فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 50495 من 346740

48 -64 - مسألة: في أقوال العلماء في المسح على الخفين هل من شرطه أن يكون الخف غير مخرق حتى لا يظهر شيء من القدم وهل للتخريق حد وما القول الراجح بالدليل كما قال تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا }

فإن الناس يحتاجون إلى ذلك

هذه المسألة فيها قولان مشهوران للعلماء فمذهب مالك وأبي حنيفة وابن المبارك وغيرهم: أنه يجوز المسح على ما فيه خرق يسير مع اختلافهم في حد ذلك

واختار هذا بعض أصحاب أحمد ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنه لا يجوز المسح إلا على ما يستر جميع محل الغسل

قالوا: لأنه إذا ظهر بعض القدم كان فرض ما ظهر الغسل وفرض ما بطن المسح فيلزم أن يجمع بين الغسل والمسح أي بين الأصل والبدل وهذا لا يجوز لأنه إما أن يغسل القدمين وأما أن يمسح على الخفين

والقول الأول أصح وهو قياس أصول أحمد ونصوصه في العفو عن يسير العورة وعن يسير النجاسة ونحو ذلك بأن السنة وردت بالمسح على الخفين مطلقا قولا من النبي صلى الله عليه و سلم وفعلا

كقول صفوان بن عسال: [ أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كنا سفرا أو مسافرين أن لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من جنابة ولكن لا ننزع من غائط وبول ونوم ] رواه أهل السنن وصححه الترمذي

فقد بين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر أمته أن لا ينزعوا أخفافهم في السفر ثلاثة أيام من الغائط والبول والنوم ولكن ينزعوها من الجنابة وكذلك أمره لأصحابه [ أن يمسحوا على التساخين والعصائب ] والتساخين: هي الخفان فإنها تسخن الرجل

وقد استفاض عنه في الصحيح: أنه مسح على الخفين وتلقى أصحابه عنه ذلك فأطلقوا القول بجوار المسح على الخفين ونقلوا أيضا أمر مطلقا كما في صحيح مسلم: عن شريح بن هانئ قال أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فاسأله فإنه كان يسافر مع النبي صلى الله عليه و سلم فسألناه فقال: جعل النبي صلى الله عليه و سلم ثلاثة أيام للمسافر ويوما وليلة للمقيم

أي جعل له المسح على الخفين فأطلق

ومعلوم أن الخفاف في العادة لا يخلو كثيرا منها عن فتق أو خرق لا سيما مع تقادم عهدها وكان كثير من الصحابة فقراء لم يكن يمكنهم تجديد ذلك[ لما سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن الصلاة في الثوب الواحد فقال:

أو لكلكم ثوبان ]

وهذا كما أن ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج لترقيع فكذلك الخفاف

والعادة في الفتق اليسير في الثوب والخف: أنه لا يرقع وإنما الترقيع الكثير وكان أحدهم يصلي في الثوب الضيق حتى إنهم كانوا إذا سجدوا تقلص الثوب فظهر بعض العورة وكان النساء نهين عن أن يرفعن رؤوسهن حتى يرفع الرجال رؤوسهم لئلا يرين عورات الرجال من ضيق الأزر مع أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارج الصلاة بخلاف ستر الرجلين بالخف

فلما أطلق الرسول الأمر بالمسح على الخفاف مع علمه بما هي عليه في العادة ولم يشترط أن تكون سليمة من العيوب وجب حمل أمره على الإطلاق ولم يجز أن يقيد كلامه إلا بدليل شرعي وكان مقتضى لفظه أن كل خف يلبسه الناس ويمشون فيه فلهم أن يمسحوا عليه وإن كان مفتوقا أو مخروقا من غير تحديد لمقدار ذلك فإن التحديد لا بد له من دليل وأبو حنيفة يحده بالربع كما يحد مثل ذلك في مواضع قالوا: لأنه يقال: رأيت الإنسان إذا رأيت أحد جوانبه الأربع فالربع يقوم مقام الجميع وأكثر الفقهاء ينازعون في هذا ويقولون: التحديد بالربع ليس له أصل من كتاب ولا سنة

وأيضا فأصحاب النبي صلى الله عليه و سلم الذين بلغوا سنته وعملوا بها لم ينقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود بل أطلقوا المسح على الخفين مع علمهم بالخفاف وأحوالها فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم جواز المسح على الخفين مطلقا

وأيضا فكثير من خفاف الناس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم فلو لم يجر المسح عليها بطل مقصود الرخصة لا سيما والذين يحتاجون إلى لبس ذلك هم المحتاجون وهم أحق بالرخصة من غير المحتاجين فإن سبب الرخصة هو الحاجة[ ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد:

أو لكلكم ثوبان ]

بين أن فيكم من لا يجد إلا ثوبا واحدا فلو أوجب الثوبين لما أمكن هؤلاء أداء الواجب

ثم إنه أطلق الرخصة فكذلك هنا ليس كل إنسان يجد خفا سليما فلو لم يرخص إلا لهذا لزم المحاويج خلع خفافهم وكان إلزام غيرهم بالخلع أولى ثم إذا كان إلى الحاجة فالرخصة عامة

وكل من لبس خفا وهو متطهر فله المسح عليه سواء كان غنيا أو فقيرا وسواء كان الخف سليما أو مقطوعا فإنه اختار لنفسه ذلك وليس هذا مما يجب فعله لله تعالى: كالصدقة والعتق حتى تشترط فيه السلامة من العيوب

وأما قول المنازع: إن فرض ما ظهر الغسل وما بطن المسح فهذا خطأ بالإجماع فإنه ليس كل ما بطن من القدم يمسح على الظاهر الذي يلاقيه من الخف بل إذا مسح ظهر القدم أجزأه وكثير من العلماء لا يستحب مسح أسفله وهو إنما يمسح خططا بالأصابع فليس عليه أن يمسح جميع الخف كما عليه أن يمسح الجبيرة فإن مسح الجبيرة يقوم مقام غسل نفس العضو فإنها لما لم يمكن نزعها إلا بالضرر صارت بمنزلة الجلد وشعر الرأس وظفر اليد والرجل بخلاف الخف فإنه يمكن نزعه وغسل القدم

ولهذا كان مسح الجبيرة واجبا ومسح الخفين جائزا: إن شاء مسح وإن شاء خلع

ولهذا فارق مسح الجبيرة الخف من خمسة أوجه:

أحدها: إن هذا واجب وذلك جائز

الثاني: إن هذا يجوز في الطهارتين الصغرى والكبرى فإنه لا يمكنه إلا ذلك ومسح الخفين لا يكون في الكبرى بل عليه أن يغسل القدمين كما عليه أن يوصل الماء إلى الجلد الرأس والوجه وفي الوضوء يجزئه المسح على ظاهر شعر الرأس وغسل ظاهر اللحية الكثيفة فكذلك الخفاف يمسح عليها في الصغرى فإنه لما احتاج إلى لبسها صارت بمنزلة ما يستر البشرة من الشعر الذي يمكن إيصال الماء إلى باطنه ولكن فيه مشقة والغسل لا يتكرر

الثالث: إن الجبيرة يمسح عليها إلى أن يحلها ليس فيها توقيت فإن مسحها للضرورة بخلاف الخف فإن مسحه موقت عند الجمهور فإن فيه خمسة أحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم لكن لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر مثل: أن يكون هناك برد شديد متى خلع خفيه تضرر كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها أو كان في رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه فينقطع عنهم فلا يعرف الطريق أو يخالف إذا فعل ذلك من عدو أو سبع أو كان إذا فعل ذلك فإنه واجب ونحو ذلك

فهنا قيل: إنه يتيمم وقيل: إنه يمسح عليهما للضرورة وهذا أقوى لأن لبسهما هنا صار كلبس الجبيرة من بعض الوجوه

فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوما وليلة وثلاثة أيام ولياليهن وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم والمفهوم لا عموم له فإذا كان يخلع بعد الوقت عند إمكان ذلك عمل بهذه الأحاديث

وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن عامر: لما خرج من دمشق إلى المدينة يبشر الناس بفتح دمشق ومسح أسبوعا بلا خلع فقال له عمر: أصبت السنة وهو حديث صحيح

وليس الخف كالجبيرة مطلقا فإنه لا يستوعب بالمسح بحال ويخلع في الطهارة الكبرى ولا بد من لبسه على طهارة لكن المقصود أنه إذا تعذر خلعه فالمسح عليه أولى من التيمم وإن قدر أنه لا يمكن خلعه في الطهارة الكبرى فقد صار كالجبيرة يمسح عليه كله كما لو كان على رجله جبيرة يستوعبها

وأيضا فإن المسح على الخفين أولى من التيمم لأنه طهارة بالماء فيما يغطي موضع الغسل وذاك مسح بالتراب في عضوين آخرين فكان هذا البدل أقرب إلى الأصل من التيمم

ولهذا لو كان جريحا وأمكنه مسح جراحه بالماء دون الغسل فهل يمسح بالماء أو يتيمم ؟

فيه قولان: هما روايتان عن أحمد ومسحهما بالماء أصح ؟ لأنه إذا جاز مسح الجبيرة ومسح الخف وكان ذلك أولى من التيمم فلأن يكون مسح العضو بالماء أولى من التيمم بطريق الأولى

الرابع: إن الجبيرة يستوعبها بالمسح كما يستوعب الجلد لأن مسحها كغسله وهذا أقوى على قول من يوجب مسح جميع الرأس

الخامس: إن الجبيرة يمسح عليها وإن شدها على حدث عند أكثر العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو الصواب ومن قال لا يمسح عليها إلا في إذا لبسها على طهارة ليس معه إلا قياسها على الخفين وهو قياس فاسد فإن الفرق بينهما ثابت من هذه الوجوه ومسحها كمسح الجلدة ومسح الشعر ليس كمسح الخفين وفي كلام الإمام أحمد ما يبين ذلك وأنها ملحقة عنده بجلدة الإنسان لا بالخفين وفي ذلك نزاع لأن من أصحابه من يجعلها كالخفين ويجعل البرء كانقضاء مدة المسح فيقول ببطلان طهارة المحل كما قالوا في الخف والأول أصح وهو: أنها إذا سقطت سقوط برء كان بمنزلة حلق شعر الرأس وتقليم الأظافر وبمنزلة كشط الجلد لا يوجب إعادة غسل الجنابة عليها إذا كان قد مسح عليها من الجنابة

وكذلك في الوضوء لا يجب غسل المحل ولا إعادة الوضوء كما قيل: إنه يجب في خلع الخف والطهارة وجبت في المسح على الخفين ليكون إذا أحدث يتعلق الحدث بالخفين فيكون مسحهما كغسل الرجلين بخلاف ما إذا تعلق الحدث بالقدم فإنه لا بد من غسله

ثم قيل: إن المسح لا يرفع الحدث عن الرجل فإذا خلعها كان كأنه لا يمسح عليها فيغسلها عند من لا يشترط الموالاة ومن يشترط الموالاة يعيد الوضوء وقيل بل حدثه ارتفع رفعا مؤقتا إلى حين انقضاء المدة وخلع الخف لكن لما خلعه انقضت الطهارة فيه والطهارة الصغرى لا تتبعض لا في ثبوتها ولا في زوالها فإن حكمها يتعلق بغير محلها فإنها غسل أعضاء أربعة والبدن كله يصير طاهرا فإذا غسل عضو أو عضوان لم يرتفع الحدث حتى يغسل الأربعة وإذا انتقض الوضوء في عضو انتقض في الجميع

ومن قال هذا قال: إنه يعيد الوضوء ومثل هذا منتف في الجبيرة فإن الجبيرة يمسح عليها في الطهارة الكبرى ولا يجزئ فيها البدل فعلم أن المسح عليها كالمسح على الجلد والشعر

ومن قال من أصحابنا: إنه إذا سقطت لبرء بطلت الطهارة أو غسل محلها وإذا سقطت لغير برء فعلى وجهين: فإنهم جعلوها مؤقتة بالبرء وجعلوا سقوطها بالبرء كانقطاع مدة المسح

وأما إذا سقطت قبل البرء فقيل: هي كما لو خلع الخف قبل المدة وقيل: لا تبطل الطهارة هنا لأنه لا يمكن غسلها قبل البرء بخلاف الرجل فإنه يمكن غسلها إذا خلع الخف فلهذا فرقوا بينها وبين الخف في أحد الوجهين فإنه إذا تعذر غسلها بقيت الطهارة بخلاف ما بعد البرء فإنه يمكن غسل محلها والقول بأن البرء كالوقت في الخفين ضعيف فإن طهارة الجبيرة لا توقيت فيها أصلا حتى يقال إذا انقض الوقت بطلت الطهارة بخلاف المسح على الخفين فإنه مؤقت ونزعها مشبه بخلع الخف وهو أيضا تشبيه فاسد فإنه إن شبه بخلعه قبل انقضاء المدة ظهر الفرق وإنما يشبه هذا نزعها قبل البرء وفيه الوجهان وإن شبه يخلعه قبل انقضاء المدة فوجود الخلع كعدمه فإنه لا يجوز له حينئذ أن يمسح على الخفين لأن الشارع أمره بخلعها في هذه الحال بخلاف الجبيرة فإن الشارع لم يجعل لها وقتا بل جعلها بمنزلة ما يتصل بالبدن من جلد وشعر وظفر وذاك إذا احتاج الرجل إلى إزالته أزاله ولم تبطل طهارته وقد ذهب بعض السلف إلى بطلانها وأنه يطهر موضعه وهذا مشبه قول من قال مثل ذلك في الجبيرة ومن الناس من يقول: خلع الخف لا يبطل الطهارة

والقول الوسط أعدل الأقوال وإلحاق الجبيرة بما يتصل بالبدن أولى كالوسخ الذي على يده والحناء والمسح على الجبيرة واجب لا يمكنه تخيير بينه وبين الغسل فلو لم يجز المسح عليها إذا شدها وهو يحدث نقل إلى التيمم وقد قدمنا أن طهارة المسح بالماء في محل الغسل الواجب عليه أولى من طهارة المسح بالتراب في غير محل الغسل الواجب لأن الماء أولى من التراب وما كان في محل الفرض فهو أولى به مما يكون في غيره

فالمسح على الخفين وعلى الجبيرة وعلى نفس العضو كل ذلك خير من التيمم حيث كان ولأنه إذا شدها على حدث مسح عليها في الجنابة ففي الطهارة الصغرى أولى وإن قيل: إنه لا يمسح عليها من الجنابة حتى يشدها على الطهارة كان هذا قولا بلا أصل يقاس عليه وهو ضعيف جدا وإن قيل: بل إذا شدها على الطهارة من الجنابة مسح عليها بخلاف ما إذا شدها وهو جنب قيل: هو محتاج إلى شدها على الطهارة من الجنابة فإنه قد يجنب والماء يضر جراحه ويضر العظم المكسور ويضر الفصاد فيحتاج حينئذ أن يشده بعد الجنابة ثم يمسح عليها وهذه من أحسن المسائل

والمقصود هنا أن مسح الخف لا يستوعب فيه الخف بل يجزىء فيه مسح بعضه كما وردرت به السنة وهي مذهب الفقهاء قاطبة فعلم بذلك أنه ليس كل ما بطن من القدم ما يليه من الخف بل إذا مسح ظهر القدم كان هذا المسح مجزيا عن باطن القدم وعن العقب وحينئذ فإذا كان الخرق في موضع ومسح موضعا آخر كان ذلك مسحا مجزئا عن غسل جميع القدم لا سيما إذا كان الخرق في مؤخر الخف وأسفله فإن مسح ذلك الموضع لا يجب بل ولا يستحب ولو كان الخرق في المقدم فالمسح خطوط بين الأصابع

فإن قيل: مرادنا أن ما بطن يجزئ عنه المسح وما ظهر يجب غسله

قيل: هذا دعوى محل النزاع فلا تكون حجة فلا نسلم أن ما ظهر من الخف المخرق فرضه غسله فهذا رأس المسألة فمن احتج به كان مثبتا للشيء بنفسه وإن قالوا بأن المسح إنما يكون على المستور أو مغطى ونحو ذلك كان هذا كلها عبارات عن معنى واحد وهو دعوى رأس المسألة بلا حجة أصلا والشارع أمرنا بالمسح على الخفين مطلقا ولم يقيده والقياس يقتضي لا يقيد

والمسح على الخفين قد اشترط فيه طائفة من الفقهاء شرطين هذا أحدهما وهو أن يكون ساترالمحل الفرض وقد تبين ضعف هذا الشرط والثاني: أن يكون الخف يثبت بنفسه وقد اشترط ذلك الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير أو خيط متصل به أو منفصل عنه ونحو ذلك لم يمسح وإن ثبت بنفسه لكنه لا يستر جميع المحل إلا بالشد: كالزربول الطويل المشقوق يثبت بنفسه لكن لا يستر إلى الكعبين إلا بالشد ففيه وجهان: أصحهما أنه يمسح عليه

وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد بل المنصوص عنه في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بأنفسهما بل بنعلين تحتهما وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين

فإذا كان أحمد لا يشترط في الجوربين أن يثبتا بأنفسهما بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما بغيرهما بطريق الأولى وهنا قد ثبتا بالنعلين وهما منفصلين عن الجوربين فإذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح عليهما أولى بالجواز وإذا كان هذا في الجوربين فالزربول الذي لا يثبت إلا بسير يشده به متصلا به أو منفصلا عنه أولى بالمسح عليه من الجوربين وهكذا ما يلبس على الرجل من فرو وقطن وغيرهما إذا ثبت ذلك بشدهما بخيط متصل أو منفصل مسح عليهما بطريق الأولى

فإن قيل: فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف وهو أن يلف على الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك

قيل: في هذا وجهان ذكرهما الحلواني والصواب: أنه يمسح على اللفائف وهي بالمسح أولى من الخف والجورب فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة وفي نوعها ضرر إما إصابة البرد وإما التأذي بالحفاء وإما التأذي بالجرح فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين فعلى اللفائف بطريق الأولى

ومن ادعى في شيء من ذلك إجماعا فليس معه إلا عدم العلم ولا يمكنه أن ينقل المنع من عشرة من العلماء المشهورين فضلا عن الإجماع والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره وذلك أن أصل المسح على الخفين خفي على كثير من السلف والخلف حتى أن طائفة من الصحابة أنكروه وطائفة من فقهاء أهل المدينة وأهل البيت أنكروه مطلقا وهو رواية عن مالك والمشهور عنه جوازه في السفر دون الحضر

وقد صنف الإمام أحمد كتابا كبيرا في الأشربة تحريم المسكر ولم يذكر فيه خلافا عن الصحابة فقيل له في ذلك فقال: هذا صح فيه الخلاف عن الصحابة بخلاف المسكر

ومالك مع سعة علمه وعلو قدره قال في كتاب السر: لأقولن قولا لى أقله قبل ذلك في علانية

وتكلم بكلام مضمونه إنكاره إما مطلقا وإما في الحضر وخالفه أصحابه في ذلك وقال ابن وهب: هذا ضعف له حيث لم يقله قبل ذلك علانية

والذين جوزوه منع كثير منهم من المسح على الجرموقين الملبوسين على الخفين والثلاثة منعوا المسح على الجوربين وعلى العمامة

فعلم أن هذا الباب مما هابه كثير من السلف والخلف حيث كان الغسل هو الفرض الظاهر المعلوم فصاروا يجوزون المسح حيث يظهر ظهورا لا حيلة فيه ولا يطردون فيه قياسا صحيحا ولا يتمسكون بظاهر النص المبيح وإلا فمن تدبر ألفاظ الرسول صلى الله عليه و سلم وأعطى القياس حقه وعلم أن الرخصة منه في هذا الباب واسعة وأن ذلك من محاسن الشريعة ومن الحنفية السمحة التي بعث بها وقد كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم تمسح على خمارها فهل تفعل ذلك بدون إذنه ؟

وكان أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك يمسحون على القلانس

ولهذا جوز أحمد هذا وهذا في إحدى الروايتين عنه وجوز أيضا المسح على العمامة

لكن عبد الله بن أبي حامد رأى أن العمامة التي ليست محنكة المتقطعة كان أحمد يكره لبسها وكذا مالك يكره لبسها أيضا لما جاء في الآثار وشرط في المسح عليها أن تكون محنكة واتبعه على ذلك القاضي وأتباعه وذكروا فيها - إذا كان لها ذؤابة - وجهين:

وقال بعض أصحاب أحمد: إذا كان أحمد في الروايتين يجوز المسح على القلانس الدبيات وهي القلانس الكبار فلأن يجوز ذلك على العمامة بطريق الأولى والأحرى والسلف كانوا يحنكون عمائمهم لأنهم كانوا يركبون الخيل ويجاهدون في سبيل الله فإن لم يربطوا العمائم بالتحنيك وإلا سقطت ولم يمكن معها طرد الخيل

ولهذا ذكر أحمد عن أهل الشام: أنهم كانوا يحافظون على هذه السنة لأجل أنهم كانوا في زمنه هم المجاهدون

وذكر إسحق بن راهويه بإسناده: أن أولاد المهاجرين والأنصار كانوا يلبسون العمائم بلا تحنيك وهذا لأنهم كانوا في الحجاز في زمن التابعين لا يجاهدون

ورخص إسحق وغيره في لبسها بلا تحنيك والجند المقاتلة لما احتاجوا إلى ربط عمائمهم صاروا يربطونها إما بكلاليب وإما بعصابة ونحو ذلك وهذا معناه معنى التحنيك

كما أن من السلف من كان يربط وسطه بطرف عمامته والمناطق يحصل بها هذا المقصود وفي نزع العمامة المربوطة بعصابة وكلاليب من المثقة ما في نزع المحنكة

وقد ثبت المسح على العمامة عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجوه صحيحة لكن العلماء فيها على ثلاثة أقوال:

منهم من يقول: الفرض سقط بمسح ما بدأ من الرأس والمسح على العمامة مستحب وهذا قول الشافعي وغيره

ومنهم من يقول بل الفرض سقط بمسح العمامة ومسح ما بدا من الرأس كما في حديث المغيرة هل هو واجب لأنه فعله في حديث المغيرة أو ليس بواجب لأنه لم يأمر به في سائر الأحاديث ؟ على روايتين وهذا قول أحمد المشهور عنه

ومنهم من يقول: بل إنما كان المسح على العمامة لأجل الضرر وهو ما إذا حصل يكشف الرأس ضرر من برد ومرض فيكون من جنس المسح على الجبيرة كما جاء أنهم كانوا في سرية فشكوا البرد فأمرهم أن يمسحوا على التساخين والعصائب والعصائب هي: العمائم

ومعلوم أن البلاد البارده يحتاج فيها من يمسح التساخين والعصائب ما لا يحتاج إليه في أرض الحجاز فأهل الشام والروم ونحو هذد البلاد: أحق بالرخصة في هذا وهذا من أهل الحجاز والماشون في الأرض الحزنة والوعرة أحق بجوار المسح على الخف من الماشين في الأرض السهلة وخفاف هؤلاء في العادة لا بد أن يؤثر فيها الحجر فهم برخصة المسح على الخفاف المخرفة أولى من غيرهم

ثم المانع من ذلك يقول: إذا ظهر بعض القدم لم يجز المسح فقد يظهر شيء يسير من القدم: كموضع الخرز وهذا موجود في كتب من الخفاف فإن منعوا من المسح عليها ضيقوا تضيقا يظهر خلافه للشريعة بلا حجة معهم أصلا

فإن قيل: هذا لا يمكن غسله حتى يقولوا فرضه الغسل وإن قالوا هذا يعفي عنه لم يكن لهم ضابط فيما يمنع وفيما لا يمنع

والذي يوضح هذا أن قولهم إذا ظهر بعض القدم إن أرادوا طهوره البصر فأبصار الناس مع اختلاف إدراكها قد يظهر لها من القدم ما لا يمكن غسله فإن أرادوا ما يظهر ويمكن مسه باليد فقد يمكن غسله بلا مس

وإن قالوا ما يمكن غسله فالإمكان يختلف: قد يمكن مع الجرح ولا يمكن بدونه فإن سم الخياط يمكن غسله إذا وضع القدم في مغمزه وصبر عليه حتى يدخل الماء في سم الخياط مع أنه قد لا يتيقن وصول الماء عليه إلا بخضخضة ونحوها ولا يمكن غسله كما يغسل القدم وهذا على مذهب أحمد أقوى فإنه يجوز المسح على العمامة إذا لبست على الوجه المعتاد وإن ظهر من جوانب الرأس ما يمسح عليه ولا يجب مسح ذلك

وهل يجوز المسح على الناصية مع ذلك ؟

فيه عنه روايتان فلم يشترط في المسموح أن يكون ساترا لجميع محل الفرض وأوجب الجمع بين الأصل والبدل على إحدى الروايتين والشافعي أيضا يستحب ذلك كما يستحبه أحمد في الرواية الأخرى

فعلم أن المعتبر في اللباس أن يكون على الوجه المعتاد سواء ستر جميع محل الفرض أو لم يستره والخفاف قد أعتيد فيها أن تلبس مع الفتق والخرق وظهور بعض الرجل وأما ما تحت الكعبين فذاك ليس بخف أصلا ولهذا يجوز للمحرم لبسه مع القدرة على النعلين في أظهر قولي العلماء كما سنذكره إن شاء الله تعالى وتبين نسخ الأمر بالقطع وأنه إنما أمر به حين لم يشرع البدل أيضا

فالمقدمة الثانية من دليلهم وهو قولهم: يمكن الجمع بين الأصل والبدل ممنوع على أصل الشافعي وأحمد فإن عندهما يجمع بين التيمم والغسل فيما إذا أمكن غسل بعض البدن دون البعض لكون الباقي جريحا أو لكون الماء قليلا ويجمع بين مسح بعض الرأس مع العمامة كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم عام تبوك فلو قدر أن الله تعالى أوجب مسح الخفين كما أوجب غسل جميع البدن أمكن أن يغسل ما ظهر ويمسح ما بطن كما يفعل مثل ذلك في الجبيرة فإنه إذا ربطها على بعض مكان مسح الجبيرة وغسل أو مسح ما بينهما فجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد

فتبين أن سقوط غسل ما ظهر من القدم لم يمكن لأنه لا يجمع بين الأصل والبدل بل لأن مسح ظهر الخف ولو خطا بالأصابع يجزىء عن جميع القدم فلا يجب غسل شيء منه لا ما ظهر ولا ما بطن كما أمر صاحب الشرع لأمته إذ أمرهم إذا كانوا مسافرين أن لا ينزعوا خفافهم ثلاثة أيام ولياليهن لا من غائط ولا بول ولا نوم فأي خف كان على أرجلهم دخل في مطلق النص

كما أن قوله صلى الله عليه و سلم لما سئل: ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال:

[ لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكون أسفل من الكعبين ]

هكذا رواه ابن عمر

وذكر أن النبي صلى الله عليه و سلم خطب بذلك لما كان بالمدينة ولم يكن حينئذ قد شرعت رخصة البدل فلم يرخص لهم لا في لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار ولا في لبس الخف مطلقا ثم إنه في عرفات بعد ذلك قال:

[ السراويل لمن لم يجد الإزار والخفاف لمن لم يجد النعلين ]

هكذا رواه ابن عباس وحديثه في الصحيحين ورواه جابر وحديثه في مسلم

فأرخص لهم بعرفات البدل فأجاز لهم لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار بلا فتق وعليه جمهور العلماء

فمن اشترط فتقه خالف النص وأجاز لهم حينئذ لبس الخفين إذا لم يجدوا النعلين بلا قطع فمن اشترط القطع فقد خالف النص فإن السراويل المفتوق والخف المقطوع ولا يدخل في مسمى السراويل والخف عند الإطلاق كما أن القميص إذا فتق وصار قطعا لم يسم سراويل وكذلك البرنس وغير ذلك فإنما أمر بالقطع أولا لأن رخصة البدل لم تكن شرعت فأمرهم بالقطع حينئذ لأن المقطوع يصير كالنعلين فإنه ليس بخف ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين

ودل هذا على: أن كل ما يلبس تحت الكعبين من مداس وجمجم وغيرهما: كالخف المقطوع تحت الكعبين وأولى بالجواز فتكون إباحته أصلية كما تباح النعلان لا أنه أبيح على طريق البدل وإنما المباح على طريق البدل هو الخف المطلق والسراويل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت