا يدل اللفظ بمجرده على كونه أمرا وإنما يكون أمرا بقرينة تقترن به وهي الإرادة

إلى أن قال: وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الآمر لا يفارق الذات ولا يغايرها وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك وسواء هذا في أمر الله وأمر الآدميين إلا أن أمر الله تعالى مختص بكونه قديم وأمر الآدمي محدث وهذه الأصوات والألفاظ ليست عندهم أمرا ولا نهيا وإنما هي عبارة عنه

قال: وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول: هي حكاية عن الآمر وخالفه أبو الحسن الأشعري رحمه الله في ذلك فقال: لا يجوز أن يقال إنها حكاية لأن الحكاية تحتاج إلى أن تكون مثل المحكي ولكن هي عبارة عن الأمر القائم بالنفس وتقرر مذهبهم على هذا فإذا كان هذا حقيقة مذهبهم فليس يتصور بيننا وبينهم خلاف في أن الأمر له صيغة أم لا فإنه إذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم بالنفس فذلك المعنى لا يقال إن له صيغة أو ليست له صيغة وإنما يقال ذلك في الألفاظ إلى آخر كلامه

وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع والفضول وذكر إثنا عشر إماما وهم: الشافعي ومالك والثوري وأحمد والبخاري وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وأبو ذرعة وأبو حاتم قال فيه: سمعت الإمام أبي منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبي حامد الإسفرائيني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر والقرآن حمله جبريل عليه السلام مسموعا من الله تعالى والنبي صلى الله عليه و سلم سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو الذي نقوله نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومنقوشا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين

قال الشيخ أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام قال أبو الحسن: ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرأون مما بنى الأشعري مذهبه عليه وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن طاهر الإسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا إذا سعى إلى الجمعة من قطيعة الكرخ إلى جامع المنصور ويدخل الرباط المعروف بالروزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قال أحمد بن حنبل لا كما يقول الباقلاني وتكرر ذلك منه في جمعات فقيل له في ذلك فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في البلاد أني بريء مما هم عليه يعني الأشعري وبريء من مذهب أبي بكر الباقلاني فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية فيقرأون عليه فيفتنون بمذهبه فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته

قال الشيخ أبو الحسن: وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه الأصبهاني يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا بكر الزاذقاني يقول: كنت في درس الشيخ أبي حامد الإسفرائيني وكان ينهي أصحابه عن الكلام وعن الدخول على الباقلاني فبلغه أن نفرا من أصحابه يدخلون عليه خفيه لقراءة الكلام فظن أني معهم ومنهم وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لي: يا بني بلغني أنك تدخل على هذا الرجل يعني الباقلاني فإياك وإياه فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلال وإلا فلا تحضر مجلسي فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل وتائب إليه واشهدوا على أني لا أدخل إليه

قال: وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة مشايخ والأئمة ببغداد أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعا خوفا من الشيخ أبي حامد الإسفرائيني

قال: وأخبرني جماعة من الثقات كتابة منهم القاضي أبو منصور اليعقوبي عن الإمام عبد الله بن محمد بن علي هو شيخ الإسلام الأنصاري قال: سمعت عبد الرحمن بن محمد بن الحسين وهو السلمي يقول: وجدت أبا حامد الإسفرائيني وأبا الطيب الصعلوكي وأبو بكر القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله

قال: سمعت أحمد بن أبي رافع وخلقا يذكرون شدة أبي إسحاق الإسفرائيني على الباقلاني قال الشيخ أبو الحسن الكرجي: ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري وعلقه عنه الإمام أبو بكر الزادقاني وهو عندي وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع و التبصرة حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميز وقال: هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلا عن أصول الدين

قلت: أبو محمد الجويني وشيخه أبو بكر القفال المروزي وشيخه أبو زيد المروزي هم أهل الطريقة المروزية الخراسانية وأئمتها من أصحاب الشافعي والشيخ أبو حامد الإسفرائيني وأتباعه كالقاضي أبو الطيب وصاحبه أبي إسحاق الشيرازي وغيرهم أئمة الطريقة العراقية من أصحاب الشافعي وقد ذكر أبو القاسم بن عساكر في ترجمة أبي محمد الجويني ما ذكره عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور في ترجمة الشيخ أبي محمد الجويني في مناقبه وقال: سمعت خالي الإمام أبا سعيد يعني عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري يقول: كان أئمتنا في عصره والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه الكمال والفضل والخصال الحميدة وأنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في عصره لما كان إلا هو من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته في كمال فضله وذكر عبد الغافر أنه كان أوحد زمانه قال: وله في الفقه تصانيف كثيرة الفوائد مثل التبصرة والتذكرة و مختصر المختصر وله التفسير الكبير المشتمل على عشرة أنواع في كل آية

وأما الشيخ أبو حامد فهو الشافعي الثالث فإنه ليس بعد الشافعي مثل أبي العباس بن سريج ولا بعد أبي العباس مثل الشيخ أبي حامد حتى ذكر أبو إسحاق في طبقات الفقهاء عن أبي الحسين القدوري أنه كان يقول في الشيخ أبي حامد إنه أنظر من الشافعي وهذا كلام وإن كان قد وردت زيادته لكن لولا براعة أبي حامد ما قال فيه مثل الشيخ أبي الحسين هذا القول

قال الشيخ أبو الحسن الكرجي: ولا شك أنه كان أعرف الأصحاب بمناصيص الشافعي وأعظمهم بركة في مذهبه وهو أول من كثر شرح المزني وشحنه بالمختلف والمؤتلف ونصر فيه مذاهب العلماء وجعله مساغا لاجتهاد الفقهاء

وقد ذكر أبو القاسم بن عساكر فيما ذكره من أصحاب الأشعري جماعة كثيرة ليسوا منهم بل منهم من هو مشهور بالمناقضة والمعارضة لهم وذكر منهم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي قال: وكان يظن به من لا يفهم أنه مخالف للأشعري لقوله في كتابه في أحوال الفقه وقالت الأشعرية: إن الأمر لا صيغة له وليس ذلك لأنه لا يعتقد اعتقاده وإنما قال ذلك لأنه خالفه في هذه المسألة مما انفرد بها أبو الحسن

قال: وقد ذكرنا في كتابنا هذا عند فتواه على من خالف الأشعرية واعتقد تبديعهم وذلك أوفى دليل على أنه منهم وقد ذكر هذه الفتوى ونسختها:

ما قول السادة الحلية الأئمة الفقهاء أحسن الله توفيقهم ورضي عنهم في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعرية وتكفيرهم ما الذي يجب عليهم في هذا القول ؟ أفتونا في ذلك منعمين مثابين

الجواب - وبالله التوفيق - أن كل من أقدم على لعن فرقة من المسلمين وتكفيرهم فقد ابتدع وارتكب ما لا يجوز الإقدام عليه وعلى الناظر في الأمور أعز الله أنصاره الإنكار عليه وتأديبه بما يرتدع هو وأمثاله عن ارتكاب مثله

وكتب محمد بن علي الدامغاني: وبعده الجواب - وبالله التوفيق -: إن الأشعرية أعيان أهل السنة وأنصار الشريعة انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضة وغيرهم فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كل أحد

وكتب إبراهيم بن علي الفيروزابادي بعده: جوابي مثله

وكتب محمد بن أحمد الشاشي قال: فهذه أجوبة هؤلاء الأئمة الذين كانوا في عصرهم علماء الأمة فأما القاضي الحنفي الدامغاني فكان يقال له في عصره أبو حنيفة الثاني وأما الشيخ الإمام أبو إسحاق فقد طبق ذكر فضله الآفاق وأما الشيخ الإمام أبو بكر الشاشي فلا يخفى محله على منته في العلم ولا ناشئ

قلت: هذه الفتيا كتبت هي وجوابها في فتنة ابن القشيري لما قدم بغداد فإن ملك بغداد محمود بن سبكتكين كان قد أمر في مملكته بلعن أهل البدع على المنابر فلعنوا وذكر فيهم الأشعرية وكذلك جرى في أول مملكة السلاجقة الترك وكان الذين سعوا في إدخالهم في اللعنة فيهم من سكان تلك البلاد من الحنفية الكرامية وغيرهم ومن أهل الحديث طوائف وجواب الدامغاني جواب مطلق فيه رضى هؤلاء وهؤلاء فإنه أجاب بأنه من أقدم على لعنة فرقة من المسلمين وتكفيرهم فقد ابتدع وفعل ما لا يجوز وهذا مما لا ينازع فيه أحد أنه من كان من المسلمين لا يجوز تكفيره إذ المكفر لشخص أو طائفة لا يقول إنهم من المسلمين ويكفرهم بل يقول: ليسوا بمسلمين

قال أبو المعالي الجويني: ذهب أئمتنا إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب تعالى والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل قال: والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة وحمل العينين على البصر وحمل الوجه على الوجود

قلت: فاتضح أن أئمة الكلامية والأشعرية يثبتون هذه الصفات فإنه خالف أئمته ووافق المعتزلة

قال شارح كلام أبو القاسم بن الأنصاري: أعلم أن مذهب شيخنا أبي الحسن أن اليدين صفتان ثابتتان زائدتان على وجود الإله سبحانه ونحوه قال عبد الله بن سعيد: ومال القاضي أبو بكر في الهداية إلى هذا المذهب

قلت: قد صرح بذلك في جميع كتبه كالتمهيد والإبانة وغيرهما

قال: وفي كلام أبي إسحاق ما يدل على أن التثنية في اليدين ترجع إلى اللفظ لا إلى الصفة وهو مذهب أبي العباس القلانسي

قال الأستاذ - يعني أبا إسحاق -: أما العينان فعبارة عن البصر وكان في العقل ما يدل عليها وأما الوجه واليد فقد اختلف أصحابنا في الطريق إليهما فقال قائلون: قد كان في العقل ما يدل على ثبوت صفتين: يقع بإحداهما الاصطفاء بالخلق وبالأخرى الاختيار بالتقريب في التكليم والإفهام لكن لم يكن في العقل دليل على تسميته فورد الشرع ببيانها فثم الصفة التي يقع بها الاصطفاء بالخلق يدا والصفة التي يقع بها التقريب في التكلم وجها وقالوا: لما صح في العقل التفضيل في الخلق والفعل بالمباشرة والإكرام والتقريب بالإقبال وجب إثبات صفة له يصح بها ما قلناه من غير مباشرة ولا مجافاة فورد الشرع بتسمية إحداهما يدا والأخرى وجها

ومن سلك هذا الطريق قال: لم يكن في العقل جواز ورود السمع وأكثر منه وما جهر به عليه من جهة الأخبار فطريقة الآحاد التي لا توجب العلم ولا يجوز بمثلها إثبات صفة للقديم وإن ثبت منها شيء بطريق يوجب العلم كان متأولا على الفعل

وقال آخرون: طريق إثباتها السمع المحض ولم يكن للعقول فيه تأثير وإذا قيل لهم: لو جاز ورود الشرع بإثبات صفات لا يدل العقل عليها لم يؤمن أن يكون الله على صفات لا يدل العقل عليها لم يؤمن أن يكون الله على صفات لم يرد الشرع بها ولا صارت معلومة

ووجب على القائل بذلك جواز ورود السمع بصفات الإنسان أجمع لله تعالى إذا لم تكن واحدة منها شبيهة بصفته كان جوابهم أن يقولوا: لما أخبر الله المؤمنين بصفاته وحكم لهم بالإيمان بكماله عند المعرفة به لم يجز أن يكون له صفة أخرى لا طريق إلى معرفتها لاستحالة أن يكون المؤمن مؤمنا مستحق المدح إذا لم يكن عارفا بالله يعني وبصفاته أجمع فلما وصفهم بالإيمان عند معرفتهم بما ورد من الشرع ثبت أن لا صفة أكثر مما بين الطريق إليه بالعقل والشرع

قال الأستاذ: والتعويل على الجواب الأول فإن فيه الكشف عن المعنى

قلت: الجوابان مبنيان على وجوب العلم بجميع صفات الله لكن هل كلها معلومة بالعقل أو منها ما علم بالسمع على القولين ؟ ومحققو الأشعرية وغيرهم لا يرضون أن يقولوا: إنا نقطع بأنا علمنا الله بجميع صفاته أو بأنه لا صفة له وراء ما علمناه

قال أبو المعالي: فمن أثبت هذه الصفات السمعية وصار إلى أنها زائدة على ما دلت عليه دلالات المعقول استدلوا بقوله تعالى: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } قالوا: ولا وجه لحمل اليدين على القدرة إذ جملة المخترعات مخلوقة بالقدرة ففي الحمل على ذلك إبطال فائدة التخصيص

قال: وهذا غير سديد فإن العقول قضت بأن الخلق لا يقع إلا بالقدرة أو يكون القادر قادرا فلا وجه لاعتقاد خلق آدمي بغير القدرة

وقال القاضي: الآية تدل على إثبات يدين صفتين والقدرة واحدة فلا يجوز حملها على القدرة

قال أبو المعالي: وقد قال بعض الأصحاب: التثنية راجعة إلى اللفظ لا إلى المعنى وإنما هي صفة واحدة كما حكيناه عن القلانسي وعن الأستاذ على أنه كما يعبر باليد عن الاقتدار فكذلك يعبر باليدين عن الاقتدار فقد تقول العرب: « ما لي بهذا الأمر يد » يعنون: ما لي به قدرة قال عز و جل: { بل يداه مبسوطتان } قال أبو الحسن والقاضي: المراد باليدين في هذه الآية القدرة

قلت: هذا النقل فيه نظر فكلاهما يقتضي خلافه بل هو نص في خلاف ذلك

قال: وأجمع أهل التفسير على أن المراد بالأيدي في قوله: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } القدرة

قال: والذي يحقق ما قلناه أن الذي ذكره شيخنا والقاضي ليس يوصل إلى القطع بإثبات صفتين زائدتين على ما عداهما من الصفات ونحن وإن لم ننكر في قضية العقل صفة سمعية لا يدل مقتضى العقل عليها وإنما يتوصل إليها سمعا فيشترط أن يكون السمع مقطوعا به وليس فيما استدل به الأصحاب قطع والظواهر المحتملة لا توجب العلم وأجمع المسلمون على منع تقدير صفة مجتهد فيها لله عز و جل لا يتوصل إلى القطع فيها بعقل وليس في اليدين - على ما قاله شيخنا رحمه الله - نظر لا يحتمل التأويل ولا إجماع عليه فيجب تنزيل ذلك على ما قلناه

قال: والظاهر من لفظ اليدين حملها على جارحتين فإن استحال حملها على ذلك ومنعه من حملها على القدرة أو النعمة أو الملك فالقول بأنهما محمولتان على صفتين قديمتين لله تعالى زائدتين على ما عداهما من الصفات تحكم محض

قلت: ثم ذكر الجواب عن صحة أئمته بما ليس هذا موضعه فإن المقصود ليس هو الاستقصاء في إثبات هذه الصفة ونفيها إذ قد تكلمنا على ذلك في موضعه وإنما الغرض التنبيه على تغيير قول الأشعري وأئمة أصحابه

و أبو المعالي اعتمد على مقدمتين باطلتين:

إحداهما: أنه ليس في السمع ما يقطع بثبوت هذه الصفة لا نص ولا إجماع

والثانية: المنع بأن يتكلم في الصفات بغير قطع عقلي أو نقلي وادعى الإجماع على ذلك

وهذا باطل كما يقوله من يقول: إذا لم يقم القاطع بالثبوت وجب القطع بالانتفاء وهذا مطابق لما ذكر الإسفرائيني من أن الله معروف بجميع صفاته في الدنيا إما بالعقل على قول من أصحابه وإما بالعقل والسمع وهذا الذي قالوه خلاف إجماع سلف الأمة وخلاف قول المحققين من أصحابهم فضلا عن أن يكون في ذلك إجماع فإن القطع بالنفي بلا علم يوجب النفي كالقطع بالإثبات بلا علم والواجب أن تعطى الأدلة حقها فما كان قطعيا قطع به وما كان ظاهرا محتملا قيل إنه ظاهر محتمل وما كان مجملا قيل إنه مجمل ولم يقل أحد من الأئمة فضلا عن أن يكون إجماعا أن ما لم تعلموه من صفات الرب فانفوه بل قالوا امسكوا عن التكلم في ذلك بغير ما ورد وفرق بين السكوت عما لم يرد وبين النفي فكيف إذا كان النفي لما يكون ظاهرا في الوارد ؟ !

و أبو المعالي يتكلم بمبلغ علمه في هذا الباب وغيره وكان بارعا في فن الكلام الذي يشترك فيه أصحابه والمعتزلة وإن كانت المعتزلة وإن كانت المعتزلة هم الأصل فيه لكثرة مطالعته لكتب أبي هاشم الجبائي فأما الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وقول أئمتها فكان قليل المعرفة بها جدا وكلامه في غير موضع يدل على ذلك ولهذا تجده في عامة مصنفاته في أصوله وفروعه إذا اعتمد على قاطع فإنما هو ما يدعيه من قياس عقلي أو إجماع سمعي وفي كثير من ذلك ما فيه فأما الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها فهو قليل الاعتماد عليها والخبرة بها واعتبره بما ذكر في الرد على الآجري ونحوه من العلماء الذين صنفوا في أبواب السنة والرد على أهل الأهواء قد ردوا عليهم بالسنة والآثار وذكروا في ذلك أحاديث الصفات

فإنه قال: أعلم أن أهل الحق نابذوا المعتزلة وخالفوهم واتبعوا السمع والشرع وأثبتوا الرؤية والنظر وأثبتوا الصراط والميزان وعذاب القلب ومسألة منكر ونكير والمعراج والحوض واشتد نكيرهم على من ينسب إلى إنكار مأثور الأخبار والمستفيض من الآثار في هذه القواعد والعقائد واتفقوا على أن الحسن والقبيح في أحكام التكليف والإيجاب والحذر لا يدرك عقلا والمرجع في جميعها إلى موارد الشرع وقضايا السمع ولكنهم لما بلغتهم أخبار متشابهة وألفاظ مشكلة لم يستبعدوا أن يكون في الأخبار: البين والظاهر والمجمل والمشكل فإن الله أخبر أن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد منه آيات محكمات وأخر متشابهات أعرضوا عن ذكرها ولم يشتغلوا بها

والدليل عليه: أن أئمة السنة وأخبار الأمة بعد صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم ورضي عنهم لم يودع أحد منهم كتابه الأخبار المتشابهات فلم يورد مالك رضي الله عنه في الموطأ منها شيئا مما أورده الآجري وأمثاله وكذلك الشافعي و أبو حنيفة وسفيان والليث والثوري ولم يفتوا بنقل المشكلات

ونبغت ناشئة ضروا بنقل المشكلات وتدوين المتشابهات وتبويب أبواب ورسم تراجم على ترتيب فطرة المخلوقات ورسموا بابا في ضحك الباري وبابا في نزوله وانتقاله وعروجه ودخوله وخروجه وبابا في إثبات الأضراس وبابا في خلق الله آدم على صورة الرحمن وبابا في إثبات القدم والشعر والقطط وبابا في إثبات الأصوات والنغمات تعالى الله عن قول الزائغين

قال: وليس يعتمد جمع هذه الأبواب وتمهيد هذه الأنساب إلا مشبه على التحقيق أو متلاعب زنديق

قال المعظم لأبي المعالي الناقل لكلامه أبو عبد الله القرطبي وهو من أكابر علماء الأشعرية: في قول أبي المعالي هذا بعض التحامل

وقد أثبتنا في هذا الكتاب معنى شرح الأسماء الحسنى فإنه ذكر الصفات في آخره من هذه الأخبار ما صح سنده وثبت نقله ومورده وأضربنا على الكثير منها استغناء عنها لعدم صحتها فليوقف على ما ذكرنا منها لنقل الأئمة الثقات لها وحديث النزول ثابت في الأمهات أخرجه الثقات الأثبات

قلت: هذا الكلام فيه ما يجب رده أمور عظيمة:

أحدها: ما ذكره عمن سماهم أهل الحق فإنه دائما يقول: قال أهل الحق وإنما يعني أصحابه وهذه دعوى يمكن كل أحد أن يقول لأصحابه مثلها فإن أهل الحق الذين لا ريب فيهم هم المؤمنون الذين لا يجتمعون على ضلالة فأما أن يفرد الإنسان طائفة منتسبة إلى متبوع من الأمة ويسميها أهل الحق ويشعر بأن كل من خالفها في شيء فهو من أهل الباطل فهذا حال أهل الأهواء والبدع كالخوارج والمعتزلة والرافضة

وليس هذا من فعل أهل السنة والجماعة فإنهم لا يصفون طائفة بأنها صاحبة الحق مطلقا إلا المؤمنين الذين لا يجتمعون على ضلالة قال الله تعالى: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم }

وهذا نهاية الحق والكلام الذي لا ريب أنه حق قول الله وقول رسوله الذي هو حق وآت بالحق قال تعالى: { والله يقول الحق } وقال تعالى: { قوله الحق } وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من بينهما إلا حقا ]

فأهل الحق هم أهل الكتاب والسنة وأهل الكتاب والسنة على الإطلاق هم المؤمنون فليس الحق لازما لشخص بعينه دائرا معه حيثما دار لا يفارقه قط إلا الرسول صلى الله عليه و سلم إذ لا معصوم من الإقرار على الباطل غيره وهو حجة الله التي أقامها على عباده وأوجب اتباعه وطاعته في كل شيء على كل أحد

وليس الحق أيضا لازما لطائفة دون غيرها إلا للمؤمنين فإن الحق يلزمهم إذ لا يجتمعون على ضلالة وما سوى ذلك فقد يكون الحق فيه مع الشخص أو الطائفة في أمر دون أمر وقد يكون المختلفان كلاهما على باطل وقد يكون الحق مع كل منهما من وجه دون وجه فليس لأحد أن يسمى طائفة منسوبة إلى اتباع شخص كائنا من كان غير رسول الله صلى الله عليه و سلم بأنهم أهل الحق إذ ذلك يقتضي أن كل ما هم عليه فهو حق وكل من خالفهم في شيء من سائر المؤمنين فهو مبطل وذلك لا يكون إلا إذا كان متبوعهم كذلك وهذا معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام ولو جاز ذلك لكان إجماع هؤلاء حجة إذا ثبت أنهم هم أهل الحق

ثم هو يذكر أئمته الذين جعلهم أهل الحق ثم هو يخالفهم كما صنع في مسألة الصفات الخبرية وغيرها مع أنهم فيها أقرب إلى الحق منه فكيف يسوغ لهم أن يخالفوا من شهد لهم بأنهم أهل الحق فيما اختلف فيه الناس من أصول الدين وله في ذلك شبه قوي ببعض أئمة الرافضة الذين كانوا بالشام يقال له ابن العود رأيت له فتاوى يدعي فيها في غير موضع أن الطائفة المحقة هم أتباع المعصوم المنتظر ويحتج بإجماع الطائفة المحقة بناء على أن قولهم مأخوذ عن المعصوم الذي لا يعرفه أحمد ولم يسمع له بخبر ولا وقع له على عين ولا أثر حتى أنه قال: إذا تنازعوا في مسألة على قولين أحدهما يعرف قائله دون الآخر فالقول الذي لا يعرف قائله هو الحق لأن في أهله الإمام المعصوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت