الوجه الثلاثون: إنه لا يحل لكم أن تحكوا عن المعتزلة أنهم قالوا بخلق القرآن أو بخلق كلام الله كما يحكيه عنهم السلف وأئمة الحديث السنة وكما يقولون هم ذلك وأن حكم ذلك عنه فلا يحل لكم أن تذموهم بذلك كما ذموهم السلف به بل تمدحونهم بذلك كما يمدحون بذلك أنفسهم فلا بد لكم من مخالفة السلف والمعتزلة جميعا أو مخالفة السلف وموافقة المعتزلة وذلك لأن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق فأنتم تقولون إنه مخلوق أيضا وذلك واجب عندكم ومن قال عن ذلك إنه ليس بمخلوق فهو ضال عندكم أو كافر ثم المعتزلة تسمية كلام الله وتقول كلام الله مخلوق والسلف تسميه كلام الله ويقولون هو غير مخلوق وأما أنتم فمع قولكم إنه مخلوق هل يطلق عليه كلام الله مجاز وتنفي الحقيقة كما قال جمهوركم أو يقال بل يسمى كلام الله على سبيل الاشتراك بينه وبين غيره كما قاله بعضكم على قولين: فإن قلتم بالأول لزمكم أن لا تكون المعتزلة تعتقد في الحقيقة أن كلام الله مخلوق بحال وأن تلفظوا بذلك بألسنتهم فهم مخطئون في هذا اللفظ وهم بمنزلة من قال إني زنيت بأمي أو قتلت نبيا ولم يكن المزنى بها أمه ولا المقتول نبيا فهو مخطىء في هذا الظن فيما يحكيه عن نفسه
لكن هذا القول يظن القائل أنه به مذموم والمعتزلة لا تذم أنفسها بذلك وإن كانت الجماعة تذمهم بذلك فنظير ذلك أن يعتقد بعض الكفار أنه قد قتل إمام المسلمين أو أخذ كتابا فمزقه يظن أنه المصحف أو قتل أقواما يظنهم علماء المسلمين وهو عند نفسه متدين بذلك ولم يكن الأمر كذلك وهكذا هم المعتزلة عندكم فإنهم قالوا في الذي اعتقدوا أنه كلام الله إنه مخلوق فقلتم أنتم لا ريب أنه مخلوق كما لا ريب في قتل أولئك النفر وتمزيق ذلك الكتاب لكن هذا ليس كلام الله وإن اعتقدتم أنه كلام الله وأن القول بخلقه تعظيم لله كما اعتقد أولئك أن هؤلاء أئمة المسلمين وأن قتلهم عبادة لله وأن هذا المصحف هو القرآن وتمزيقه عبادة لله وإذا كان كذلك لم يجز أن يقال إن هؤلاء قتلوا ائمة المسلمين ولا مزقوا المصحف وإن كانوا قصدوا ذلك واعتقدوه فكذلك لا يجوز على أصلكم أن يقال إن المعتزلة قالت إن كلام الله مخلوق وإن كانوا هم قصدوا ذلك واعتقدوه فإن الذي قالوا إنه مخلوق إن كان مجازا فلم يحكموا على ما هو كلام الله في الحقيقة بأنه مخلوق وإن كان مشتركا فهم إنما قوال إنه مخلوق بأحد المعنيين دون الآخر واللفظ المشترك لا يجوز إطلاقه بإرادة أحد المعنيين بل هو عند الإطلاق مجمل فلا يقل على هذا القول بأنهم قالوا كلام الله مخلوق ولا قالوا إنه غير مخلوق وهذا كله خلاف إجماع السلف والمعتزلة ولم يكن قديما عندهم فهو خلاف الإجماع مطلقا