فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 52037 من 346740

وقولنا في أطفال المشركين: إن الله يؤجج لهم نارا في الآخرة ثم يقول اقتحموها كما جاءت الرواية بذلك وندين بأن الله يعلم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين ويرى مفارقة كل داعية ومجانبة أهل الأهواء وسنحتج لما ذكرنا من قولنا وما بقي منه وما لم نذكره بابا بابا وشيئا شيئا

ثم قال أبو القاسم بن عساكر رحمه الله: فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه واعترفوا بفضل هذا الإمام العالم الذي شرحه وبينه وانظروا سهولة لفظه فما أفصحه وأبينه وكونوا ممن قال لله فيهم: { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }

وتبينوا فضل أبي الحسن واعرفوا إنصافه واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل واعترافه لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين ولم تزل الحنابلة ببغداد في قديم الدهر على ممر الأوقات تعتضد بالأشعرية على أصحاب البدع لأنهم المتكلمون من أهل الإثبات فمن تكلم في الرد على مبتدع فبلسان الأشعرية يتكلم ومن حقق منهم في الأصول في مسألة فمنهم يتعلم فلم يزالوا كذلك حتى حدث الاختلاف في زمن أبي نصر القشيري ووزارة النظام ووقع بينهم الانحراف من بعضهم من بعض لانحلال النظام

وعلى الجملة فلم يزل في الحنابلة طائفة تغلو في السنة وتدخل فيما لا يعنيها حبا للحقوق في الفتنة ولا عار على أحمد رحمه الله من صنيعهم وليس يتفق على ذلك رأي جميعهم ولهذا قال أبو حفص بن شاهين وهو من أقران الدارقطني ما قرأته على عبد الكريم بن الحضر عن أبي محمد الكناني حدثني أبو النجيب الأرموري حدثنا أبو ذر الهروي قال سمعت ابن شاهين يقول: رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء جعفر بن محمد وأحمد بن حنبل

وقال ابن عساكر فيما رده على أبي علي الأهوازي فيما وصفه من مثالب الأشعري: وقد ذكر أبو علي الأهوازي أن الحنابلة لم يقبلوا منه تصنيف الإبانة

قال الأهوازي: وللأشعري كتاب في السنة قد جعله أصحابه وقاية لهم من أهل السنة يتولون به العوام من أصحابنا سماه كتاب الإبانة صنفه ببغداد لما دخلها فلم يقبل ذلك منه الحنابلة وهجروه وسمعت أبا عبد الله الحمراني يقول: لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري فجعل يقول رددت على الجبائي وعلي بن هاشم ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى وعلى المجوس فقلت وقالوا وأكثر الكلام في ذلك فلما سكت قال البربهاري: ما أدري مما قلت قليلا ولا كثيرا ما نعرف إلا ما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل فخرج من عنده وصنف كتاب الإبانة فلم يقبلوه منه ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها

قال: وقول الأهوازي أن الحنابلة لم يقبلوا منه ما أظهره من كتاب الإبانة وهجروه فلو كان الأمر كما قال لنقلوه عن أشياخهم ولم أزل أسمع ممن يوثق به أنه كان صديقا للتميميين سلف أبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث وكانوا له مكرمين وقد أظهر بركة تلك الصحبة على أعقابهم حتى نسب إلى مذهبه أبو الخطاب الكلواذاني من أصحابهم وهذا تلميذ أبي الخطاب أحمد الحربي يخبر بصحة ما ذكرته وينبئ وكذلك كان بينهم وبين صاحبه أبي عبد الله بن مجاهد وصاحب صاحبه أبي بكر بن الطيب من المواصلة والمواكلة ما يدل على كثرة الاختلاق من الأهوازي والتكذيب

قال: وقد أخبرني الشيخ أبو الفضل بن أبي سعد البزار بن أبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز التميمي الحنبلي قال: سألت الشريف أبا علي محمد بن أبي موسى الهاشمي فقال: حضرت دار شيخنا أبي الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة عملها لأصحابه حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكيين وأبو القاسم الداركي شيخ الشافعيين و أبو الحسن طاهر بن الحسين شيخ أصحاب الحديث و أبو الحسين بن سمعون شيخ الوعاظ والزهاد و أبو عبد الله بن مجاهد شيخ المتكلمين وصاحبه أبو بكر بن الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة قال أبو علي: لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة يشبه واحدا منهم

قال: وحكاية الأهوازي عن البربهاري مما يقع في صحتها التماري وأدل دليل على بطلانها قوله: إنه لم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها وهو بعد أن صار إليها لم يفارقها ولا رحل عنها

قلت: لا ريب أن الأشعرية إنما تعلموا الكتاب والسنة من أتباع الإمام أحمد ونحوه بالبصرة وبغداد فإن الأشعري أخذ السنة بالبصرة عن زكريا بن يحيى الساجي وهو من علماء أهل الحديث المتبعين لأحمد ونحوه ثم لما قدم بغداد أخذ ممن كان بها ولهذا يوجد أكثر ألفاظه التي يذكرها عن أهل السنة والحديث إما ألفاظ زكريا عن أحمد في رسائله الجامعة في السنة وإلا فالأشعري لم يكن له خبرة بمذهب أهل السنة وأصحاب الحديث وإنما يعري أقوالهم من حيث الجملة لا يعرف تفاصيل أقوالهم وأقوال أئمتهم وقد تصرف فيما نقله عنهم باجتهاده في مواضع يعرفها البصير وأما خبرته بمقالات أهل الكلام فكانت خبرة تامة على سبيل التفصيل ولهذا لما صنف كتابه في مقالات الإسلاميين ذكر مقالات أهل الكلام واختلافهم على التفصيل

وأما أهل الحديث والسنة فلم يذكر عنهم إلا جملة مقالات مع أن لهم في تفاصيل تلك من الأقوال أكثر مما لأهل الكلام وذكر الخلاف بين أهل الكلام في الدقيق فلم يذكر النزاع بين أهل الحديث في الدقيق وبينهم منازعات في أمور دقيقة لطيفة كمسألة اللفظ ونقصان الإيمان وتفضيل عثمان وبعض أحاديث الصفات ونفي لفظ الجبر وغير ذلك من دقيق القول ولطيفه

وليس المقصود هنا إطلاق مدح شخص أو طائفة ولا إطلاق ذم ذلك فإن الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد به من الحسنات وما يذم به من السيئات وما لا يحمد به ولا يذم من المباحث والعفو عنه من الخطأ والنسيان بحيث يستحق الثواب على حسناته ويستحق العقاب على سيئاته بحيث لا يكون محمودا ولا مذموما على المباحات والمعفوات وهذا مذهب أهل السنة في فساق أهل القبلة ونحوهم

وإنما يخالف هذا الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ونحوهم الذين يقولون من استحق المدح لم يستحق الثواب حتى يقولون: إن من دخل النار لا يخرج منها بل يخلد فيها وينكرون شفاعة محمد صلى الله عليه و سلم في أهل الكبائر قبل الدخول وبعده وينكرون خروج أحد من النار وقد تواترت السنن عن النبي صلى الله عليه و سلم بخروج من يخرج من النار حتى يقول الله: [ أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ] وبشافعة النبي صلى الله عليه و سلم لأهل الكبائر من أمته ولهذا يكثر في الأمة من أئمة الأمراء وغيرهم من يجتمع فيه الأمران فبعض الناس يقتصر على ذكر محاسنه ومدحه غلوا وهوى وبعضهم يقتصر على ذكر مساويه غلوا وهوى ودين الله بين بين الغالي فيه والجافي عنه وخيار الأمور أوسطها

ولا ريب أن للأشعري في الرد على أهل البدع كلاما حسنا هو من الكلام المقبول الذي يحمد قائله إذا أخلص فيه النية وله أيضا كلام خالف به بعض السنة هو من الكلام المردود الذي يذم به قائله إذا أصر عليه بعد قيام الحجة وإن كان الكلام الحسن لم يخلص فيه النية والكلام السيء كان صاحبه مجتهدا مخطئا مفتورا له خطأه لم يكن في واحد منهما مدح ولا ذم بل يحمد نفس الكلام المقبول الموافق للسنة ويذم الكلام المخالف للسنة وإنما المقصود أن الأئمة المرجوع إليهم في الدين مخالفون للأشعري في مسألة الكلام وإن كانوا مع ذلك معظمين له في أمور أخرى وناهين عن لعنه وتكفيره ومادحين له بماله من المحاسن

وبزيادة أخرى فإن هذه المسألة هي مسألة الكلام من الأمر والنهي والخبر هل له صيغة أو ليس له صيغة ؟ بل ذلك معنى قائم بالنفس فإذا كانوا مخالفين له في ذلك وقائلين بأن الكلام له الصيغ التي هي الحروف المنظومة المؤلفة قائلين خلافا للأشعري مصرحين بأن قوله في ذلك مخالف لقول الشافعي وأحمد وسائر أئمة الإسلام علم صحة ما ذكرناه

وقولهم: للأمر صيغة موضوعة له في اللغة تدل بمجردها على كونه أمرا وللنهي صيغة موضوعة له في اللغة تدل بمجردها على كونه خبرا وللعموم صيغة موضوعة له في اللغة تدل بمجردها على استغراق الجنس واستيعاب الطبيعة أجود من قول استدرك ذلك عليهم كابن عقيل [ الذي قال ] : إن الأجود أن يقول الأمر صيغة قالوا: لأن الأمر والنهي والخبر هو نفس الصيغ التي هي الحروف المنظومة المؤلفة وهذا الذي قاله وأنكره هؤلاء خطأ وهو لو صح على قول من يقول إن الكلام مجرد الحروف والأصوات الدالة على المعنى: وليس هذا مذهب الفقهاء وأئمة الإسلام وأهل السنة وإن كان قد يقوله كثير ممن ينتسب إليهم كما قالته المعتزلة بل مذهبهم أن الكلام اسم للحروف والمعاني جميعا والأمر ليس هو اللفظ المجرد ولا المعنى المجرد بل لفظ الأمر إذا أطلق فإنه ينتظم اللفظ والمعنى جميعا فلهذا قيل صيغة كما يقال للإنسان جسم أو للإنسان روح وكما يقال للكلام معنى

وأما ما ذكره أبو القاسم الدمشقي من أن هذه المسألة خالف فيها أبو إسحاق الأشعري فيقال له: هذه المسألة هي أخص بمذهب الأشعري يكون الرجل بها مختصا بكونه أشعريا ولهذا ذكر العلماء الخلاف فيها معه وأما سائر المسائل فتلك لا يختص هو بأحد الطرفين بها بل في كل طريق طوائف فإذا خالفه في خاصة مذهبه لزمه أن لا يكون متبعا له

وأيضا فإنه إذا قال أصحابنا فإنما يعني الشافعية وإذا ذكر الأشعري فإنه يقول قالت الأشعرية فلا يدخلهم في مسمى أصحابه ولكن أبو القاسم كان له هدى ولم تكن له معرفة بحقائق الأصول التي يتنازع فيها العلماء ولكن كان ثقة في نقله عالما بفنه كالتاريخ ونحوه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت