فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولما نظر المبرزون من علماء الأمة وأهل الفهم من أهل السنة طوايا كلام الجهمية وما أودعته من رموز الفلاسفة ولم نقف منهم إلا على التعطيل البحت وأن قطب مذهبهم ومنتهى عقيدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة قبلهم أن الفلك دوار والسماء خالية وأن قولهم: إنه تعالى في كل موضع وفي كل شيء ما استثنوا جوف كلب ولا جوف خنزير ولا حشاه فرارا من الإثبات وذهابا عن التحقيق
وإن قولهم: سميع بلا سمع بصير بلا بصر عليم بلا علم قدير بلا قدرة إله بلا نفس ولا شخص ولا صورة ثم قالوا: لا حياة له ثم قالوا: لا شيء فإنه لو كان شيئا لأشبه الأشياء
حاولوا حول مقال رؤوس الزنادقة القدماء إذ قالوا: الباري لا صفة ولا لا صفة خافوا على قلوب ضعفاء المسلمين وأهل الغفلة وقلة الفهم منهم إذ كان ظاهر تعلقهم بالقرآن وإن كان اعتصاما به من السيف واجتنابا به وإذ هم يرون التوحيد ويخاوضون المسلمين ويحملون الطيالسة فأفصحوا بمعانيهم وصاحوا بسوء ضمائرهم ونادوا على خبايا نكتهم
فيا طول ما لقوا في أيامهم من سيوف الخلفاء وألسن العلماء وهجران الدهماء فقد شحنت كتب تكفير الجهمية من مقالات علماء الإسلام فيهم ودأب الخلفاء فيهم ودق أهل السنة عليهم وإجماع المسلمين على إخراجهم من الملة
ثقلت عليهم الوحشة وطالت عليهم الذلة وأعيتهم الحيلة إلا أن يظهروا الخلاف لأوليهم والرد عليهم ويصفوا كلامهم وصفا يكون ألوح للأفهام وأنجع في العوام من أساس أولهم ليجدوا بذلك المساغ ويتخلصوا من خزي الشناعة فجاءت بمخاريق تتراءى للغبي بغير ما في الحشايا
ينظر الناظر الفهم في حذرها فيرى مخ الفلسفة يكسأ لحاء السنة وعقد الجهمية ينحل ألقاب الحكمة ! !
يردون على اليهود قولهم: { يد الله مغلولة } فينكرون الغل وينكرون اليد فيكونون أسوأ حالا من اليهود لأن الله أثبت الصفة ونفى العيب واليهود أثبتت الصفة وأثبتت العيب وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب
ويردون على النصارى في مقالهم في عيسى وأمه فيقولون: لا يكون في المخلوق غير المخلوق فيبطلون القرآن فلا يخفى على ذوي الألباب أن كلام أوليهم وكلام آخريهم كخيط السحارة ! !
فاسمعوا الآن يا أولي الألباب وانظروا ما فضل هؤلاء على أولئك: أولئك قالوا - قبح الله مقالتهم - إن الله موجود بكل مكان وهؤلاء يقولون: ليس هو في مكان ولا يوصف بأين وقد قال المبلغ عن الله صلى الله عليه و سلم لجارية معاوية بن الحكم [ أين الله ] ؟
وقالوا: هو من فوق كما هو من تحت لا يدري أين هو ولا يوصف بمكان وليس هو في السماء وليس هو في الأرض وأنكروا الجهة والحد وقال أولئك: ليس له كلام إنما خلق كلاما وهؤلاء يقولون تكلم مرة فهو متكلم به مذ تكلم لم ينقطع الكلام ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به
ثم تقولون: ليس هو في مكان: ثم قالوا: ليس هو صوت ولا حروف وقالوا هذا زاج وورق وهذا صوف وخشب وهذا إنما قصد به النفس وأريد به النقر وهذا صوت القارئ ما ترى منه حسن ومنه قبيح وهذا لفظه أو ما تراه يجازي به حتى قال رأس من رؤوسهم: أو يكون قرآن من لبد ؟ وقال آخر من خشب فراعوا فقالوا هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك
ثم قالوا: غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود لفظته الجهمية الذكور بمرة والأشعرية الإناث بعشر مرات
وهؤلاء قالوا: لا صفة وهؤلاء يقولون: وجه كما يقال وجه النهار ووجه الأمر ووجه الحديث وعين كعين المتاع وسمع كأذن الجدار وبصر كما يقال جدارهما يتراءان ويد كيد المنة والعطية والأصابع كقولهم خراسان بين أصابع الأمير والقدمان كقولهم جعلت الخصومة تحت قدمي والقبضة كما قيل فلان في قبضتي أي: أملك أمره
وقالوا: الكرسي العلم والعرش الملك والضحك الرضا والاستواء الاستيلاء والنزول القبول والهرولة مثله فشبهوا من وجه وأنكروا من وجه وخالفوا السلف وتعدوا الظاهر وردوا الأصل ولم يثبتوا شيئا ولم يبقوا موجودا ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسنة فقالوا لا نفسرها بجريها عربية كما وردت
وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة أرادوا بهذه المخرقة أن يكون عوام المسلمين أبعد غيابا عنها وأعيا ذهابا منها ليكونوا أوحش عند ذكرها وأشمس عند سماعها
وكذبوا بل التفسير أن يقال وجه ثم يقال: كيف ؟ وليس كيف في هذا الباب من مقال المسلمين
فأما العبارة فقد قال الله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } وإنما قالوا هم بالعبرانية فحكاها عنهم بالعربية وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم كتابة بالعربية فيها أسماء الله وصفاته فيعبر بالألسنة عنها ويكتب إليه بالسريانية فيعبر له زيد بن ثابت رضي الله عنه بالعربية والله تعالى يدعى بكل لسان بأسمائه فيجيب ويحلف بها فيلزم وينشد فيجاز فيوصف فيعرف
ثم قالوا ليس ذات الرسول بحجة ! وقالوا: ما هو بعدما مات بمبلغ فيلزم به الحجة فسقط من أقاويلهم ثلاثة أشياء: أنه ليس في السماء رب ولا في الروضة رسول ولا في الأرض كتاب كما سمعت يحيى بن عمار يحكم به عليهم وإن كانوا موهوها ووروا عنها واستوحشوا من تصريحها فإن حقائقها لازمة لهم وأبطلوا التقليد فكفروا آباءهم وأمهاتهم وعوام المسلمين
وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم فكفروا السلف وسموا الإثبات تشبيها فعابوا القرآن وضللوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا يكاد يرى منهم رجلا ورعا ولا للشريعة معظما ولا للقرآن محترما ولا للحديث موقرا سلبوا التقوى ورقة القلب وبركة التعبد ووقار الخشوع
واستفضلوا الرسول فانظر أنت إلى أحدهم إذ لا هو طالب أثره ولا متبع أخباره ولا مناضل عن سنته ولا هو راغب في أسوته يتقلب بمرتبة العلم وما عرف حديثا واحدا تراه يهزأ بالدين ويضرب له الأمثال ويتلعب بأهل السنة ويخرجهم أصلا من العلم
لا تنقر لهم عن بطانة إلا خانتك ولا عن عقيدة إلا أرابتك أليسوا ظلمة الهوى وسلبوا هيبة الهدى فتنبو عنهم الأعين وتشمئز منهم القلوب وقد شاع بين المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي
قال: وقد سمعت محمد بن زيد العمري النسابة أخبرنا المعافى سمعت أبا الفضل الحارثي القاضي بسرخس يقول سمعت زاهر بن أحمد يقول: أشهد لمات أبو الحسن الأشعري متحيرا لمسألة تكافئ الأدلة فلا هدى الله أناط مخاريفه بمذهب الإمام المطلبي رحمه الله وكان من أبر خلق الله قلبا وأصوبهم صمتا وأهداهم هديا وأعمقهم قلبا وأقله تعمقا وأقرهم للدين وأبعدهم من التنطع وأنصحهم لخلق الله جزاء خير
قال: ورأيت منهم قوما يجتهدون في قراءة القرآن وتحفظ حروفه والإكثار من ختمه ثم اعتقادهم فيه ما قد بيناه اجتهاد روغان كالخوارج
وروى بإسناده عن حرشة بن الحر عن حذيفة قال: إنا آمنا ولم نقرأ القرآن وسيجي قوم يقرأون القرآن ولا يؤمنون قال وقال ابن عمر: كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن وروى بإسناده عن ابن عمر قال: لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وفي لفظ: إنا كنا صدور هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وصالحيهم ما يقيم إلا سورة من القرآن أو شبه ذلك وكان القرآن ثقيلا عليهم ورزقوا علما به وعملا وإن آخر هذه الأمة يخف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون منه شيئا أو قال لا يسلمون منه الشيء
قال الحافظ أبو القاسم اللالكائي في كتابه المشهور في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لما ذكر عقوبات الأئمة لأهل البدع قال: واستناب أمير المؤمنين القادر بالله حرس الله مهجته وأمد بالتوفيق أموره ووفقه من القول والعمل لما يرضى مليكته فقهاء المعتزلة الحنفية في سنة ثمان وأربعمائة فأظهروا الرجوع وتبروا من الاعتزال ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرقصة والمقالات المخالفة للإسلام والسنة وأخذ خطوطهم بذلك وأنهم مهما خالفوه حل بها من النكال والعقوبة ما يتعظ به
وامتثل يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود يعني ابن سبكتكين أعز الله نصره أمر أمير المؤمنين القادر بالله واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفاهم والأمر باللعن عليهم على منابر المسلمين وإبعاد كل طائفة من أهل البدع وطردهم عن ديارهم وصار ذلك في الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
وجرى ذلك على يد الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة عمم الله ذلك وثبته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
قلت: وقد ذكر شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب ذم الكلام وأهله في الطبقة الثامنة قال: وفيهما نجحت الأشعرية ثم ذكر الطبقة التاسعة وذكر فيها كلام من ذكره فيهم
ثم قال: قرأت كتاب محمود الأمير بحث فيه على كشف أستار هذه الطائفة والإفصاح بعيبهم ولعنهم حتى كان قد قال فيه: أنا ألعن من لا يلعنهم فطاروا لله في الآفاق للحامدين كل مطار وصار المادحين كل مسار لا ترى عاقلا إلا وهو ينسبه إلى متانة الدين وصلابته ويصفه بشهامة الرأي ونجابته فما ظنك بدين يخفى فيه ظلم العيوب وتتجلى عنه بهم القلوب ودين يناجي به أصحابه وتبرى منه أربابه وما خفي عليكم أن القرآن مصرح به في الكتاتيب ويجهر به في المحاريب وحديث المصطفى صلى الله عليه و سلم يقرأ في الجوامع ويستمع في المجامع وتشد إليه الرجال ويتبع في البراري والفقهاء في القلانس يفصحون في المجالس وإن الكلام في الخفايا يرسل به الزوايا قد ألبس أهله الذلة واستعر بهم ظلمة يرمون بالألحاظ ويخرجون من الحفاظ يسب بهم أولادهم وتبرأ منهم أوداؤهم يلعنهم المسلمون وهم عند المسلمين يتلاعنون
ثم إنه جرى بعد ذلك في خلافة القائم في مملكة السلاجقة ظفرلنك وذويه لعن المبتدعة أيضا وأنه أدخل فيهم الأشعرية لقصد التشفي والتسلي إنه ذكر رسالة أبي بكر البيهقي إلى الوزير في استدراك ذلك قال فيها:
« ثم إن السلطان - أعز الله نصره وصرف همته العالية إلى نصرة دين الله وقمع أعداء الله - بعد ما تقرر للكافة حسن اعتقاده بتقرير خطباء أهل مملكته على لعن من استوجب اللعن من أهل البدع ببدعته وأيس أهل الزيغ عن زيغه عن الحق وميله عن القصد فألقوا في سمعه ما فيه مساء أهل السنة والجماعة كافة ومصيبتهم عامة من الحنفية والمالكية والشافعية الذين لا يذهبون في التعطيل مذهب المعتزلة ولا يسلكون في التشبيه طرق المجسمة في مشارق الأرض ومغاربها ليلبسوا بالأسوة معهم في هذه المساءة عما يسوؤهم من اللعن والقمع في هذه الدولة المنصورة » وذكر تمام الرسالة في بيان أنهم من أهل السنة ومسالمته المنع من إدخالهم في اللعنة
قال أبو القاسم بن عساكر: وإنما كان انتشار ما ذكره أبو بكر البيهقي من المحنة وإشعار ما أشار بإطفائه في رسالته من الفتنة مما تقدم به من سب حزب أبي الحسن الأشعري في دولة السلطان ظفرلنك ووزيره أبي نصر منصور بن محمد الكندري وكان السلطان حنفيا سنيا وكان وزيره معتزليا رافضيا فلما أمر السلطان بلعن المبتدعة على المنابر في الجمع قرن الكندري للتسلي والتشفي اسم الأشعرية بأسماء أرباب البدع وامتحن الأئمة الأماثل وقصد الصدور الأفاضل وعزل أبا عثمان الصابوني عن الخطابة بنيسابور وفوضها إلى بعض الحنفية وخرج الأستاذ أبو القاسم أبو المعالي الجويني عن البلد فلم يكن إلا يسيرا حتى مات ذلك السلطان وتولى ابنه البارسلان واستوزر الوزير الكامل أبا علي الحسن بن علي بن إسحاق فأعز أهل السنة وقمع أهل النفاق وأمر بإسقاط ذكرهم من السب وإفراد من عداهم باللعن والسب واسترجع من خرج منهم إلى وطنه واستقدمه مكرما بعد بعده وظعنه وذكر قصة أبي القاسم القشيري التي سماها شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة
قال فيها: ومما ظهر بنيسابور في مفتتح سنة خمس وأربعين وأربعمائة ما دعى أهل الدين إلى سوء ضر أضرهم وكشف قناع صبرهم
إلى أن قال: ذلك بما أحدث من لعن إمام الدين وسراج قدم ذوي اليقين محيي السنة وقامع البدعة ناصر الحق أبي الحسن الأشعري قال فيها: ولما من الله الكريم على أهل الإسلام بزمام الملك المعظم المحكم بالقوة السماوية في رقاب الأمم الملك الأجل شاهنشاه يمين خليفة الله وغياث عباد الله ظفرلنك أبي طالب محمد بن ميكائيل وقام بإحياء السنة والمناضلة عن الملة حتى لم يبق من أصناف المبتدعة إلا سل لاستئصالهم سيفا عضبا وإذاقتهم ذلا وخسفا وعقب لآراهم نسفا خرجت صدور أهل البدع عن تحمل هذه النقم وضاق صبرهم عن مقاساة هذا الألم وظنوا بلعن أنفسهم على رؤوس الأشهاد بألسنتهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت بانفرادهم بالوقوع في مهواة محبتهم فسولت لهم أنفسهم أمرا فظنوا أنهم بنوع تلبيس أو ضرب تدليس يجدون لعسرهم يسرا فسعوا إلى عالي مجلس السلطان بنوع نميمة ونسبوا الأشعري إلى مذاهب ذميمة وحكوا عنه مقالات لا يوجد في كتبه منها حرف ولم نر في المقالات المصنفة للمتكلمين الموافقين والمخالفين من وقت الأوائل إلى زماننا هذا لشيء منها حكاية ولا وصف بل كل ذلك تصوير تزوير وبهتان بغير تقدير
وما نقموا من الأشعري إلا أنه قال بإثبات القدر لله خيره وشره نفعه وضره وإثبات صفات الجلال من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وبقائه وسمعه وبصره وكلامه ووجهه ويده وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعالى موجود تجوز رؤيته وأن إرادته نافذة في مراداته وما لا يخفى من مسائل الأصول التي تخالف طريقة المعتزلة والجهمية وذكر تمام الكلام في المسائل التي نسبت إليه
وهو كلام طويل ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه على سبب لعنهم على ما نقله أصحابه المعظمون له
وأما بغداد فلم تجر فيها لعنة أحد على المنابر بل كانت الأشعرية منتسبة إلى الإمام أحمد وسائر أئمة المساجد كما ذكره الأشعري في كتاب الإبانة وهذا هو الذي اعتمد عليه الحافظ ابن عساكر في وصف اعتقاد الأشعري
قال بعد أن ذكر ما ذكره من وصف من وصف من العلماء: والأشعري بالرد على البدع والانتصار للسنة وما يشبه ذلك فإذا كان أبو الحسن رحمه الله ذكر عنه من حسن الاعتقاد مستصوب المذهب عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد فلا بد أن يحكي عن معتقده على وجه الأمانة ويجتنب أن يزيد فيه أو ينقص منه تركا للخيانة ليعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة فاسمع ما ذكره في أول كتابه الذي سماه الإبانة
فإنه قال: الحمد لله الأحد الواحد العزيز الماجد وساق الخطبة إلى أن قال: أما بعد فإن كثيرا من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضى من أسلافهم فتأولوا القرآن على أرائهم تأويلا لم ينزل الله به سلطانا ولا أوضح به برهانا ولا نقلوه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا عن السلف المتقدمين فخالفوا رواية الصحابة عن نبي الله صلى الله عليه و سلم في رؤية الأبصار وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفة وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم للمؤمنين وردوا الرواية في ذلك عن السلف المتقدمين وجحدوا عذاب القبر وأن الكفار في قبورهم يعذبون وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا: { إن هذا إلا قول البشر } فزعموا أن القرآن كقول البشر وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر نظيرا لقول المجوس الذين يثبتون خالقين: أحدهما يخلق الخير والآخر يخلق الشر
وزعمت القدرية أن الله يخلق الخير وأن الشيطان يخلق الشر وزعموا أن الله شاء ما لا يكون خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون وردا لقول الله: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } فأخبر أنا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء أن نشاءه ولقوله: { ولو شاء الله ما اقتتلوا } ولقوله: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } ولقوله تعالى: { فعال لما يريد } ولقوله مخبرا عن شعيب أنه قال: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا }
ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه و سلم: مجوس هذه الأمة لأنهم دانوا بديانة المجوس وضاهوا قولهم وزعموا أن للخير والشر خالقين كما زعمت المجوس وأنه لا يكون من الشر ما لا يشاءه الله كما قالت المجوس ذلك وزعموا أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم ردا لقول الله: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } وانحرافا عن القرآن وعما أجمع المسلمون عليه وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم وأثبتوا لأنفسهم غنى عن الله ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه كما أثبتت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله عز و جل
فكانوا مجوس هذه الأمة إذ دانوا بديانة المجوس وتمسكوا بأقوالهم ومالوا إلى أضاليلهم وقنطوا الناس من رحمة الله وآيسوهم من روحه وحكموا على العصاة بالنار والخلود خلافا لقول الله: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها خلافا لما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ إن الله يخرج قوما بعد ما امتحشوا فيها وصاروا حمما ] ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } وأنكروا أن يكون لله يدان مع قوله: { لما خلقت بيدي } وأنكروا أن يكون لله عينان مع قوله { تجري بأعيننا } وقوله: { ولتصنع على عيني } ونفوا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قوله: [ إن الله ينزل إلى سماء الدنيا ]
وأنا ذاكر ذلك إن شاء الله بابا بابا وبه المعونة ومنه التوفيق والتسديد