الوجه السادس والستون: إنه قد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن أبي عروبة وأبان العطار عن قتادة عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء القرآن ]
فهذه التجزئة إما أن تعود إلى لفظ القرآن وإما أن تعود إلى معناه والأول باطل لأن حروف قل هو الله أحد ليست بقدر حروف ثلث القرآن بل هي أقل من عشر عشر العشر بكثير فعلم أنه أراد بالتجزئة المعنى وذلك يقتضي أن معنى حروف القرآن متجزئة وهم قد قالوا أن كلام الله واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير ولا يختلف ولو قيل إن التجزئة للحروف لكن لا يشترط فيها تماثل قدر الحروف بل يكون بالنظر إلى المعنى لكان ذلك حجة أيضا فإنه إذا كان التجزئة باعتبار المعنى علم أن المعنى الذي دلت عليه هذه الحروف ليس هو معاني بقية القرآن
وروى الترمذي وغيره عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة أبي أيوب عن أبي أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن من قرأ قل هو الله أحد الله الصمد فقد قرأ ثلث القرآن ] قال الترمذي هذا حديث حسن فقد أخبر أنها ثلث القرآن
فإن قيل: الحديث المتقدم قد رواه مسلم أيضا بلفظ آخر أنه قال: [ أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن قالوا وكيف نقرأ ثلث القرآن قال: قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ] فقوله تعدل ثلث القرآن يبين أنها في نفسها ليست ثلثه ولكن تعدل ثلثه أي في الثواب
قلنا: لا منافاة بين اللفظين فإنها ثلثه باعتبار المعنى وهي تعدل ثلثه باعتبار الحروف أو هي بلفظها ومعناها ثلثه فتعدل ثلثه لأن ذلك اللفظ صريح في معناه وحيث قال [ جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا من تلك الأجزاء ] فأخبر أن القرآن تجزأ ثلاثة أجزاء وإنما هي جزء من تلك الأجزاء وهذا لا يصلح أن يراد به مجرد الثواب دون السورة ولهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يجمع بين اللفظين كما في الحديث الذي رواه أبو حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن فحشد من حشد ثم خرج نبي الله صلى الله عليه و سلم فقرأ قل هو الله أحد ثم دخل فقال بعضنا لبعض قال رسول الله صلى الله عليه و سلم سأقرأ عليكم وإني لأرى هذا خبرا جاءه من السماء ثم خرج نبي الله صلى الله عليه و سلم فقال إني قلت سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا وإنها تعدل ثلث القرآن ]
قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه والذي يبين أن قوله تعدل يدخل فيه حروفها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن قتادة بن النعمان أن رجلا قام في زمن النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ من السحر قل هو الله أحد لا يزيد عليها فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال النبي: [ والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ] وهذه أيضا من حديث أبي سعيد رواه البخاري من حديث أبي سعيد نفسه وكذلك رواه أبو داود و النسائي