فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 50869 من 346740

فصل

وأما قول السائل: هل يؤذيه البكاء عليه ؟

فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف والخلف والعلماء والصواب أنه يتأذى بالبكاء عليه كما نطقت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وفي لفظ من ينح عليه يعذب بما نيح عليه ] وفي الحديث الصحيح أن عبد الله بن رواحة لما أغمي عليه جعلت أخته تندب وتقول: وأعضداه وأناصراه فلما افاق قال: ما قلت لي شيئا إلا قيل لي: أكذلك أنت ؟

وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الانسان بذنب غيره فهو مخالف لقوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة

فمنهم من غلط الرواه لها كعمر بن الخطاب وغيره وهذه طريقة عائشة والشافعي وغيرهما

ومنهم من حمل ذلك على ما إذ أوصى به فيعذب على إيصائه وهو قول طائفة: كالمزني وغيره

ومنهم منن حمل ذلك على ما اذا كانت عادتهم فيعذب على ترك النهي عن المنكر وهو اختيار طائفة منهم جدي أبو البركات وكل هذه الأقوال ضعيفة جدا

والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي موسى الاشعري وغيرهم لا ترد بمثل هذا وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لها مثل هذا نظائر ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه ولا يكون الأمر كذلك ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئا

وعائشة رضي الله عنه روت عن النبي صلى الله عليه و سلم لفظين وهي الصادقة فيما نقلته فروت عن النبي صلى الله عليه و سلم قوله: [ إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ] وهذا موافق لحديث عمر فإنه إذا جاز أن يزيده عذابا ببكاء أهله جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله ولهذا رد الشافعي في مختلف الحديث هذا الحديث نظرا إلى المعنى قال الأشبة روايتها الأخرى [ إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب في قبره ]

والذين أقروا هذا الحديث على مقتضاه ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة الانسان بذنب غيره وإن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد واعتقد هؤلاء أن الله يعاقب الانسان بذنب غيره فجوزوا أن يدخلوا أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم وهذا وإن كان قد قاله طوائف منتسبة إلى السنة فالذي دل عليه الكتاب والسنة أن الله لا يدخل النار إلا من عصاه كما قال: { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } فلا بد أن يملأ جهنم من أتباع إبليس فإذا امتلأت لم يكن لغيرهم فيها موضع فمن لم يتبع إبليس لم يدخل النار

وأطفال الكفار أصح الأقوال فيهم: أن يقال فيهم: الله أعلم بما كانوا عاملين كما قد أجاب بذلك النبي صلى الله عليه و سلم فطائفة من أهل السنة وغيرهم قالوا: إنهم كلهم في النار واختار ذلك القاضي أبو يعلى وغيره وذكر أنه منصوص عن أحمد وهو غلط على أحمد وطائفة جزموا أنهم كلهم في الجنة واختار ذلك أبو الفرج بن الجوزي وغيره واحتجوا بحديث فيه رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم [ لما رأى إبراهيم الخليل وعنده أطفال المؤمنين قيل: يا رسول الله وأطفال المشركين ؟ قال وأطفال المشركين ]

والصواب أن يقول فيهم: الله أعلم بما كانوا عاملين ولا يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار وقد جاء في عدة أحاديث أنهم يوم القيامة في عرصات القيامة يؤمرون وينهون فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار وهذا هو الذى ذكره أبو الحسن الإشعري عن أهل السنة والجماعة

والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ فيقال لأحدهم: من ربك ؟ وما دين: ؟ ومن نبيك ؟ وقال تعالى: { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ يتجلى الله لعباده في الموقف إذا قيل: ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون فيتبع المشركون آلهتهم وتبقى المؤمنون فيتجلى لهم الرب الحق في غير الصورة التي كانوا يعرفون فينكرونه ثم يتجلى لهم في الصورة التي يعرفون فيسجد له المؤمنون وتبقى ظهر المنافقين كقرون البقر فيريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون وذلك قوله: { يوم يكشف عن ساق } الآية ] والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضوع

والمقصود ههنا أن الله لا يعذب أحدا في الآخرة بذنبه وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى ن وقوله [ إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ] ليس فيه أن النائحة لا تعاقب بل النائحة تعاقب على النياحة كما في الحديث الصحيح: [ أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران ] فلا يحمل عمل بنوح وزره أحد

وأما تعذيب الميت: فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه بل قال يعذب والعذاب أعم من العقاب فإن العب هو الألم وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابا له على ذلك السبب فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ] فسمى السفر عذابا وليس هو عقابا على ذنب

والانسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة والصور القبيحة فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا ولم يكن ذلك عملا له عوقب عليه فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملا له يعاقب عليه ؟

والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس ويتألم برؤية بعضهم وبسماع كلامه ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى: بأن الموتى إنما عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها كما جاءت بذلك الآثار فتعذيبهم بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم ثم النياحة سبب العذاب

وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما يدفع عنه من العذاب كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الاصوات الهائلة والارواح والصور القبيحة

وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك إما بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه ( لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )

وما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التي هي عذاب فإن ذلك يكفر الله به خطاياه كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولاهم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه ]

وفي المسند لما نزلت هذه الآية { من يعمل سوءا يجز به } قال أبو بكر يارسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا ؟ فقال [ يا أبابكر ألست تحزن ؟ ألست يصيبك الأذى ؟ فإن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب كما قال تعالى { طبتم فادخلوها خالدين } ] وفي الحديث الصحيح [ أنهم إذا عبروا على الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ] والكلام في هذه المسألة مبسوط في غر هذا الجواب والله أعلم بالصواب

وما ذكرنا في أن الموتى يسمعون الخطاب ويصل إليهم الثواب ويعذبون بالنياحة بل وما لم يسأل عنه السائل من عقابهم في قبورهم وغير ذلك فقد يكشف لكثير من أبناء زماننا يقظة ومناما ويعملون ذلك ويتحققونه وعندنا في ذلك أمور كثير لكن الجواب في المسائل العلمية يعتمد فيه على ما جاء به الكتاب والسنة فإنه يجب على الخلق التصديق به وما كشف للإنسان من ذلك أو أخبره به من هو صادق عنده فهذا ينتفع به من علمه ويكون ذلك مما يزيده إيمانا وتصديقا بما جاءت به النصوص ولكن لا يجب على جميع الخلق الايمان بغير ما جاءت به الأنبياء فإن الله عز و جل أوجب التصديق بما جاءت به الأنبياء كما في قوله تعالى: { قولوا آمنا بالله } الآية وقال تعالى: { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } الآية وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ وقد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر ]

فالمحدث الملهم المكاشف من هذه الأمة يجب عليه أن يزن ذلك بالكتاب والسنة فإن وافق ذلك صدق ما ورد عليه وإن خالف لم يلتفت إليه كما كان يجب على عمر رضي الله عنه وهو سيد المحدثين إذا ألقي في قلبه شيء وكان مخالفا للسنة لم يقبل منه فإنه ليس معصوما وإنما العصمة للنبوة

ولهذا كان الصديق أفضل من عمر فإن الصديق لا يتلقى من قلبه بل منن مشكاة النبوة وهى معصومة والمحدث يتلقى تارة عن قلبه وتارة عن النبوة فما تلقاه عن النبوة فهو معصوم يجب إتباعه وما ألهم في قلبيه: فإن وافق ما جاءت به النبوة فهو حق وإن خالف ذلك فهو باطل

فلهذا لا يعتمد أهل العلم والإيمان في مثل مسائل العلم والدين إلا على نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإن كان عندهم في بعض ذلك شواهد وبينات مما شاهدوه ووجدوه ومما عقلوه وعملوه وذلك ينتفعون به هم في أنفسهم وأما حجة الله تعالى على عباده فهم رسله وإلا فهذه المسائل فيها من الدلائل والاعتبارات العقلية والشواهد الحسية الكشفية ما ينتفع به من وجد ذلك وقياس بيني آدم وكشفهم تابع لما جاءت به الرسل عن الله تعالى فالحق في ذلك موافق لما جاءت به الرسل عن الله تعالى لا مخالف له ومع كونه حقا فلا يفصل الخلاف بين الناس ولا يجب على من لم يحصل له ذلك التصديق به كما يجب التصديق بما عرف أنه معصوم وهو كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم

ولكن من حصل له في مثل هذه الأمور بصيرة أو قياس أو برهان كان ذلك نورا على نور قال بعض السلف: بصيرة المؤمن تنطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر فإذا جاء الاثر كان نورا على نور { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } قال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت