فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولا ريب أن هذا حقيقة قول هؤلاء الذين يزعمون أنهم ينزهون الرب بنفي الجسم وما يتبع ذلك ثم أنهم مع هذا النفي إذا نفوا الجسم وملازيمه وقالوا لا داخل العالم ولا خارجه فيعلم أهل العقول أنهم لم يثبتوا شيئا قائما بنفسه موجودا بل يقال هذا الذي أثبتموه شبح أي خيال كالخيال الذي هو ظل الأشخاص وكالخيال الذي في المرآة والماء
ثم من المعلوم أن هذا الخيال والمثال والشبح يستلزم حقيقة موجودة قائمة بالنفس فإن خيال الشخص يستلزم وجوده وكذلك قول هؤلاء فإنهم يقرون بوجود مدبر خالق للعالم موصوف بأنه عليم قدير ويصفونه من السلب بما يوجب أن يكون خيالا فيكون قولهم مستلزما لوجوده ولعدمه معا فإذا تكلموا بالسلب لم يبق إلا الخيال ويصفون ذلك الخيال بالثبوت فيكون الخيال يستلزم ثبوت الموجود القائم بنفسه
الثالث عشر: إن معرفة أبي المعالي وذويه بحال هؤلاء الأئمة الذين اتفقت الأمة على إمامتهم لا يكون أعظم عن معرفتهم بالصحابة والتابعين بنصوص رسول الله صلى الله عليه و سلم
وقد رأيت أبا المعالي في ضمن كلامه يذكر ما ظاهره الاعتذار عن الصحابة وباطنه جهل بحالهم مستلزم إذا أطرد الزندقة والنفاق فإنه أخذ يعتذر عن كون الصحابة لم يمهدوا أصول الدين ولم يقرروا قواعده فقال لأنهم كانوا مشغولين بالجهاد والقتال عن ذلك
هذا مما في كلامه وهذا إنما قالوه لأن هذه الأصول والقواعد التي يزعمون أنها أصول الدين قد علموا أن الصحابة لم يقولوها وهم يظنون أنها أصول صحيحة وأن الدين لا يتم إلا بها وللصحابة رضي الله عنهم أيضا من العظمة في القلوب ما لم يمكنهم دفعه حتى يصيروا بمنزلة الرافضة القادحين في الصحابة ولكن أخذوا من الرفض شعبة كما أخذوا من التجهم شعبة وذلك دون ما أخذته المعتزلة من الرفض والتجهم حين غلب على الرافضة التجهم وانتقلت عن التجسيم إلى التعطيل والتجهم إذ كان هؤلاء نسجوا على منوال المعتزلة لكن كانوا أصلح منهم وأقرب إلى السنة وأهل الإثبات في أصول الكلام
ولهذا كان المغاربة الذين اتبعوا ابن التومرت المتبع لأبي المعالي أمثل وأقرب إلى الإسلام من المغاربة الذين اتبعوا القرامطة وغلوا في الرفض والتجهم حتى انسلخوا من الإسلام فظنوا أن هذه الأصول التي وضعوها هي أصول الدين الذي لا يتم الدين إلا بها وجعلوا الصحابة حين تركوا أصول الدين كانوا مشغولين عنه بالجهاد وهم في ذلك بمنزلة الكثير من جندهم ومقاتليهم الذين قد وضعوا قواعد وسياسة للملك والقتال فيها الحق والباطل ولم نجد تلك السيرة تشبه سيرة الصحابة ولم يمكنهم القدح فيهم فأخذوا يقولون كانوا مشتغلين بالعلم والعبادة عن هذه السيرة وأبهة الملك الذي وضعناه
وكل هذا قول من هو جاهل بسيرة الصحابة وعلمهم ودينهم وقتالهم وإن كان لا يعرف حقيقة أحوالهم فلينظر إلى آثارهم فإن الأثر يدل على المؤثر
هل انتشر عن أحد من المنتسبين إلى القبلة أو عن أحد من الأمم المتقدمين والمتأخرين من العلم والدين ما انتشر وظهر عنهم ؟ أم هل فتحت أمة البلاد وقهرت العباد كما فعلته الصحابة رضوان الله عليهم ولكن كانت علومهم وأعمالهم وأقوالهم وأفعالهم حقا باطنا وظاهرا وكانوا أحق الناس بموافقة قولهم لقول الله وفعلهم لأمر الله فمن حاد عن سبيلهم لم ير ما فعلوه فيزين له سوء عمله حتى يراه حسنا ويظن أنه حصل له من العلوم النافقة والأعمال الصالحة ما قصروا عنه وهذه حال أهل البدع
ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته التي رواها عبدوس بن مالك العطار: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم من غير وجه أنه قال: [ خير القرون الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ] والأدلة الدالة على تفضيل القرن الأول ثم الثاني أكثر من أن تذكر ومعلوم أن أم الفضائل العلم والدين والجهاد فمن ادعى أنه حقق العلم بأصول الدين أو من الجهاد ما لم يحققوه كان من أجهل الناس وأضلهم وهو بمنزلة من يدعي من أهل الزهد والعبادة والنسك أنهم حققوا من العبادات والمعارف والمقامات والأحوال ما لم يحققه الصحابة وقد يبلغ الغلو بهذه الطوائف إلى أن يفضلوا نفوسهم وطرقهم على الأنبياء وطرقهم ونجدهم عند التحقيق من أجهل الناس وأضلهم وأفسقهم وأعجزهم
الوجه الرابع عشر: أن يقال له هؤلاء الذين سميتهم أهل الحق وجعلتهم قاموا من تحقيق أصول الدين بما لم يقم به الصحابة هم متناقضون في الشرعيات والعقليات أما الشرعيات فإنهم تارة يتأولون نصوص الكتاب والسنة وتارة يبطلون التأويل فإذا ناظروا القلاسفة والمعتزلة الذين يتأولون نصوص الصفات مطلقا ردوا عليهم وأثبتوا لله الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات
وإذا نظروا من يثبت صفات أخرى دل عليها الكتاب والسنة كالمحبة والرضاء والغضب والمقت والفرح والضحك ونحو ذلك تأولوها وليس لهم فرق مضبوط بين ما يتأول وما لا يتأول
بل منهم ما يحيل على العقل ومنه ما يحيل على الكشف فأكثر متكلميهم يقولون ما علم ثبوته بالعقل لا يتأول وما لم يعلم ثبوته بالعقل يتأول
ومنهم من يقول: ما علم ثبوته بالكشف والنور الإلهي لا يتأول وما لم يعلم ثبوته بذلك يتأول وكلا الطريقين ضلال وخطأ من وجوه:
أحدها: أن يقال عدم الدليل ليس دليل العدم فإن عدم العلم بالشيء يعقل أو كشف يقتضي أن يكون معدوما فمن أين لكم ما دلت عليه النصوص أو الظواهر ولم تعلموا انتفاءه أنه منتف في نفس الأمر ؟
الوجه الثاني: إن هذا في الحقيقة عزل للرسول واستغناء عنه وجعله بمنزلة شيخ من شيوخ المتكلمين أو الصوفية فإن المتكلم مع المتكلم والمتصوف مع المتصوف يوافقه فيما علمه بنظره أو كشفه دون ما لم يعلمه بنظره أو كشفه بل ما ذكروه فيه تنقيص للرسول عن درجة المتكلم والمتصوف فإن المتكلم والمتصوف إذا قال نظيره شيئا ولم يعلم ثبوته ولا انتفاءه لا نثبته ولا ننفيه وهؤلاء ينفون معاني النصوص ويتأولونها وإن لم يعلموا انتفاء مقتضاها ومعلوم أن من جعل الرسول بمنزلة واحد من هؤلاء كان في قوله من الإلحاد والزندقة ما الله به عليم فكيف بمن جعله في الحقيقة دون هؤلاء ؟ وإن كانوا هم لا يعلمون أن هذا لازم قولهم فنحن ذكرنا أنه لازم لهم لتبين فساد الأصول التي لهم وإلا فنحن نعلم أن من كان منهم ومن غيرهم مؤمنا بالله وبرسوله لا ينزل الرسول هذه المنزلة
الوجه الثالث: أن يقال ما نفيتموه من الصفات وتأولتموه من يقال في ثبوته من العقل والكشف نظير ما قلتموه فيما أثبتموه وزيادة وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع وبينت أن الأدلة سمعا وعقلا على ثبوت رحمته ومحبته ورضاه وغضبه ليست بأضعف من الأدلة على إرادته بل لعلها أقوى منها فمن تأول نصوص المحبة والرضا والرحمة وأقر نصوص الإرادة كان متناقضا
الوجه الرابع: إن ما ذكرتموه هو نظير قول المتفلسفة والمعتزلة فإنهم يقولون تأولنا ما تأولناه لدلالة أدلة العقول على نفي مقتضاه وكل ما يجيبونهم به يجيبونهم به يجيبكم أهل الإثبات من أهل الحديث والسنة به
الوجه الخامس: إن أهل الإثبات لهم من العقل الصريح والكشف الصحيح ما يوافق ما جاءت به النصوص فهم مع موافقة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة يعارضون بعقلهم عقل النفاة وبكشفهم كشف النفاة لكن عقلهم وكشفهم هو الصحيح ولهذا تجدهم ثابتين فيه وهم في مزيد علم وهدى كما قال تعالى: { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } وأولئك تجدهم في مزيد حيرة وضلال وآخر أمرهم ينتهي إلى الحيرة ويعظمون الحيرة فإن آخر معقولهم الذي جعلوه ميزانا يزنون به الكتاب والسنة يوجب الحيرة حتى يجعلوا الرب موجودا معدوما ثابتا منفيا فيصفونه بصفة الإثبات وبصفة العدم والتحقيق عندهم جانب النفي بأنهم يصفونه بصفات المعدوم والموات وآخر كشفهم وذوقهم وشهودهم الحيرة وهؤلاء لا بد لهم من إثبات فيجعلونه حالا في المخلوقات أو يجعلون وجوده وجود المخلوقات فآخر نظر الجهمية وعقلهم أنهم لا يعبدون شيئا وآخر كشفهم وعقلهم أنهم يعبدون كل شيء وأضل البشر من جعل مثل هذا الكشف ميزانا يزن به الكتاب والسنة