فصل
وأما قول السائل هو يجوز أن يستغيث إلى الله في الدعاء بنبي مرسل أو ملك مقرب أو بكلامه تعالى أو بالكعبة أو بالدعاء المشهور باحتياط قاف أو بدعاء أم داود أو الخضر ويجوز أن يقسم على الله في السؤال بحق فلان بحرمة فلان بجاه المقربين بأقرب الخلق أو يقسم بأعمالهم وأفعالهم فيقال هذا السؤال فيه فصول متعددة فأما الأدعية التي جاءت بها السنة ففيها سؤال الله بأسمائه وصفاته والاستعاذة بكلامه كما في الأدعية التي في السنن
مثل قوله: [ اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت الله بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم ]
ومثل قوله: [ اللهم إني أسالك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ]
ومثل الدعاء الذي في المسند [ اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ]
وأما الأدعية التي يدعو بها بعض العامة ويكتبها باعة الحروز من الطرقية التي فيها: أسألك باحتياط قاف وهو يوف المخاف والطور والعرش والكرسي وزمزم والمقام والبلد الحرام وأمثال هذه الأدعية فلا يؤثر منها شيء لا عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن أصحابه ولا عن أئمة المسلمين وليس لأحد أن يقسم بهذه بحال بل قد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم: أنه قال: [ من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ]
وقال: [ من حلف بغير الله فقد أشرك ] فليس لأحد أن يقسم بالمخلوقات البتة وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ]
كما قال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع وكما قال البراء بن مالك: أقسمت عليك أي رب إلا فعلت كذا وكذا وكلاهما كان ممن يبر الله قسمه والعبد يسأل ربه بالأسباب التي تقتضي مطلوبه وهي الأعمال الصالحة التي وعد الثواب عليها ودعا عباده المؤمنين الذين وعد إجابتهم كما كان الصحابة يتوسلون إلى الله تعالى بنبيه ثم بعمه وغير عمه من صالحيهم يتوسلون بدعائه وشفاعته كما في الصحيح: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون فتوسلوا بعد موته بالعباس كما كانوا يتوسلون به وهو توسلهم بدعائه وشفاعته
ومن ذلك ما رواه أهل السنن وصححه الترمذي: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم: [ أدع الله أن يرد علي بصري فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه في ]
فهذا طلب من النبي صلى الله عليه و سلم وأمره أن يسأل الله أن يقبل شفاعة النبي له في توجيهه بنبيه إلى الله هو كتوسل غيره من الصحابة به إلى الله فإن هذا التوجه والتوسل هو توجه وتوسل بدعائه وشفاعته
وأما قول القائل: أسألك أو أقسم عليك بحق ملائكتك أو بحق أنبيائك أو بنبيك فلان أو برسولك فلان أو بالبيت الحرام أو بزمزم والمقام أو بالطور والبيت المعمور ونحو ذلك فهذا النوع من الدعاء لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا أصحابه ولا التابعين لهم بإحسان بل قد نص غير واحد من العلماء: كأبي حنيفة وأصحابه كأبي يوسف وغيره من العلماء على أنه لا يجوز مثل هذا الدعاء فإنه أقسم على الله بمخلوق ولا يصح القسم بغير الله وإن سأله به على أنه سبب ووسيلة إلى قضاء حاجته أما إذا سأل الله بالأعمال الصالحة وبدعاء نبيه والصالحين من عباده فالأعمال الصالحة سبب للإثابة والدعاء سبب للإجابة فسؤاله بذلك سؤال بما هو سبب لنيل المطلوب وهذا معنى ما يروى في دعاء الخروج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا
وكذلك أهل الغار الذين دعوا الله بأعمالهم الصالحة فالتوسل إلى الله بالنبيين هو التوسل بالإيمان هم وبطاعتهم كالصلاة والسلام عليهم ومحبتهم وموالاتهم أو بدعائهم وشفاعتهم وأما نفس ذواتهم فليس فيها ما يقتضي حصول مطلوب العبد وإن كان لهم عند الله الجاه العظيم والمنزلة العالية بسبب إكرام الله لهم وإحسانه إليهم وفضله عليهم وليس في ذلك ما يقتضي إجابة دعاء غيرهم إلا أن يكون بسبب منه إليهم كالإيمان بهم والطاعة لهم أو بسبب منهم إليه كدعائهم له وشفاعتهم فيه فهذان الشيئان يتوسل بهما وأما الأقسام بالمخلوق فلا وما يذكره بعض العامة من قوله: إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم حديث كذب موضوع