25 -/ 9 - مسألة: في هؤلاء الذين يعبرون إلى الحمام فإذا أرادوا أن يغتسلوا من الجنابة وقف واحد منهم على الطهور وحده ولا يغتسل أحد معه حتى يفرغ واحدا بعد واحد فهل إذا اغتسل معه غيره لا يطهر ؟
وإن تطهر من بقية أحواض الحمام فهل يجوز وإن كان الماء بائتا فيها ؟
وهل الماء الذي يتقاطر من على بدن الجنب من الجماع طاهر أم نجس ؟
وهل ماء الحمام عند كونه مسخنا بالنجاسة نجس أم لا ؟
وهل الزنبور الذي يكون في الحمام أيام الشتاء هو من دخان النجاسة يتنجس به الرجل إذا اغتسل وجسده مبلول أم لا ؟
والماء الذي يجري في أرض الحمام من اغتسال الناس طاهر أم نجس ؟ أفتونا ليزول الوسواس
الجواب: الحمد لله قد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد يغترفان جميعا
وفي رواية: [ أنها كانت تقول: دع لي ويقول هو: دعي لي من قلة الماء ]
وثبت أيضا في الصحيح: [ أنه كان يغتسل هو وغير عائشة من أمهات المؤمنين من إناء واحد مثل: ميمونة بنت الحارث وأم سلمة ]
وثبت عن عائشة أنها قالت: [ كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد قدر الفرق ]
والفرق بالرطل العراقي القديم ستة عشر رطلا وبالرطل المصري أقل من خمسة عشر رطلا
وثبت في الصحيح: [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ]
وثبت في الصحيح عن ابن عمر أنه قال: كان الرجال والنساء على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم يتوضأون من ماء واحد
وهذه السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه الذين كانوا بمدينته على عهده دلت على أمور:
أحدها: هو اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم: أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضأوا واغتسلوا من ماء واحد جاز كما ثبت ذلك بالسنن الصحيحة المستفيضة وإنما تنازغ العلماء فيما إذا انفردت المرأة بالاغتسال أو خلت به هل ينهى الرجل عن التطهر بسؤرها ؟
على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: لا بأس بذلك مطلقا والثاني: يكره مطلقا والثالث: ينهى عنه إذا خلت به دون ما انفردت به ولم تخل به وقد روي في ذلك أحاديث في السنن وليس هذا موضع هذه المسألة
فأما اغتسال الرجال والنساء جميعا من إناء واحد فلم يتنازع العلماء في جوازه وإذا جاز اغتسال الرجال والنساء جميعا فاغتسال الرجال دون النساء جميعا أو النساء دون الرجال جميعا أولى بالجواز وهذا مما لا نزاع فيه فمن كره أن يغتسل معه غيره أو رأى أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده فقد خرج عن إجماع المسلمين وفارق جماعة المؤمنين
يوضح ذلك أن الآنية التي كان النبي صلى الله عليه و سلم وأزواجه والرجال والنساء يغتسلون منها كانت آنية صغيرة ولم يكن لها مادة لا أنبوب ولا غيره ولم يكن يفيض فإذا كان تطهر الرجال والنساء جميعا من تلك الآنية جائزا فكيف بهذه الحياض التي في الحمامات وغير الحمامات التي يكون الحوض أكبر من قلتين فإن القلتين أكثر ما قيل فيهما على الصحيح أنهما خمسمائة رطل بالعراقي القديم فيكون هذا بالرطل المصري أكثر من ذلك بعشرات من الأرطال فإن الرطل العراقي القديم: مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وهذا الرطل المصري: مائة وأربعة وأربعون درهما يزيد على ذلك بخمسة عشر درهما وثلاثة أسباع درهم وذلك أكثر من أوقية وربع مصرية
فالخمسمائة رطل بالعراقي: أربعة وستون ألف درهم ومائتا درهم وخمسة وثمانون درهما وخمسة أسباع درهم وذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم مائة وسبعة أرطال وسبع رطل وهذا الرطل المصري أربعمائة رطل وستة وأربعون رطلا وكسر أوقية
ومساحة القلتين ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا ومعلوم أن غالب هذه الحياض التي في الحمامات المصرية وغير الحمامات أكثر من هذا المقدار بكثير فإن القلة نحو من هذه القرب الكائنة التي تستعمل بالشام ومصر فالقلتان قربتان بهذه القرب
وهذا كله تقريب بلا ريب فإن تحديد القلتين إنما هو بالتقريب على أصوب القولين ومعلوم أن هذه الحياض فيها أضعاف ذلك
فإذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يتطهر هو وأزواجه من تلك الآنية فكيف بالتطهر من هذه الحياض ؟
الأمر الثاني: أنه يجوز التطهر من هذه الحياض سواء كانت فائضة أو لم تمكن وسواء كانت الأنبوب تصب فيها أو لم تكن وسواء كان الماء بائتا فيها أو لم يكن فإنها طاهرة والأصل بقاء طهارتها وهي بكل حال أكثر ماء من تلك الآنية الصغار التي كان النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه يتطهرون منها ولم تكن فائضة ولا كان بها مادة من أنبوب ولا غيره
ومن انتظر الحوض حتى يفيض ولم يغتسل إلا وحده واعتقد ذلك دينا فهو مبتدع مخالف للشريعه مستحق للتعزير الذي يردعه وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ويعبدون الله باعتقادات فاسدة وأعمال غير واجبة ولا مستحبه
الأمر الثالث: الإقتصاد في صب الماء فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم [ أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ]
والصاع أكثر ما قيل فيه: إنه ثمانية أرطال بالعراقي كما قال أبو حنيفة وأما أهل الحجاز وفقهاء الحديث كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم فعندهم: أنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي
وحكاية أبي يوسف مع مالك في ذلك مشهورة لما سأله عن مقدار الصاع والمد فأمر أهل المدينة أن يأتوه بصيعانهم حتى اجتمع عنده منها شيء كثير فلما حضر أبو يوسف قال مالك لواحد منهم: من أين لك هذا الصاع ؟
قال: حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي به صدقة الفطر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
وقال الآخر: حدثتني أمي عن أمها أنها كانت تؤدي به - يعني صدقة حديقتها - إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
وقال الآخر نحو ذلك
وقال الآخر نحو ذلك
فقال مالك لأبي يوسف: أترى هؤلاء يكذبون ؟
قال: لا والله ما يكذب هؤلاء
قال مالك: فأنا حررت هذا برطلكم يا أهل العراق فوجدته خمسة أرطال وثلثا
فقال أبو يوسف لمالك: قد رجعت إلى قولك يا أبا عبدالله ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت
فهذا النقل المتواتر عن أهل المدينة بمقدار الصاع والمد
وقد ذهب طائفة من العلماء: كابن قتيبة والقاضي أبي يعلى في تعليقه وجدي أبي البركات إلى: أن صاع الطعام خمسة أرطال وثلث وصاع الماء ثمانية واحتجوا بحجج منها: خبر عائشة أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه و سلم بالفرق والفرق ستة عشر رطلا بالعراقي
والجمهور على أن الصاع والمد في الطعام والماء واحد وهو أظهر وهذا مبسوط في موضعه
والمقصود هنا: أن مقدار طهور النبي صلى الله عليه و سلم في الغسل ما بين ثمانية أرطال عراقية إلى خمسة وثلث والوضوء ربع ذلك وهذا بالرطل المصري أقل من ذلك
وإذا كان كذلك فالذي يكثر صب الماء حتى يغتسل بقنطار ماء أو أقل أو أكثر: مبتدع مخالف للسنة ومن تدين عوقب عقوبة تزجره وأمثاله عن ذلك كسائر المتدينين بالبدع المخالفة للسنة وهذا كله بين في هذه الأحاديث
فإن قيل: إنما يفعل نحو هذا لأن الماء قد يكون نجسا أو مستعملا بأن تكون الآنية مثل: الطاسة اللاصقة بالأرض قد تنجست بما على الأرض من النجاسة ثم غرف بها منه أو بأن الجنب غمس يده فيه فصار الماء مستعملا أوقطر عليه من عرق سقف الحمام النجس أو المحتمل النجاسة أو غمس بعض الداخلين أعضاءه فيه وهي نجسة فنجسته فلاحتمال كونه نجسا أو مستعملا احتطنا لديننا وعدلنا إلى الماء الطهور بيقين لقول النبي صلى الله عليه و سلم:
[ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ]
ولقوله: [ من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ]
قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: إن الإحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحبا ولا مشروعا بل ولا يستحب السؤال عن ذلك بل المشروع أن يبنى الأمر على الإستصحاب فإن قام دليل على النجاسة نجساه وإلا فلا يستحب أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة وأما إذا قامت أمارة ظاهرة فذاك مقام آخر
والدليل القاطع: أنه ما زال النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة والتابعون يتوضأون ويغتسلون ويشربون من المياه التي في الآنية والدلاء الصغار والحياض وغيرها مع وجود هذا الإحتمال بل كل احتمال لا يسند إلى أمارة شرعية لم يلتفت إليه
وذلك أن المحرمات نوعان:
محرم لوصفه ومحرم لكسبه فالمحرم لكسبه: كالظلم والربا والميسر والمحرم لوصفه: كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به
والأول أشد تحريما والتورع فيه مشهور ولهذا كان السلف يحترزون في الأطعمة والثياب من الشبهات الناشئة
وأما الثاني: فإما حرم لما فيه من وصف الخبث وقد أباح الله لنا طعام أهل الكتاب مع إمكان أن لا يذكوه التذكية الشرعية أو يسموا عليه غير الله وإذا علمنا أنهم سموا عليه غير الله حرم ذلك في أصح قولي العلماء
وقد ثبت في الصحيحين: من حديث عائشة: [ أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن قوم يأتون باللحم ولا يدري أسموا عليه أم لا ؟ فقال: سموا أنتم وكلوا ]
وأما الماء فهو في نفسه طهور ولكن إذا خالطته النجاسة وظهرت فيه صار استعماله استعمالا لذلك الخبيث فإنما نهي عن استعماله لما خالطه من الخبيث لا لأنه في نفسه خبيث فإذا لم يكن هنا أمارة ظاهرة على مخالطة على مخالطة الخبيث له كان هذا التقدير والاحتيال مع طيب الماء وعدم التغير فيه من باب الحرج الذي نفاه الله عن شريعتنا ومن باب الآصار والأغلال المرفوعة عنا
وقد ثبت: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توضأ من جرة نصرانية مع قيام هذا الإحتمال
ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصاحب له بميزاب فقال صاحبه: يا صاحب الميزاب ملؤك طاهر أم نجس ؟ فقال عمر: يا صاحب الميزاب لا تخبره فإن هذا ليس عليه
وقد نص على هذه المسألة الأئمة: كأحمد وغيره نصوا على: أنه إذا سقط عليه ماء من ميزاب ونحوه ولا أمارة تدل على النجاسة لم يلزم السؤال عنه بل يكره وإن سأل فهل يلزم رد الجواب على وجهين وقد استحب بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره السؤال وهو ضعيف
والوجه الثاني: أن يقول: هذه الاحتمالات هنا منتفية أو في غاية البعد فلا يلتفت إليها والالتفات إليها حرج ليس من الدين ووسوسة يأتي بها الشيطان وذلك أن الطاسات وغيرها من الآنية التي يدخل بها الناس والحمامات طاهرة في الأصل واحتمال نجاستها أضعف من احتمال نجاسة الأوعية التي في حوانيت الباعة فإذا كانت آنية الأدهان والألبان والخلول والعجين وغير ذلك من المائعات والجامدات والرطبة محكوما بطهارتها غير ملتفت فيها إلى هذا الوسواس فكيف بطاسات الناس ؟
وأما قول القائل: إنها تقع على الأرض: فنعم وما عند الحياض من الأرض طاهر لا شبهة فيه فإن الأصل فيه الطهارة وما يقع عليه من المياه والسدر والخطمى والأشنان والصابون وغير ذلك طاهر
وأبدان الجنب من الرجال والنساء طاهرة
وقد ثبت في الصحيح: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه [ أن النبي صلى الله عليه و سلم لقيه في بعض طرق المدينة قال: فانتجشت منه فاغتسلت ثم أتيته فقال: أين كنت فقلت: إني كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا جنب فقال سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ]
وهذا متفق عليه بين الأئمة أن بدن الجنب طاهر وعرقه طاهر والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر ولو سقط الجنب في دهن أو مائع لم ينجسه بلا نزاع بين الأئمة بل وكذلك الحائض عرقها طاهر وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر
وقد ثبت في الصحيح: [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أذن للحائض أن تصلي في ثوبها الذي تحيض فيه وأنها إذا رأت فيه دما أزالته وصلت فيه ]
فإذا كان كذلك فمن أين ينجس ذلك البلاط ؟ أكثر ما يقال أنه قد يبول عليه بعض المغتسلين أو يبقى عليه أو يكون على بدن بعض المغتسلين نجاسة يطأ بها الأرض ونحو ذلك
وجواب هذا من وجوه:
أحدها: أن هذا قليل نادر وليس هذا المتقن من كل بقعة
الثاني: أن غالب من تقع منه نجاسة يصب عليها الماء الذي يزيلها
الثالث: أنه إذا أصاب ذلك البلاط شيء من هذا فإن الماء الذي يفيض من الحوض والذي يصبه الناس يطهر تلك البقعة وإن لم يقصد تطهيرها فإن القصد من إزالة النجاسة ليس بشرط عند أحد من الأئمة الأربعة ولكن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ذكروا وجها ضعيفا في ذلك ليطردوا قياسهم في مناظرة أبي حنيفة في اشتراط النية في طهارة الحدث كما أن زفر نفى وجوب النية في التيمم طردا لقياسه وكلا القولين مطرح
وقد نص الأئمة على أن ماء المطر يطهر الأرض التي يصيبها وغالب الماء الذي يصب على الأرض ليس بمستعمل فإن أكثر الماء الذي يصبه الناس لا يكون عن جنابة ولا يكون متغيرا
الوجه الثالث: أن يقال هب أن الحوض فيه نجاسة محققة أو انغمس فيه جنب فهذا ماء كثير وقد ثبت عن أبي سعيد:[ أن النبي صلى الله عليه و سلم قيل له: يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال:
الماء طهور لا ينجسه شيء ]
قال الإمام: حديث بئر بضاعة صحيح
وفي السنن: [ عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينويه من السباع والدواب فقال: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء ]
وفي لفظ لم يحمل الخبث
وبئر بضاعة بئر كسائر الآبار وهي باقية إلى الآن بالمدينة من الناحية الشرقية ومن قال إنها كانت عينا جارية فقد غلط غلطا بينا فإنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة عين جارية أصلا ولم يكن بها إلا الآبار منها يتوضأون ويغتسلون ويشربون مثل: بئر أريس التي بقباء أو البئر التي ببيرحاء حديقة أبي طلحة والبئر التي اشتراها عثمان وحبسها على المسلمين وغير هذه الآبار وكان سقيهم للنخل والزرع من الآبار بالنواضح والسواني ونحو ذلك أو بماء السماء وما يأتي من السيول فأما عين جارية فلم تكن لهم
وهذه العيون التي تسمى عيون حمزة إنما أحدثها معاوية في خلافته وأمر الناس بنقل الشهداء من موضعها فصاروا ينبشونهم وهم رطاب لم ينتنوا حتى أصابت المسحاة رجل أحدهم فانبعث دما وكذلك عين الزرقاء محدثة لكن لا أدري متى حدثت ؟
وهذا أمر لا ينازع فيه أحد من العلماء العالمين بالمدينة وأحوالها وإنما ينازع في مثل هذا بعض أتباع علماء العراق الذين ليس لهم خبرة بأحوال النبي صلى الله عليه و سلم ومدينته وسيرته
وإذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يتوضأ من تلك البئر التي يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فكيف يشرع لنا أن نتنزه عن أمر فعله النبي صلى الله عليه و سلم ؟
وقد ثبت أنه أنكر على من لا يتنزه عما يفعله وقال:
[ ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها ؟ والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده ]
ولو قال قائل: نتنزه عن هذا لأجل الخلاف فيه فإن من أهل العراق من يقول الماء إذا وقعت فيه نجاسة نجسته وإن كان كثيرا إلا أن يكون مما لا تبلغه النجاسة ويقدرونه بما لا يتحرك طرفيه بتحريك الطرف الآخر
وهل العبرة بحركة المتوضئ أو بحركة المغتسل ؟ على قولين
وقدر بعضهم ذلك بعشرة أذرع في عشرة أذرع ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه و سلم:
[ لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه ]
ثم يقولون إذا تنجست البئر فإنه ينزح منها دلاء وقدرة في بعض النجاسات وفي بعضها تنزح البئر كلها وذهب بعض متكلميهم إلى أن البئر تطم فهذا الاختلاف يورث شبهة في الماء إذا وقعت فيه نجاسة
قيل لهذا القائل: الاختلاف يورث شبهة إذا لم تتبين سنة رسول رسول الله صلى الله عليه و سلم فأما إذا بينا أن النبي صلى الله عليه و سلم أرخص في شيء وقد كره أن نتنزه عما ترخص فيه وقال لنا:
[ إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن يؤتى معصيته ] رواه أحمد وابن خزيمة في الصحيحه: فإن تنزهنا عنه عصينا رسول الله صلى الله عليه و سلم والله ورسوله أحق أن نرضيه
وليس لنا أن نغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم لشبهة وقعت لبعض العلماء كما كان عام الحديبية ولو فتحنا هذا الباب لكنا نكره لمن أرسل هديا أن يستبيح ما يستبيحه الحلال لخلاف ابن عباس ولكنا نستحب للجنب إذا صام أن يغتسل لخلاف أبي هريرة ولكنا نكره تطيب المحرم قبل الطواف لخلاف عمر وابنه ومالك ولكنا نكره له أن يلبي إلى أن يرمي الجمرة بعد التعريف لخلاف مالك وغيره ومثل هذا واسع لا ينضبط
وأما من خالف في شيء من هذا من السلف والأئمة رضي الله عنهم: فهم مجتهدون قالوا بمبلغ علمهم واجتهادهم وهم إذا أصابوا فلهم أجران وإذا أخطأوا فلهم أجر والخطأ محطوط عنهم فهم معذورون لاجتهادهم ولأن السنة البينة لم تبلغهم ومن انتهى إلى ما علم فقد أحسن
فأما من تبلغه السنة من العلماء وغيرهم وتبين له حقيقة الحال فلم يبق له عذر في أن يتنزه عما ترخص فيه النبي صلى الله عليه و سلم ولا يرغب عن سنته لأجل اجتهاد غيره
فإنه قد ثبت عنه في الصحيحين:[ أنه بلغه أن أقواما يقول أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفطر ويقول الآخر: أنا أقوم ولا أنام ويقول الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء ويقول الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم
فقال بل أصوم وأفطر وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني ]
ومعلوم أن طائفة من المنتسبين إلى العلم والدين يرون أن المداومة على قيام الليل وصيام النهار وترك النكاح وغيره من الطيبات أفضل من هذا وهم في هذا إذا كانوا مجتهدين معذورون
ومن علم السنة فرغب عنها لأجل اعتقاد أن ترك السنة إلى هذا أفضل وأن هذا الهدى أفضل من هدى محمد صلى الله عليه و سلم لم يكن معذورا بل هو تحت الوعيد النبوي بقوله: [ من رغب عن سنتي فليس مني ]
وفي الجملة: باب الاجتهاد والتأويل باب واسع يؤول بصاحبه إلى أن يعتقد الحرام حلالا كمن تأول في ربا الفضل والأنبذة المتنازع فيها وحشوش النساء وإلى أن يعتقد الجلال حراما: مثل بعض ما ذكرناه من صور النزاع مثل: الضب وغيره بل يعتقد وجوب قتل المعصوم أو بالعكس فأصاب الاجتهاد وإن عذروا وعرفت مراتبهم من العلم والدين فلا يجوز ترك ما تبين من السنة والهدى لأجل تأويلهم والله أعلم
وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: إنه قد يغمس يده فيه أو ينغمس فيه الجنب فإنه قد ثبت بالسنة أن هذا لا يؤثر فيه النجاسة: فكيف تؤثر فيه الجنابة ؟