فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 50853 من 346740

382 -/ 22 سئل: عن قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } وقوله صلى الله عليه و سلم: [ إذا مات ابت آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ] فهل يقتضي ذلك إذا مات لا يصل إليه شيء من أفعال البر ؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين ليس قي الآية ولا في الحديث أن الميت لا ينتفع بدعاء الخلق له وبما يعمل عنه من البر بل أئمة الإسلام متفقون على إنتفاع الميت بذلك وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام وقد دل عليه الكتاب والسنة والاجماع فمن خالف ذلك كان من أهل البدع

قال تعالى: { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم * وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته } فقد أخبر سبحانه أن الملائكة يدعون للمؤمنين بالمغفرة ووقاية العذاب ودخول الجنة ودعاء الملائكة ليس عملا للعبد

وقال تعالى: { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } وقال الخليل عليه السلام: { ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } وقال نوح عليه السلام: { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات } فقد ذكر استغفار الرسل للمؤمنين أمرا بذلك وإخبارا عنهم بذلك

ومن السنن المتواترة التي من جحدها كفر: صلاة المسلمين على الميت ودعاؤهم له في الصلاة وكذلك شفاعة النبي صلى الله عليه و سلم يوم القيامة فإن السنن فيها متواترة بل لم ينكر شفاعته لأهل الكبائر ألا أهل البدع بل قد ثبت أنه يشفع لأهل الكبائر وشفاعته دعاؤه وسؤاله الله تبارك وتعالى فهذا وأمثاله من القرآن والسنن المتواترة وجاحد مثل ذلك كافر بعد الحجة عليه

والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثير مثل ما في الصحاح عن ابن عباس رضي الله عنهما - [ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم: إن أمي توفيت أفينفعها أن أتصدق عنها ؟ قال: نعم ! قال: إن لي مخرفا أي بستانا أشهدكم أني تصدقت به عنها ] وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: [ أن رجلا قال للنبي: إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال: نعم ] وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: [ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم: إن أبي مات ولم يوص أينفعه إن تصدقت عنه ؟ قال: نعم ]

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: [ إن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يذبح مائة بدنة وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين وان عمرا سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال: أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه نفعه ذلك ]

وفي سنن الدارقطني: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله ! إن لي أبوان وكنت أبرهما حال حياتهما فكيف بالبر بعد موتهما ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم: [ أن من بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك وأن تصدق لهما مع صدقتك ]

وقد ذكر مسلم في أول كتابه عن أبي إسحق الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن ! الحديث الذي جاء [ إن البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك ] ؟ قال عبد الله: يا أبا إسحاق ! عمن هذا ؟ قلت له: هذا من حديث شهاب بن حراس قال: ثقة قلت: عمن ؟ قال عن الحجاج بن دينار فقال: ثقة عمن ؟ قالت: عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: يا أبا إسحق ! إن بين الحجاج وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم مفاوز تقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف والأمر كما ذكره عبد الله بن المبارك فإن هذا الحديث مرسل والأئمة اتفقوا على أن الصدقة تصل إلى الميت وكذلك العبادات المالية كالعتق

وإنما تنازعوا في العبادات البدنية: كالصلاة والصيام والقراءة ومع هذا ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ من مات وعليه صيام صام عنه وليه ] وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه - [ أن امرأة قالت يا رسول الله ! إن أمي ماتت وعليها صيام نذر قال: أرأيت إن كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها ؟ قالت: نعم قال: فصومي عن أمك ]

وفي الصحيح عنه [ أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتاعين قال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضيه ؟ قالت: نعم قال فحق الله أحق ] وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن بريدة بن حصيب عن أبيه: [ أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفيجزي عنها أن أصوم عنها قال: نعم ]

فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أنه يصام عن الميت ما نذر وأنه شبه ذلك بقضاء الدين

والأئمة تنازعوا في ذلك ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة من بلغته وإنما خالفها من لم تبلغه وقد حديث عمرو بأنهم إذا صاموا عن المسلم نفعه وأما الحج فيجزي عند عامتهم ليس فيه إلا اختلاف شاذ

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما [ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ فقال: حجي عنهما أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها ؟ أقضوا الله فالله أحق بالوفاء ] وفي رواية البخاري: [ إن أختي نذرت أن تحج ] وفي صحيح مسلم عن بريدة [ أن امرأة قالت: يا رسول الله ! إن أمي ماتت ولم تحج أفيجزي أو يقضي أن أحج عنها قال: نعم ] ففي هذه الأحاديث الصحيحة: [ أنه أمر بحج الفرض عن الميت وبحج النذر ] كما أمر بالصيام وان المأمور ولدا وتارة يكون أخا وشبه النبي صلى الله عليه و سلم ذلك بالدين يكون على الميت والدين يصح قضاؤه من كل أحد فدل على أنه يجوز أن يفعل ذلك من كل أحد لا يختص ذلك بالولد كما جاء مصرحا به في الأخ

فهذا الذي ثت بالكتاب والسنة والإجماع علم مفصل مبين فعلم أن ذلك لا ينافي قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ] بل هذا حق وهذا حق

أما الحديث فإنه قال: [ انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ] فذكر الولد ودعاؤه له خاصين لأن الولد من كسبه كما قال: { ما أغنى عنه ماله وما كسب } قالوا: إنه ولده وكما قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ] فلما كان هو الساعي في وجود الولد كان عمله من كسبه بخلاف الأخ والعم الأب ونحوهم فإنه ينتفع أيضا بدعائهم بل بدعاء الأجانب لكن ليس ذلك من عمله والنبي صلى الله عليه و سلم قال: [ انقطع عمله إلا من ثلاث ] لم يقل: إنه لم ينتفع بعمل غيره فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع وإذا دعا له غيره لم يكن من عمله لكنه ينتفع به

وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعددة كما قيل: إنها تختص بشرع من قبلنا وقيل: إنها مخصوصة وقيل: إنها منسوخة وقيل: إنها تنال السعي مباشرة وسببا والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه ولا يحتاج إلى شيء من ذلك بل ظاهر الآية حق لا يخالف بقية النصوص فإنه قال: { ليس للإنسان إلا ما سعى } وهذا حق فإنه إنما يستحق سعيه فهو الذي يملكه ويستحقه كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو وأما سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير لا له لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره فمن صلى على جنازة فله قيراط فيثاب المصلي على سعيه الذي هو صلاته والميت يرحم بصلاة الحي عليه كما قال: [ ما من مسلم يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة ويروى أربعين ويروى ثلاث صفوف ويشفعون فيه إلا شفعوا فيه أو قال إلا غفر له ] فالله تعالى يثيب هذا الساعي على سعيه الذي هو له ويرحم ذلك الميت بسعي هذا الحي لدعائه له وصدقته عنه وصيامه عنه وحجه عنه

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ ما من رجل يدعو لأخيه دعوة إلا وكل الله به مالكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله ] فهذا من السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه يثيب الله هذا ويرحم هذا

{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } وليس كل ما ينتفع به الميت أو الحي أو يرحم به يكون من سعيه بل أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي فالذي لم يجز إلا به أخص من كل انتفاع لئلا يطلب الإنسان الثواب على غير عمله وهو كالدين يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته لكن له ما وفى به الدين وينبغي له أن يكون هو الموفي له والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت