فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والشيء لوجوده أربعة مراتب: وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان فالأعيان لها المرتبة الأولى ثم يعلم بالقلوب ثم يعبر عنه باللفظ ثم يكتب اللفظ وأما الكلام فله المرتبة الثالثة وهو الذي يكتب في المصحف
فأين قول القائل: إن الكلام في الكتاب من قوله إن المتكلم في الكتاب وبينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق ؟
ثم إن منكم من احتج بقوله تعالى: { إنه لقول رسول كريم } وجعل المراد بذلك العبارة وهذا مع أنه متناقض فهو أفسد من قول المعتزلة فإنه إن كان أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه أحدث حروفه فقد أضافه في موضع إلى رسول هو جبريل وفي موضع إلى رسول هو محمد قال في موضع: { إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين } وقال في موضع: { إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون }
ومعلوم أن عبارتها إن أحدثها جبريل لم يكن محمد أحدثها وإن أحدثها محمد لم يكن جبريل أحدثها فبطل قولكم وعلم أنه إنما أضافه إلى الرسول لكونه بلغه وأداه لا لأنه أحدثه وابتدأه ولهذا قال لقول رسول ولم يقل لقول ملك ولا نبي فذكر اسم الرسول المشعر بأنه مبلغ عن غيره كما قال تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }
وكان النبي صلى الله عليه و سلم يعرض نفسه على الناس بالموسم ويقول: [ ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن [ قريشا ] منعوني أن أبلغ كلام ربي ]
ومعلوم أن المعتزلة لا تقول إن شيئا من القرآن أحدثه لا جبريل ولا محمد ولكن يقولون إن تلاوتهما له كتلاوتنا له وإن قلتم أضافه إلى أحدهما لكونه تلاه بحركاته وأصواته فيجب حينئذ أن يقول إن القرآن قول من تكلم به مسلم وكافر وطاهر وجنب حتى إذا قرأه الكافر يكون القرآن قولا له على قولكم فقوله بعد هذا: { إنه لقول رسول كريم } كلام لا فائدة فيه إذ هو على أصلكم قول رسول كريم وقول فاجر لئيم
وكذلك احتج المعتزلة بقوله تعالى: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } وقالوا إن الله أحدثه في الهواء فاحتج من احتج منكم على أن القرآن المنزل محدث ولكن زاد على الفلاسفة بأن المحدث له إما جبريل وإما محمد
وإن قلتم: إنه محدث في الهواء صرتم كالمعتزلة ونقضتم استدلالكم بقوله: { إنه لقول رسول كريم } وقد استدل من استدل من أئمتكم على قولكم بهاتين الآيتين بقوله: { إنه لقول رسول كريم } وقوله: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } فإن أراد بذلك أن الله أحدثه بطل استدلاله بقوله: { لقول رسول كريم } فإن أراد بذلك أن الرسول أحدثه بطل بإضافته إلى الرسول الآخر وكنتم شرا من المعتزلة الذين قالوا: أحدثه الله وإن قلتم: أراد بذلك إن من تلاه فقد أحدثه فقد جعلتموه قولا لكل من تكلم به من الناس برهم وفاجرهم وكان ما يقرأه المسلمون ويسمعونه كلام الناس عندكم لا كلام الله
ثم إن الله تعالى قال: { وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق } فأخبر أن جبريل نزله من الله لا من هواء ولا من لوح وقال: { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } وقال: { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } وأنتم وافقتم المعتزلة بحيث يمتنع أن يكون عندكم منزلا من الله لأن ليس فوق العالم ولو كان فوق العالم لم يكن القرآن منزلا منه بل من الهواء
وأيضا فأنتم في مسائل الأسماء والأحكام قابلتم المعتزلة تقابل التضاد حتى رددتم بدعتهم ببدع تكاد أن تكون مثلها بل هي من وجه منها ومن وجه دونها فإن المعتزلة جعلوا الإيمان اسما متناولا لجميع الطاعات القول والعمل ومعلوم أن هذا قول السلف والأئمة
وقالوا: إن الفاسق الملي لا يسمى مؤمنا ولا كافرا وقالوا: إن الفساق مخلدون في النار لا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها وهم في هذا القول مخالفون للسلف والأئمة فخلافهم في الحكم للسلف وأنتم وافقتم الجهمية في الإرجاء والجبر فقلتم: الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم بلسانه وهذا عند السلف والأئمة شر من قول المعتزلة
ثم إنكم قلتم: إنا لا نعلم هل يدخل أحد منهم النار أو لا يدخلها أحد منهم فوقفتم وشككتم في نفوذ الوعيد في أهل القبلة جملة ومعلوم أن هذا من أعظم البدع عند السلف والأئمة فإنهم لا يتنازعون أنه لا بد أن يدخلها من يدخلها من أهل الكبائر فأولئك قالوا: لا بد أن يدخلها كل فاسق وأنتم قلتم: لا نعلم هل يدخلها فاسق أم لا فتقابلتم في هذه البدعة وقولكم أعظم بدعة من قولهم وأعظم مخالفة للسلف والأئمة
وعلى قولكم: لا نعلم شفاعة النبي صلى الله عليه و سلم في أهل النار لأنه لا يعلم هل يدخلها أم لا وقولكم إلى إفساد الشريعة أقرب من قول المعتزلة
وكذلك في مسائل القدر فإن المعتزلة أنكروا أن يكون الله خالق أفعال العباد أو مريدا لجميع الكائنات بل الإرادة عندهم بمعنى المحبة والرضا وهو لا يحب ويرضى إلا ما أمر به فلا يريد إلا ما أمر به وأنتم وافقتموهم على أصلهم الفاسد وقاسمتموهم بعد ذلك الضلال فصرتم وهم في هذه المسائل كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب وقلتم: إن الإرادة بمعنى المحبة والرضا كما قالت المعتزلة لكن قلتم وهو أراد كل ما يفعله العباد فيجب أن يكون محبا راضيا لكل ما يفعله العباد حتى الكفر والفسوق والعصيان
وتأولتم قوله: { ولا يرضى لعباده الكفر } على المؤمنين من عباده وعلى قولكم لا يرضى لعباده الإيمان يعني الكافرين منهم إذ عندكم كل من فعل فعلا فقد رضيه منه ومن لم يفعله لا يرضاه منه فقد رضي عندكم من إبليس وفرعون ونحوهما كفرهم ولم يرض منهم الإيمان
وكذلك قلتم في قوله: { لا يحب الفساد } أي لا يحبه للمؤمنين وأما من قال منكم لا يحبه دينا أو لا يرضاه دينا فهذا أقرب لكنه بمنزلة قولكم لا يريده دينا ولا يشاءه دينا فيجوز عندكم أن يقال يحب الفساد ويرضاه أي يحبه فسادا ويرضاه فسادا كما أراده فسادا
وأنكرتم على المعتزلة ما أنكره المسلمون عليهم وهو قولهم: إن الله لا يقدر أن يفعل بالكفار غير ما فعل بهم من اللطف
وأنكرتم على من قال منهم خلاف المعلوم غير مقدور ثم قلتم: إن العبد لا يقدر على غير ما علممنه وأنه لا استطاعة له إلا إذا كان فاعلا فقط فأما من لم يفعل فإنه لا استطاعة له أصلا فخالفتم قوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ونحو ذلك من النصوص ولزمكم أن كل من لم يؤمن بالله فإنه لم يكن قادرا على الإيمان وكل من ترك طاعة الله فإنه لم يكن مستطيعا لها فإن ضم ضام هذا إلى قوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } وقول النبي صلى الله عليه و سلم: [ إذا أمرتكم بأمر فأتوا عنه ما استطعتم ] تركب من هذين أن كل كافر وفاجر فإنه قد اتقى الله ما استطاع وأنه قد أتى فيما أمر به بما استطاع إذ لم بستطع غير ما فعل وأنتم لا تلتزمون ذلك فهو لازم قولكم إذا لم تجعلوا الاستطاعة نوعين
وقول القدرية الذين يجعلون استطاعة العبد صالحة للنوعين ولا يثبتون الاستطاعة التي هي مناط الأمر والنهي أقرب إلى الكتاب والسنة والشريعة من قولكم أنه لا استطاعة إلا للفاعل وإن لم يفعل فعلا فلا استطاعة له عليه وكل من تدبر القولين بغير هوى علم أن كلا منهما وإن كان فيه من خلاف السنة ما فيه فقولكم أكثر خلافا للسنة
وكذلك المعتزلة قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد بل العبد هو الذي يحدث أفعاله فضلوا بقولهم إن الله لم يخلق أفعال العباد وقلتم أنتم إن العبد لا يفعل أفعاله بل هي فعل الله تعالى ولكن هي كسب للعبد ولم تفرقوا بين الكسب والفعل بفرقة معقول وادعيتم العلم الضروري بأن كون العبد فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا أمر محدث ممكن فلا بد له من محدث واجب وهذا حق أصبتم فيه دون المعتزلة
لكن من المعتزلة من ادعى العلم الضروري بأن العبد يحدث أفعاله وهذا أيضا حق أصابوا فيه دونكم ولهذا كان أهل السنة والجماعة على أن العبد فاعل لأفعاله حقيقة والله خلق الفاعل فاعلا كما قال الله تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا } وليس كونه قادرا مريدا فاعلا بألزم له من كونه طويلا قصيرا والله خلقه على هذه الصفة فليس ما ذكره الله في كتابه من أن العباد يفعلون ويصنعون بمناف أن يكون الله خلقهم على هذه الصفة
وكون العبد فاعلا لما جعل الله فيه من القدرة هو كسائر ما خلقه الله بقوة فيه وقدرته سبب في حصول مقدوره كسائر الأسباب والأسباب لا ينكر وجودها ولا ينكر أن الله خلقها وخلق المسبب بها
فمن قال قدرة العبد مؤثرة في المقدور كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها لم ينكر قوله
ومن قال ليست مؤثرة أي ليست مستقلة وليست مبتدعة كما أن سائر الأسباب ليست كذلك لم ينكر قوله فإن السبب ليس علة مستقلة بمسببه بل لا بد من أسباب أخر ولا بد من صرف الموانع والله خالق مجموع الأسباب وصارف جميع الموانع وهذا هو الخلق المطلق الذي ليس إلا الله وحده وكل ما سواه مما يجعل سببا ومؤثرا فإنه جزء سبب فلا ينفي هذا الجزء ولا يعطي ما لا يستحقه من كونه مبدعا خالقا ومن كونه واحد لا شريك له فهو رب كل شيء ومليكه وأنتم قد خالفتم نصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة في مسائل الصفات والقرآن والرؤية ومسائل الأسماء والأحكام والقدر ما تأولتموه
فالمعتزلة ونحوهم إذا خالفوا من ذلك ما تأولوه لم يكن لكم عليهم حجة وإذا قدحتم في المعتزلة بما ابتدعوه من المقالات وخالفوه في السنن والآثار قدحوا فيكم بمثل ذلك وإذا نسبتموهم إلى القدح في السلف والأئمة نسبوكم إلى مثل ذلك فيما تذمونهم به من مخالفة الكتاب والسنة والإجماع يذمونكم بنظيره ولا محيص لكم عن ذلك إلا بترك ما ابتدعتموه وما وافقتموه عليه من البدعة وما ابتدعتموه أنتم وحينئذ فيكون الكتاب والسنة إجماع سلف الأمة وأئمتها سليما من التناقض والتعارض محفوظا قال الله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }