فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 52001 من 346740

الوجه الثالث والستون: وهو قولهم: كذلك نقول في الكلام إنه واحد لا يشبه كلام المخلوقات ولا هو بلغة من اللغات ولا يوصف بأنه عربي أو فارسي أو عبراني لكن العبارات عنه تكثر وتختلف فإذا قرئ كلام الله بلغة العرب سمي قرآنا وإذا قرئ بلغة العبرانية أو السريانية سمي توراة أو إنجيلا فإن هذا الكلام من أفسد ما يعلم فبديهة العقل فساده وهو كفر إذا فهمه الإنسان وأصر عليه فقد أصر على الكفر وذلك أن القرآن يقرأ بالعربية وقد يترجم بحسب الإمكان بالعبرانية أو الفارسية أو غيرهما من الألسن ومع هذا إذا ترجم بالعبرانية لم يكن هو التوراة ولا مثل التوراة ولا معانيه مثل معاني التوراة وكذلك التوراة تقرأ بالعربية وتترجم بالعربية والسريانية ومع هذا فليست مثل القرآن ولا معانيها مثل معاني القرآن وكذلك الإنجيل من المعلوم أنه يقرأ بعدة ألسن وهو في ذلك معانيه ليست معاني التوراة والقرآن فهل يقول من له عقل أو دين أن كلام الله مطلقا إذا قرئ بالعربية كان هو القرآن أو ليس يلزم صاحب هذا أن تكون التوراة والإنجيل إذا فسرا بالعربية كانا هذا القرآن الذي أنزل على محمد بل هذه الأحاديث الإلهية التي يرويها الرسول صلى الله عليه و سلم عن ربه تعالى مثل قوله: [ يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ] وقوله: [ يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني ] ونحو ذلك فهذا كلام عربي مأثور عن الله ومع هذا فليس قرآنا ولا مثل القرآن لا لفظا ولا معنى

فكيف يقال في التوراة والإنجيل إذا قرئا بالعربية كان قرآنا وكذلك القرآن إذا ترجم بالعبرية أو السريانية هل يقول من له عقل أو له دين أن ذلك هو التوراة والإنجيل المنزل على موسى وعيسى عليهما السلام وهل يقول عاقل أن كلام الله المنزل بالألسنة المختلفة معناه شيء واحد كالكلام الذي يترجم بألسنة متعددة العلم بفساد هذا من أوضح العلوم البديهية العقلية وقائل هذا لو تدبر ما قال لعلم أن المجانين لا يقولون هذا ومن المعلوم لكل أحد أن الكلام إذا ترجم كما ترجمت العرب كلام الأوائل من الفرس واليونان والهند وغيرهم فتلك المعاني هي المعاني وهي باقية لم تختلف بكونها عربية أو فارسية أو رومية أو هندية

وكذلك لما ترجموا ما ترجموه من كلام الأنبياء قبلنا وأممهم فتلك المعاني هي هي سواء كانت بالعربية أو الفارسية وقد أخبر الله في كتابه عما قالته الأمم قبلنا من الأنبياء وأممهم وهم إنما قالوه بألسنتهم وقصه الله علينا باللسان العربي وتلك المعاني هي هي لم يكن كونها حقا أو باطلا أو إيمانا أو كفرا أو رشدا أو غيا من جهة اختلاف الألسنة بل لأن تلك المعاني هي في نفسها حقائق متنوعة مختلفة أعظم من اختلاف الألسنة واللغات بكثير كثير وأين اختلاف المعاني من اختلاف الألفاظ وإنما ذلك بمنزلة: اختلاف صور بني آدم وألسنتهم بالنسبة إلى اختلاف قلوبهم وعلومهم وقصودهم ومن المعلوم أن اختلاف قلوبهم وعلمها وإرادتها أعظم بكثير من اختلاف صورهم وألوانهم ولغاتهم حتى قد ثبت في الحديث المتفق عليه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لأبي ذر عن رجلين يا أبا ذر [ هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ]

فجعل أحدهما خيرا من ملء الأرض من جنس الآخر وذلك لاختلاف قلوبهم فاختلاف الصور لا يبلغ قريبا من ذلك وهكذا كلام الله الذي أنزله على موسى وهو التوراة والذي أنزله على محمد صلى الله عليه و سلم وهو القرآن لم تكن مغايرة بعضه بعضا بمجرد اختلاف الألسنة بحيث إذا ترجم كل واحد بلغة الآخر صار مثله أو صار هو إياه كما قاله هؤلاء الملحدون في أسماء الله وآياته مع الترجمة يكون لكل منهما معاني ليست هي معاني الآخر ولا مثلها بل التفاوت الذي بين معاني هذه الكتب أعظم من التفاوت الذي بين ألفاظها واللسان العبري قريب من اللسان العربي ومع هذا فمعاني القرآن فوق معاني التوراة بأمر عظيم ثم المسيح إنما كان لسانه عبريا وإنما بعده ترجم الإنجيل بالسريانية أفنرى الإنجيل الذي أنزله الله عليه بالعبرية هو التوراة الذي أنزلت على موسى بل يجب أن يعلم أصلا عظيما

أحدهما: أن القرآن له بهذا اللفظ والنظم العربي اختصاص لا يمكن أن يماثله في ذلك شيء أصلا أعني خاصة في اللفظ وخاصة فيما دل عليه من المعنى ولهذا لو فسر القرآن ولو ترجم فالتفسير والترجمة قد يأتي بأصل المعنى أو يقر به وأما الإتيان بلفظ يبين المعنى كبيان لفظ القرآن فهذا غير ممكن أصلا ولهذا كان أئمة الدين على أنه لا يجوز أن يقرأ بغير العربية لا مع القدرة عليها ولا مع العجز عنها لأن ذلك يخرجه عن أن يكون هو القرآن المنزل ولكن يجوز ترجمته كما يجوز تفسيره وإن لم تجز قراءته بألفاظ التفسير وهي إليه أقرب من ألفاظ الترجمة بلغة أخرى

الأصل الثاني: إنه إذا ترجم أو قرئ بالترجمة فله معنى يختص به لا يماثله فيه كلام أصلا ومعناه أشد مباينة لسائر معاني الكلام من مباينة لفظه ونظمه لسائر اللفظ والنظم والإعجاز في معناه أعظم بكثير من الإعجاز في لفظه وقوله تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } يتناول ذلك كله فكيف يقال الكلام المقروء بالعربية والسريانية من التوراة والإنجيل والمترجم بالفارسية والتركية من ذلك هو الكلام المقروء بالعربية الذي هو القرآن مع أنه بالبديهة نعلم أنه ليس مثله لا في لفظ ولا في معنى فضلا عن أن يكون هو إياه وهل يقول من له عقل أو دين يفهم ما يقول أن هذه الكتب والكلام المنزل هي في الدلالة على معناها كدلالة أسماء الله عليه أم يعلم كل أحد أسماء الله مع تنوع ما دلت عليه من الصفات والمسمى واحد وأما الكلام فيكون معنى هذا الكلام ليس هو معنى الآخر

وينبغي أن يعلم أنه ليس مقصودنا عموم النفي بل مقصودنا نفي العموم فإنا لا ننكر أن الكلامين قد يتفقان في المعنى وقد ينزل الله سبحانه على نبي بلغة المعنى الذي أنزله على الآخر فيكون المعنى واحدا واللفظ مختلفا وهذا كثير جدا فإنا نحن لم ننكر أن معاني الألفاظ تتفق لكن المنكر أن يقال جميع معاني ألفاظ الكتب متفقة وهي معنى واحد وأن معنى ما أنزل على هذا النبي هو بعينه ذلك المعنى وأن جميع ألفاظ القرآن معناها واحد ومعنى سورة الدين هو معنى آية الكرسي وأن معنى قل هو الله أحد معنى تبت يدا أبي لهب ومعنى المعوذتين وهذا لو عرض على من له أدنى تمييز من الصبيان لعلم ببديهة عقله أنه من أعظم الباطل فتدبر كيف ضلوا في زعمهم أن معنى واحد لاتحاد المسمى ثم ضلوا أعظم ضلال في أن كلام الله أنزله معناه معنى واحد وإنما تختلف أسماؤه لاختلاف الألسنة وشبهوه بالأسماء فلو كان الكلام معنى واحدا وله صفات متعددة لكانوا قد ضلوا من وجه ولكن معنى قل هو الله أحد ليس هو معنى تبت يدا أبي لهب بوجه من الوجوه فلا يصح أن يقال ذلك مثل الرحمن الرحيم السميع العليم إذ المدلول هنا واحد في نفسه وله صفات والمدلول هنا في إحدى السورتين ليس هو المدلول في السورة الأخرى بوجه من الوجوه

وأما تشبيههم ذلك بكون الله معبودا بعبادات متنوعة فهو أوضح من أن يحتاج إلى الفرق فلهذا لم نحتج إلى الكلام عليه إذ تشبيه ذلك بأسماء الله تعالى أقوى اشتباها وقد ظهر ما فيه فكيف بتشبيه كتب الله المنزلة بالنسبة إلى ما ادعوه من المعنى الواحد بعبادة العابدين بالنسبة إلى الله تعالى

وبهذا يتبين لك أن من قال منهم إن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة مقروء بالألسنة حقيقة مكتوب في المصاحف حقيقة كما أن الله معلوم بالقلوب مذكور بالألسنة مكتوب في المصاحف حقيقة فهو يقصد هذا التلبيس من جعل الكتب المنزلة وسائر كلام الله بالنسبة إلى ما ادعوه من ذلك المعنى النفساني كسائر أسماء الله بالنسبة إلى نفسه وقد تبين لك أن هذا من أفسد القياس فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من عباده وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا وبهذا وأمثاله تعلم أن القائلين بخلق القرآن وإن كانوا أخبث قولا من جهات مثل نفيهم أن يقوم بالله كلام فهؤلاء أخبث منهم من جهات أخر مثل منعهم أن يكون كلام الله ما هو كلامه وجعلهم كلام الله شيئا لا حقيقة له وغير ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت