ودلت نصوصه الكريمة وألفاظه الشريفة التي هي مصابيح الهدى على أمور يحتاج الناس إلى معرفتها قد تنازع فيها العلماء:
منها: إنه لما أذن للمحرم إذا لم يجد النعلين يلبس الخف إما مطلقا وإما مع القطع وكان ذلك إذنا في كل ما يسمى خفا سواء كان سليما أو معيبا وكذلك لما أذن في المسح على الخفين كان ذلك إذنا في كل خف
وليس المقصود قياس حكم على حكم حتى يقال: ذاك أباح له لبسه وهذا أباح المسح عليه بل المقصود أن لفظ الخف في كلامه يتناول هذا بالإجماع فعلم أن لفظ الخف يتناول هذا وهذا فمن ادعى في أحد الموضعين أنه أراد بعض أنواع الخفاف فعليه البيان
وإذا كان الخف في لفظه مطلقا حيث أباح لبسه للمحرم وكل الخف جاز للمحرم لبسه وإن قطعه جاز له أن يمسح عليه إذا لم يقطعه
الثاني: إن المحرم إذا لم يجد نعلين ولا ما يشبه النعلين من خف مقطوع أو جمجم أو مداس أو غير ذلك: فإنه يلبس أي خف شاء ولا يقطعه هذا أصح قولي العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد وغيره فإن النبي صلى الله عليه و سلم أذن بذلك في عرفات بعد نهيه عن لبس الخف مطلقا وبعد أمره من لم يجد أن يقطع ولم يأمرهم بعرفات بقطع مع أن الذين حضروا بعرفات كان كثير منهم أو أكثرهم لم يشهدوا كلامه بالمدينة بل حضروا من مكة واليمن والبوادي وغيرها خلق عظيم حجوا معه لم يشهدوا جوابه بالمدينة على المنبر بل أكثر الذين حجوا معه لم يشهدوا ذلك الجواب
وذلك الجواب لم يذكره إبتداء لتعليم جميع الناس بل سأله سائل وهو على المنبر: ما يلبس المحرم من الثياب
[ فقال: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويل ولا البرانس ولا الخفاف إلا من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ]
وابن عمر لم يسمع منه إلا هذا كما أنه في المواقيت لم يسمع إلا ثلاث مواقيت: قوله: [ أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام الجحفة وأهل نجد قرن ]
قال ابن عمر: وذكر لي ولم أسمع أن النبي صلى الله عليه و سلم وقت لأهل اليمن يلملم
وهذا الذي ذكر له صحيح قد ثبت في الصحيحين: [ عن النبي صلى الله عليه و سلم من رواية ابن عباس فابن عباس أخبر أن النبي صلى الله عليه و سلم وقت لأهل اليمن يلملم ولأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل وقال: هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فهن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة ]
فكان عند ابن عباس من العلم بهذه السنة ما لم يكن عند ابن عمر وفي حديثه ذكر أربع مواقيت وذكر أحكام الناس كلهم إذا مروا عليها أو أحرموا من دونها
والنبي صلى الله عليه و سلم كان يبلغ الدين بحسب ما أمر الله به فلما كان أهل المدينة قد أسلموا وأسلم أهل نجد وأسلم من كان من ناحية الشام وقت الثلاث وأهل اليمن إنما أسلموا بعد ذلك ولهذا لم ير أكثرهم النبي صلى الله عليه و سلم بل كانوا مخضرمين فلما أسلموا وقت النبي صلى الله عليه و سلم وقال:
[ أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوبا وألين أفئدة الإيمان يماني والفقه يماني والحكمة يمانية ]
ثم قد روي عنه أنه لما فتحت أطرف العراق وقت لهم ذات عرق كما روى مسلم هذا من حديث جابر لكن قال ابن الزبير فيه: أحسبه عن النبي صلى الله عليه و سلم وقطع به غيره وروى ذلك من حديث عائشة فكان ما سمعه هؤلاء أكثر مما سمعه غيرهم
وكذلك ابن عباس وجابر في ترخيصه في الخف والسراويل ففي الصحيحين: عن ابن عباس قال: [ سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يخطب بعرفات يقول: السراويلات لمن لم يجد الإزار والخفان لمن لم يجد النعلين ]
وفي صحيح مسلم: عن جابر من لم يجد نعلين فليبس خفين ومن لم يجد إزرا فليلبس سراويل
فهذا كلام مبتدأ منه صلى الله عليه و سلم بين فيه في عرفات - وهو أعظم مجمع كان له - أن من لم يجد إزارا فليلبس السراويل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ولم يأمر بقطع ولا فتق وأكثر الحاضرين بعرفات لم يشهدوا خطبته وما سمعوا أمره بقطع الخفين وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز
فعلم أن هذا الشرع الذي شرعه الله على لسانه بعرفات لم يكن شرع بعد بالمدينة وأنه بالمدينة إنما أرخص في لبس النعلين وما يشبههما من المقطوع فدل ذلك على أن من عدم ما يشبه الخفين يلبس الخف
الثالث: إنه دل على أنه يلبس سراويل بلا فتق وهو قول الجمهور والشافعي وأحمد
الرابع: إنه دل على أن المقطوع كالنعلين يجوز لبسهما مطلقا ولبس ما أشبههما من جمجم ومداس وغير ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد وغيره وبه كان يفتي جدي أبو البركات رحمه الله في آخر عمره لما حج
وأبو حنيفة رحمه الله تعالى تبين له من حديث ابن عمر أن المقطوع لبسه أصل لا بدل له فيجوز لبسه مطلقا وهذا فهم صحيح منه دون فهم من فهم أنه بدل
والثلاثة تبين لهم أن النبي صلى الله عليه و سلم أرخص في البدل وهو الخف ولبس السراويل فمن لبس السراويل إذا عدم الأصل فلا فدية عليه وهذا فهم صحيح
وأحمد فهم من النص المتأخر الذي شرع فيه البدلان أنه ناسخ للقطع المتقدم وهذا فهم صحيح
وأبو حنيفة لم يبلغه هذا فأوجب الفدية على كل من لبس خفا أو سراويل إذا لم يفتقه وإن عدم كما قال ذلك ابن عمر وغيره وزاد: أن الرخصة في ذلك إنما هي للحاجة والمحرم إذا احتاج إلى محظور فعله وافتدى
وأما الأكثرون فقالوا: من لبس البدل فلا فدية عليه كما أباح ذلك النبي صلى الله عليه و سلم بعرفات ولم يأمر معه بفدية ولا فتق
قالوا: والناس كلهم محتاجون إلى لبس ما يسترون به عوراتهم وما يلبسونه في أرجلهم فالحاجة إلى ذلك عامة وما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فدية بخلاف ما احتيج إليه لمرض أو برد ومن ذلك حاجة لعارض ولهذا [ أرخص النبي صلى الله عليه و سلم للنساء في اللباس مطلقا من غير فدية ونهى المحرمة عن النقاب والقفازين فإن المرأة لما كانت محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستره فدية وكذلك حاجة الرجال إلى السراويل والخفاف إذا لم يجدوا الإزار والنعال ]
وابن عمر رضي الله عنه لما لم يسمع إلا حديث القطع أخذ بعمومه فكان يأمر النساء بقطع الخفاف حتى أخبروه بعد هذا أن النبي صلى الله عليه و سلم رخص للنساء في لبس ذلك كما أنه لما سمع قوله:
[ لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ]
أخذ بعمومه في حق الرجال والنساء فكان يأمر الحائض أن لا تنفر حتى تطوف
وكذلك زيد بن ثابت كان يقول ذلك حتى أخبروهما أن النبي صلى الله عليه و سلم رخص للحيض أن ينفرن بلا وداع
وتناظر في ذلك زيد وابن عباس وابن الزبير [ لما سمعا نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن لبس الحرير أخذا بالعموم ]
فكان ابن الزبير يأمر الناس بمنع نسائهم من لبس الحرير
وكان ابن عمر ينهى عن قليله وكثيره فينزع خيوط الحرير من الثوب
وغيرهما سمع الرخصة للحاجة وهو الإرخاص للنساء وللرجال في اليسير وفيما يحتاجون إليه للتداوي وغيره لأن ذلك حاجة عامة
وهكذا اجتهاد العلماء رضي الله عنهم في النصوص: يسمع أحدهم النص المطلق فيأخذ به ولا يبلغه ما يبلغ مثله من تقييده وتخصيصه والله لم يحرم على الناس في الإحرام ولا غيره ما يحتاجون إليه حاجة عامة ولا أمر مع هذه الرخصة في الحاجة العامة أن يفسد الإنسان خفه أو سراويله بقطع أو فتق كما أفتى بذلك ابن عباس وغيره ممن سمع السنة المتأخرة وإنما أمر بالقطع أولا ليصير المقطوع كالنعل فأمر بالقطع قبل أن يشرع البدل لأن المقطوع يجوز لبسه مطلقا وإنما قال لمن لم يجد لأن القطع مع وجود النعل إفساد للخف وإفساد للمال من غير حاجة منهي عنه بخلاف ما إذا عدم الخف فلهذا جعل بدلا في هذه الحال لأجل فساد المال
كما في الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
[ إذا قام أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن شماله أو تحت قدمه ] هذه رواية أنس
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة قال: [ رأى النبي صلى الله عليه و سلم نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه ؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد قال هكذا وتفل في ثوبه ووضع بعضه على بعض ]
فأمر بالبصاق في الثوب إذا تعذر لا لأن البصاق في الثوب بدل شرعي لكن مثل ذلك يلوث الثوب من غير حاجة
وفي الاستجمار أمر بثلاثة أحجار فمن لم يجد فثلاث حثيات من تراب لأن التراب لا يتمكن به كما يتمكن بالحجر لا لأنه بدل شرعي ونظائره كثيرة
فدلت نصوصه الكريمة على أن الصواب في هذه المسائل توسعة شريعته الحنيفية وأنه ما جعل على أمته من حرج
وكل قول دلت عليه نصوصه قالت به طائفة من العلماء رضي الله عنهم فلم تجمع الأمة ولله الحمد على رد شيء من ذلك إذ كانوا لا يجتمعون على ضلالة بل عليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرسول وإذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول تبين كمال دينه وتصديق بعضه لبعض وأن من أفتى من السلف والخلف بخلاف ذلك مع اجتهاده وتقواه لله بحسب استطاعته فهو مأجور في ذلك لا إثم عليه وإن كان الذي أصاب الحق فيعرفه له أجران وهو أعلم منه كالمجتهدين في جهة الكعبة
وابن عمر رضي الله عنه كان كثير الحج وكان يفتي الناس في المناسك كثيرا وكان في آخر عمره قد احتاج إليه الناس وإلى علمه ودينه إذ كان ابن عباس مات قبله وكان ابن عمر يفتي بحسب ما سمعه وفهمه فلهذا يوجد في مسائله أقوال فيها ضيق لورعه ودينه رضي الله عنه وأرضاه وكان قد رجع عن كثير منها كما رجع عن أمر النساء بقطع الخفين وعن الحائض أمر أن لا تنفر حتى تودع وغير ذلك وكان يأمر الرجال بالقطع إذ لم يبلغه الخبر الناسخ
وأما ابن عباس فكان يبيح للرجال لبس الخف بلا قطع إذا لم يجدوا النعلين لما سمعه من النبي صلى الله عليه و سلم بعرفات وكذلك كان ابن عمر ينهي المحرم عن الطيب حتى يطوف أتباعا لعمر
وأما سعد وابن عباس وغيرهما من الصحابة فبلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم من طريق عائشة رضي الله عنها: أنه تطيب لحرمه قبل أن يحرم وكله قبل أن يطوف بالبيت فأخذوا بذلك
وكذلك ابن عمر رضي الله عنه كان إذا مات المحرم يرى إحرامه قد انقطع فلما مات ابنه كفنه في خمسة أثواب واتبعه على ذلك كثير من الفقهاء
وابن عباس علم حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم فقال النبي صلى الله عليه و سلم:
[ غسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تقربوه طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ]
فأخذ بذلك وقال: الإحرام باق يجتنب المحرم إذا مات ما يجتنبه غيره وعلى ذلك فقهاء الحديت وغيرهم
وكذلك الشهيد روي عن ابن عمر أنه سئل عن تغسيله فقال: غسل عمر وهو شهيد
والأكثرون بلغهم سنة النبي صلى الله عليه و سلم في شهداء أحد وقوله:
[ زملوهم بكلومهم ودمائهم فإن أحدهم يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون دم والريح ريح مسك ]
الحديث في الصحاح فأخذوا بذلك في شهيد المعركة إذا مات قبل أن يرتث ونظائر ذلك كثيرة
واتفق العلماء على أن المحرم بعقد الإزار إذا احتاج إلى ذلك لأنه إنما ثبت بالعقد
وكره ابن عمر للمحرم أن يعقد الرداء كأنه رأى أنه إذا عقد عقدة صار يشبه القميص الذي ليس له يدان واتبعه على ذلك أكثر الفقهاء فكرهوه كراهة تحريم فيوجبون الفدية إذا فعل ذلك وأما كراهة تنزيه فلا يوجبون الفدية وهذا أقرب
ولم ينقل أحد من الصحابة كراهة عقد الرداء الصغير الذي لا يلتحف ولا يثبت بالعادة إلا بالعقد أو مايشبهه مثل الخلال وربط الطرفين على حقوه ونحو ذلك
وأهل الحجاز أرضهم ليست باردة فكانوا يعتادون لبس الأزر والأردية ولبس السراويل قليل فيهم حتى إن منهم من كان لا يلبس السراويل قط منهم عثمان بن عفان وغيره بخلاف أهل البلاد الباردة لو اقتصروا على الأزر والأردية لم يكفهم ذلك بل يحتاجون إلى القميص والخفاف والفرا والسراويلات
ولهذا قال الفقهاء: يستحب مع الرداء الإزارلأنه يستر الفخذين ويستحب مع القميص السراويل لأنه أستر ومع القميص لا يظهر تقاطيع الخلق والقميص فوق السراويل بستر بخلاف الرداء فوق السراويل فإنه لا يستر تقاطيع الخلق
وأما الرداء فوق السراويل: فمن الناس من يستحبه تشبها بهم ومنهم من لا يستحبه لعدم المنفعة فيه ولأن عادتهم المعروفة لبسه مع الأزار ومن اعتاد الرداء ثبت على جسده بعطف أحد طرفيه وإذا حج من لم يتعود لبسه وكان رداؤه صغيرا لم يثبت إلا بعقده وكانت حاجتهم إلى عقده كحاجة من لم يجد النعلين إلى الخفين فإن الحاجة إلى ستر البدن قد تكون أعظم من الحاجة إلى ستر القدمين والتحفي في المشي يفعله كثير من الناس
وأما إظهار بدنه للحر والبرد والريح والشمس فهذا يضر غالب الناس
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم أمر المصلي بستر ذلك فقال:
[ لا يصلين بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ]
وتجوز الصلاة حافيا فعلم أن ستر هذا إلى الله أحب من ستر القدمين بالنعلين فإذا كان ذلك للحاجة العامة رخص فيه في البدن من غير فدية فلأن يرخص في هذا بطريق الأولى والأحرى
فإن قيل فينبغي أن يرخص في لبس القميص والجبة ونحوهما: لمن لم يجد الرداء
قيل الحاجة تندفع بأن يلتحف بذلك عرضا مع ربطه وعقد طرفيه فيكون كالرداء بخلاف ما إذا لم يمكنه الربط فإن طرفي القميص والجبة ونحوهما لا يثبت على منكبيه وكذلك الأردية الصغار فما وجده المحرم من قميص وما يشبهه كالجبة ومن برنس وما يشبهه من ثياب مقطعة أمكنه أن يرتدي بها إذا ربطها فيجب أن يرخص له في ذلك لو كان العقد في الأصل محظورا وكذلك إن كان مكروها فعند الحاجة تزول الكراهة كما رخص له أن يلبس الهميان لحفظ ماله ويعقد طرفيه إذا لم يثبت إلا بالعقد وهو إلى ستر منكبيه أحوج فرخص له عقد ذلك عند الحاجة بلا ريب
والنبي صلى الله عليه و سلم لم يذكر فيما يحرم على المحرم وما ينهى عنه لفظا عاما يتناول عقد الرداء بل سئل صلى الله عليه و سلم عما يلبس المحرم من الثياب فقال: [ لا يلبس القميص ولا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف إلا من لم يجد نعلين ] الحديث
فنهى عن خمسة أنواع من الثياب التي تلبس على البدن وهي القميص وفي معناه الجبة وأشباهها فإنه لم يرد تحريم هذه الخمسة فقط بل أراد تحريم هذه الأجناس ونبه على كل جنس بنوع منها وذكر ما احتاج المخاطبون إلى معرفته وهو ما كانوا يلبسونه غالبا
والدليل على ذلك: ما ثبت عنه في الصحيحين أنه سئل قبل ذلك عمن أحرم بالعمرة وعليه جبة فقال: [ أنزع عنك الجبة واغسل عنك أثر الخلوق واصنع في عمرتك ما كنت صانعا في حجك ]
وكان هذا في عمرة العقبة فعلم أن تحريم الجبة كان مشروعا قبل هذا ولم يذكرها بلفظها في الحديث
وأيضا فقد ثبت عنه في الصحيحين:[ أنه قال في المحرم الذي وقصته ناقته:
ولا تخمروا رأسه ]
وفي مسلم [ ووجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ]
فنهاهم عن تخمير رأسه لبقاء الإحرام عليه لكونه يبعث يوم القيامة ملبيا كما أمرهم أن لا يقربوه طيبا فعلم أن المحرم ينهى عن هذا وهذا
وإنما في هذا الحديث النهي عن لبس العمائم فعلم أنه أراد النهي عن ذلك وعما يشبهه في تخمير الرأس فذكر ما يخمر الرأس وما يلبس على البدن: كالقميص والجبة وما يلبس عليهما جميعا وهو البرنس
وذكر ما يلبس في النصف الأسفل من البدن وهو السراويل والثياب والتبان في معناه
وكذلك ما يلبس في الرجلين وهو: الخف ومعلوم أن الجرموق والجورب في معناه فهذا ينهى عنه المحرم فكذلك يجوز عليه المسح للحلال والمحرم الذي جاز له لبسه فإن الذي نهى عنه المحرم أمر بالمسح عليه
وهذا كما أنه لما أمر بالاستجمار بالأحجار لم يختص الحجر إلا لأنه كان الموجود غالبا لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره كما هو أظهر الروايتين عن أحمد لنهيه عن الاستجمار بالروث والرمة وقال:
[ إنهما طعام إخوانكم من الجن ]
فلما نهى عن هذين تعليلا بهذه العلة علم أن الحكم ليس مختصا بالحجر وإلا لم يحتج إلى ذلك
وكذلك أمره بصدقة الفطر بصاع من تمر أو شعير هو عند أكثر العلماء لكونه كان قوتا للناس فأهل كل بلد يخرجون من قوتهم وإن لم يكن من الأصناف الخمسة كالذين يقتاتون الرز أو الذرة يخرجون من ذلك عند أكثر العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد
وليس نهيه عن الاستجمار بالروث والرمة إذنا في الاستجمار بكل شيء بل الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهي عنه من طعام الجن وعلف دوابهم ولكن لما كان من عادة الناس أنهم لايتوقون الاستجمار بما نهى عنه من ذلك بخلاف طعام الإنس وعلف دوابهم فإنه لا يوجد من يفعله في العادة الغالبة
وكذلك هذه الأصناف الخمسة نهى عنها وقد سئل ما يلبس المحرم من الثياب وظاهر لفظه أنه أذن فيما سواها لأنه سئل عما يلبس لا عما لا يلبس فلو لم يفد كلامه الإذن فيما سواها لم يكن قد أجاب السائل لكن كان الملبوس المعتاد عندهم مما يحرم على المحرم هذه الخمسة
والقوم لهم عقل وفقه فيعلم أحدهم أنه إذا نهى عن القميص وهو طاق واحد فلأن ينهى عن المبطنة وعن الجبة المحشوة وعن الفروة التي هي كالقميص وما شاكل ذلك بطريق الأولى والأحرى لأن هذه الأمور فيها ما في القميص وزيادة فلا يجوز أن يأذن فيها مع نهيه عن القميص
وكذلك التبان أبلغ من السراويل والعمامة تلبس في العادة فوق غيرها إما قلنسوة أو كلثة أو نحو ذلك فإذا نهى عن العمامة التي لا تباشر الرأس فنهيه عن القلنسوة والكلثة ونحوها مما يباشر الرأس أولى فإن ذلك أقرب إلى تخمير الرأس والمحرم أشعث أغبر
ولهذا قال في الحديث الصحيح - حديث المباهاة - إنه يدنو عشية عرفة فيباهي الملائكة بأهل الموقف فيقول:
[ انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ما أراد هؤلاء ]
وشعث الرأس واغبراره لا يكون مع تخميره فإن المخمر لا يصيبه الغبار ولا يشعث بالشمس والريح وغيرهما ولهذا كان من لبد رأسه يحصل له نوع متعة بذلك يؤمر بالحلق فلا يقصر
ولهذا بخلاف القعود في ظل أو سقف أو خيمة أو شجر أو ثوب يظل به فإن هذا جائز بالكتاب والسنة والإجماع لأن ذلك لا يمنع الشعث ولا الإغبرار وليس فيه تخمير الرأس
وإنما تنازع الناس فيمن يستظل بالمحمل لأنه ملازم للراكب كما تلازمه العمامة لكنه منفصل عنه فمن نهى عنه اعتبر ملازمته له ومن رخص فيه اعتبر انفصاله عنه فأما المنفصل الذي لا يلازم فهذا يباح بالإجماع والمتصل الملازم منهي عنه باتفاق الأئمة
ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر كالذين يقولون إن قوله:
{ فلا تقل لهما أف }
لا يفيد النهي عن الضرب وهو إحدى الروايتين عن داود واختاره ابن حزم وهذا في غاية الضعف بل وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف فما زل السلف يحتجون بمثل هذا
وهذا كما إنه إذا قال في الحديث الصحيح:
[ والذي نفسي بيده لا يؤمن كررها ثلاثا قالوا: من يا رسول الله ؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه ]
فإذا كان هذا بمجرد الخوف من بوائقه فكيف فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه ؟
كما في الصحيح:[ عنه أنه قيل له: أي الذنب أعظم ؟
قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك
قيل: ثم ماذا ؟
قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك
قيل: ثم أي ؟
قال: أن تزاني بحليلة جارك ]
ومعلوم أن الجار لا يعرف هذا في العادة فهذا أولى بسلب الإيمان ممن لا تؤمن بوائقه ولم يفعل مثل هذا
وكذلك إذا قال:
{ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }
فإذا كان هؤلاء لا يؤمنون فالذين يحكمونه ويرون حكمه وإن لم يجدوا حرجا مما قضى لاعتقادهم أن غيره أصح منه أو أنه ليس بحكم سديد [ أشد وأعظم ]
وكذلك إذا قال:
{ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله }
فإذا كان بموادة المحاد لا يكون مؤمنا فأن لا يكون مؤمنا إذا حاد بطريق الأولى والأحرى
وكذلك إذا نهى الرجل أن يستنجي بالعظم والروثة لأنهما طعام الجن وعلف دوابهم فإنهم يعلمون أن نهيه عن الاستنجاء بطعام الإنس وعلف دوابهم أولى وإن لم يدل ذلك اللفظ عليه
وكذلك إذا نهى عن قتل الأولاد مع الإملاق فنهيه عن ذلك مع الغنى واليسار أولى وأحرى
فالتخصص بالذكر قد يكون للحاجة إلى معرفته وقد يكون المسكوت عنه أولى بالحكم فتخصيص القميص دون الجباب والعمائم دون القلانس والسراويل دون التباين هو من هذا الباب لا لأن كل ما لا يتناوله اللفظ فقد أذن فيه
وكذلك أمره بصب دلو من ماء على بول الأعرابي مع ما فيه من اختلاط الماء بالبول وسريان ذلك لكن قصد به تعجيل التطهير لا لأن النجاسة لا تزول بغير ذلك بل الشمس والريح والاستحالة تزيل النجاسة أعظم من هذا
ولهذا كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك
وكذلك اتفق الفقهاء على أن من توضأ وضوءا كاملا ثم لبس الخفين جاز له المسح بلا نزاع ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم فعل بالأخرى مثل ذلك ففيه قولان هما روايتان عن أحمد:
إحداهما: يجوز المسح وهو مذهب أبي حنيفة
والثانية: لا يجوز وهو مذهب مالك والشافعي
قال هؤلاء: لأن الواجب إبتداء اللبس على الطهارة فلو لبسهما وتوضأ وغسل رجليه فيهما لم يجز له المسح حتى يخلع ما لبس قبل تمام طهرهما فيلبسه بعده
وكذلك في تلك الصورة قالوا: يخلع الرجل الأولى ثم يدخلها في الخف واحتجوا بقوله:
[ إني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان ]
قالوا: وهذا أدخلهما وليستا طاهرتين والقول الأول هو الصواب بلا شك واذا جاز المسح لمن توضأ خارجا ثم لبسهما فلأن يجوز لمن توضأ فيهما بطريق الأولى فإن هذا فعل الطهارة فيهما واستدامها فيهما وذلك فعل الطهارة خارجا عنهما وإدخال هذا قدميه الخف مع الحدث وجوده كعدمه لا ينفعه ولا يضره وإنما الاعتبار بالطهارة الموجودة بعد ذلك فإن هذا ليس بفعل محرم كمس المصحف مع الحدث
وقول النبي صلى الله عليه و سلم: [ إني أدخلتهما الخف وهما طاهرتان ] حق فإنه بين أن هذا علة لجواز المسح فكل من أدخلهما طاهرتين فله المسح وهو لم يقل: أن من لم يفعل ذلك لم يمسح لكن دلالة اللفظ عليه بطريق المفهوم والتعليل فينبغي أن ينظر حكمة التخصيص هل بعض المسكوت أولى بالحكم ؟
ومعلوم أن ذكر إدخالهما طاهرتين لأن هذا هو المعتاد وليس غسلهما في الخفين معتادا وإلا فإذا غسلهما في الخف فهو أبلغ وإلا فأي فائدة في نزع الخف ثم لبسه من غيرإحداث شيء فيه منفعة ؟ وهل هذا إلا عبث محض ينزه الشارع عن الأمر به ؟
ولو قال الرجل لغيره: أدخل مالي وأهلي إلى بيتي وكان في بيته بعض أهله وماله هل يؤمر بأن يخرجه ثم يدخله ؟
ويوسف لما قال لأهله { ادخلوا مصر إن شاء الله }
وقال موسى { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة }
وقال الله تعالى: { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين }
فإذا قدر أنه كان بمصر بعضهم أو كان بالأرض المقدسة بعض أو كان بعض الصحابة قد دخل الحرم قبل ذلك هل كان هؤلاء يؤمرون بالخروج ثم الدخول ؟ !
فإذا قيل: هذا لم يقع قيل: وكذلك غسل الرجل قدميه في الخف ليس واقعا في العادة فلهذا لم يحتج إلى ذكره ليس لأنه إذا فعل يحتاج إلى إخراج وإدخال فهذا وأمثاله من باب الأولى
وقد تنازع العلماء فيما إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار أو استجمر بمنهي عنه: كالروث والرمه وباليمين هل يجزئه ذلك ؟ والصحيح: أنه إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار فعليه تكميل المأمور به وأما إذا استجمر بالعظم واليمين فإنه يجزئه فإنه قد حصل المقصود بذلك وان كان عاصيا والإعادة لا فائدة فيها ولكن قد يؤمر بتنظيف العظم مما لوثه به
كما لو كان عنده خمر فأمر بإتلافها فأراقها في المسجد فقد حصل المقصود من إتلافها لكن هو آثم بتلويث المسجد فيؤمر بتطهيره بخلاف الاستجمار بتمام الثلاث فإن فيه فعل تمام المأمور وتحصيل المقصود