فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51298 من 346740

وهذه قاعدة عظيمة ربما ننبه إن شاء الله عليها وهذا القول المأثور عن السلف الذي اختاره ابن عقيل هو قياس أصول أحمد وبعض أصول الشافعي وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لوجوه متعددة بعد الأدلة الدالة على نفي التحريم شرعا وعقلا فإن دلالة هذه إنما تتم بعد الجواب عما استدل به للقول الأول:

الوجه الأول: ما ذكرناه من فعل عمر في قصة أسيد بن الحضير فإنه ملك الأرض والشجر التي فيها بالمال الذي كان للغرماء وهذا عين مسألتنا ولا يحمل ذلك على أن النخل والشجر كان قليلا فإنه من المعلوم أن حيطان أهل المدينة الغالب عليها الشجر وأسيد بن الحضير كان من سادات الأنصار ومياسيرهم فيقيد أن يكون الغالب على حائطة الأرض البيضاء ثم هذه القضية لا بد أن تشتهر ولم يبلغنا أن أحدا أنكرها فيكون إجماعا وكذلك ما ضربه من الخراج فإن تسميته خراجا يدل على أنه عوض عما ينتفعون به من منفعة الأرض والشجر كما يسمي الناس اليوم كرا الأرض لمن يغرسها خراجا إذا كان على كل شجرة شيء معلوم ومنه قوله تعالى: { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير } ومنه خراج العبد فإنه عبارة عن ضريبة يخرجها من ماله فمن اعتقد أنه أجره وجب عليه أن يعتقد جواز مثل هذه لأنه ثابت بإجماع الصحابة ومن اعتقد أنه ثمن أو عوض مستقل بنفسه فمعلوم أنه لا يثبته غيره وإنما جوزته الصحابة ولا نظير له لأجل الحاجة الداعية إليه والحاجة إلى ذلك موجودة في كل أرض فيها شجر كالأرض المفتتحة فإنه إن قيل تمكن المساقاة أو المزارعة قيل وقد كان يمكن عمر المساقاة والمزارعة كما فعل في أبناء الدولة العباسية

أما في خلافة المنصور وأما بعده فإنهم نقلوا أرض السواد من الخراج إلى المقاسمة التي هي المساقاة والمزارعة

وإن قيل: أنه يمكن جعل الكرا بأزاء الأرض والتبرع بمنفعة الشجر أو المحاباة فيها

قيل: وقد كان يمكن عمر ذلك فالقدر المشترك بينهما ظاهر وأيضا فإنا نعلم قطعا أن المسلمين ما زال لهم أرضون فيها شجر تكرى هذا غالب على أموال أهل الأمصار ونعلم أن المسلمين لم يكونوا كلهم يعمرون أرضهم بأنفسهم ولا غالبهم ونعلم أن المساقاة والمزارعة قد لا تتيسر كل وقت لأنها تفتقر إلى عامل أمين وما كل أحد يرضى بالمساقاة ولا كل من أخذ الأرض يرضى بالمشاركة فلا بد أن يكونوا قد كانوا يكرون الأرض السوداء ذات الشجر ومعلوم أن الاحتيال بالتبرع أمر نادر لم يكن السلف من الصحابة والتابعين يفعلونه فلم يبق إلا أنهم كانوا يفعلون كما فعل عمر رضي الله عنه بمال أسيد بن الحضير وكما يفعله غالب المسلمين من تلك الأزمنة وإلى اليوم فإذا لم ينقل عن السلف أنهم حرموا هذه الإجارة ولا أنهم أمروا بحيلة التبرع مع قيام المقتضى لفعل هذه المعاملة علم قطعا أن المسلمين كانوا يفعلونها من غير نكير من الصحابة والتابعين فيكون فعلها كان إجماعا منهم ولعل الذين اختلفوا في كرى الأرض البيضاء والمزارعة عليها لم يختلفوا في كرى الأرض السوداء ولا في المساقاة لأن منفعة الأرض ليست بطائل بالنسبة إلى منفعة الشجر

فإن قيل: فقد قال حرب الكرماني سئل أحمد عن تفسير حديث ابن عمر: القبالات ربا قال: هو أن يتقبل القرية فيها النخل والعلوج قيل له: فإن لم يكن فيها نخل وهي أرض بيضاء قال: لا بأس إنما هو الآن مستأجرا

قيل: فإن فيها علوجا قال فهذا هو القبالة مكروهة قال حرب: حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا سعيد عن جبلة سمع ابن عمر يقول: القبالات ربا قيل: الربا فيما يجوز تأجيله إنما يكون في الجنس الواحد لأجل الفضل

فإن قيل: في الأجرة والثمر أو نحوهما أنه ربا مع جواز تأجيله فلأنه معاوضة بجنسه متفاضلا لأن الربا إما ربا النساء وذلك لا يكون فيما يجوز تأجيله وإما ربا الفضل وذلك لا يكون إلا في الجنس الواحد فإذا انتفى ربا النساء الذي هو التأجير لم يبق إلا ربا الفضل الذي هو الزيادة في الجنس الواحد وهذا يكون إذا كان التقبل بجنس معدن الأرض مثل: أن يتقبل الأرض التي فيها نخل بثمر فيكون مثل المزاينة فهو مثل اكتراء الأرض بجنس الخارج منها إذا كان مضمونا في الذمة مثل أن يكتريها ليزرع فيها حنطة بحطنة معلومة

ففيه روايتان عن أحمد:

إحداهما: أنه ربا كقول مالك وهذا مثل القبالة التي كرهها ابن عمر لأنه ضمن الأرض بحنطة معلومة فكأنه ابتاع حنطة بحنطة يكون أكثر أو أقل فيظهر الربا فالقبالات التي ذكر ابن عمر أنها ربا أن يضمن الأرض التي فيها النخل والفلاحون بقدر معين من جنس منها مثل أن يكون لرجل قرية فيها شجر وأرض وفيها فلاحون يعملون له ما يعمل من الحنطة والثمر بعد أجرة الفلاحين أو نصيبهم فيضمنه رجل منه بمقدار من الحنطة والثمر ونحو ذلك فهذا يظهر تسميته بالربا فأما ضمان الأرض بالدراهم والدنانير فليس من باب الربا بسبيل ومن حرمه فهو عنده من باب الغرر ثم أن أحمد لم يكره ذلك إذا كانت أرضا بيضاء لأن الإجارة عنده جائزة وإن كان من جنس الخارج على إحدى الروايتين لأن المستأجر يعمل في الأرض بمنفعته وماله فيكون المغل بكسبه بخلاف ما إذا كان فيها العلوج وهم الذين يعالجون العمل فإنه لا يعمل فيها شيئا لا بمنفعته ولا بماله بل العلوج يعملونها وهو يؤدي القبالة ويأخذ بدلها فهو طلب الربح في مبادلة المال من غير صناعة ولا تجارة وهذا هو الربا ونظير هذا ما جاء عن

أنه ربا وهو اكتراء الحمام والطاحون والفنادق ونحو ذلك مما لا ينتفع المستأجر به فلا يتجر فيه ولا يصطنع فيه وإنما يلتزمه ليكريه فقط فقد قيل: هو ربا والحاصل أنها لم تكن ربا لأجل النخل ولا لأجل الأرض إذا كان بغير جنس المغل وإنما كانت ربا لأجل العلوج وهذه الصورة لا حاجة إليها فإن العلوج يقومون بها فيتقبلها الآخر مراباة ولهذا كرها أحمد وإن كانت بيضاء إذا كان فيها العلوج

وقد استدل حرب الكرماني على المسألة بمعاملة النبي صلى الله عليه و سلم لأهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع على أن يعمروها من أموالهم وذلك أن هذا في المعنى اكراء الأرض والشجر بشيء مضمون لأن إعطاء الثمر لو كان بمنزلة بيعه لكان إعطاء بعضه بمنزلة بيعه وذلك لا يجوز وهذه المسألة لها أصلان

الأول: أنه متى كان بين الشجر أرض أو مساكن دعت الحاجة إلى كراءهما جميعا فيجوز لأجل الحاجة وإن كان في ذلك غرر يسير لا سيما إن كان البستان وقفا أو مال يتيم فإن تعطيل منفعته لا يجوز واكتراء الأرض أو المسكن وحده لا يقع في العادة ولا يدخل أحد على ذلك وإن اكتراه اكتراه بنقص كثير عن قيمته وما لا يتم المباح إلا به فهو مباح فكلما أثبت إباحته بنص أو إجماع وجب إباحة لوازمه إذا لم يكن في تحريمها نص ولا إجماع وإن قام دليل يقتضي تحريم لوازمه وما لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه فهو حرام

فها هنا يتعارضان الدليلان وفي مسألتنا قد ثبت إباحة كراء الأرض بالسنة واتفاق الفقهاء المتبوعين بخلاف دخول كراء الشجر فإن تحريمه مختلف فيه ولا نص عليه وأيضا فمتى اكتريت الأرض وحدها وبقي الشجر لم يكن المكتري مأمونا على الثمر فيفضي إلى اختلاف الأيدي وسوء المشاركة كما إذا بدا الصلاح في نوع واحد

ويخرج على هذا القول مثل قول الليث بن سعد إذا بدا الصلاح في نوع واحد أو جنس وكان في بيعه متفرقا ضرر جاز بيع جميع الأجناس ليعسر تفريق الصفقة ولأنه إذا أراد أن يبيع الثمر بعد ذلك لم يشتر أحد الثمرة إذا كانت الأرض والمساكن لغيره إلا بنقص كثير ولأنه إذا اكترى الأرض فإن شرط عليه سقي الشجر والسقي من جملة المعقود عليه صار المعوض عوضا وإن لم يشترط عليه السقي فإذا سقاها إن ساقاه عليها صارت الإجارة لا تصح إلا بمساقاة وإن لم يساقه لزم تعطيل منفعة المستأجر فيدور الأمر بين أن تكون الأجرة بعض المنفعة أو لا تصح الإجارة إلا بمساقاة أو بتفويت منفعة المستأجر

ثم إن حصل للمكري جميع الثمرة أو بعضها ففي بيعها مع أن الأرض والمساكن لغيره نقص للقيمة في مواضع كثيرة فرجع الأمر إلى أن الصفقة إذا كان في تفريقها ضرر جاز الجمع بينهما في المعاوضة وإن لم يجز أفراد كل منهما لأن حكم الجمع يخالف حكم التفريق

ولهذا وجب عند أحمد وأكثر الفقهاء على أحد الشريكين إذا تعذرت القسمة أن يبيع مع شريكه أو يؤاجر معه وإن كان المشترك منفعة لأن النبي صلى الله عليه و سلم: [ من اعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمته عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد ] أخرجاه في الصحيحين فأمر النبي صلى الله عليه و سلم بتقويم العبد كله وبإعطاء الشريك حصته من القيمة ومعلوم أن قيمة حصته منفردة دون حصته من قيمة الجمع فعلم أن حقه في نصف النصف وإذا استحق ذلك بالإعتاق فبسائر أنواع الإتلاف أولى وإنما يستحق بالإتلاف ما يستحق بالمعاوضة فعلم أن يستحق المعاوضة نصف القيمة وإنما يمكن ذلك عند بيع الجميع فتجب قسمة العين حيث لا ضرر فيها فإن كان فيها ضرر قسمت القيمة

فإذا كنا قد أوجبنا على الشريك بيع نصيبه لما في التفريق من نقص قيمة شريك فلأن يجوز بين الأمرين جميعا إذا كان في تفريقهما ضرر أولى ولذلك جاز بيع الشاة مع اللبن الذي في ضرعها وإن أمكن تفريقهما بالحلب وإن كان بيع اللبن وحده لا يجوز وعلى هذا الأصل فيجوز متى كان مع الشجر منفعة مقصودة كمنفعة أرض للزرع أو بناء للسكن فأما إن كان المقصود لهو الثمر فقط ومنفعة الأرض أو المسكن ليست جزءا من المقصود وإنما دخلت لمجرد الحيلة كما قد يفعل في مسائل مدعجوة لم يجئ هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت