فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الوجه السبعون: إن الأصل الذي يقاس عليه وشبه به من الإمكان وهو العلم أصل غير مدلول عليه فمن أين لهم أن الباري ليس له إلا علم واحد لا يتبعض ولا يتعدد وهذا لم ينطق به كتاب ولا سنة ولا قاله إمام من أئمة المسلمين فضلا عن أن يكون ثابتا بإجماع ولا قام عليه دليل عقلي وقد قال الله في كتابه: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } فأخبر أنه يحاط ببعض علمه لا بكله وقال في كتابه: { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم }
وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذه الآية وغيرها على أن القرآن من علم الله فجعلوه بعض علم الله فمن الذي يقول أن علم الله ليس له بعض ولا جزء
واعلم أنه ليس لهم في المسألة عمدة إلا ما اعتمد عليه إمام القوم القاضي أبو بكر بن الباقلاني فإنه اعتمد فيها إجماعا ادعاه وهو في غير موضع يدعى إجماعات لا حقيقة لها كدعواه إجماع السلف على صحة الصلاة في الدار المغضوبة بكونهم لم يأمروا الظلمة بالإعادة ولعله لا يقدر أن ينقل عن أربعة من السلف أنهم استفتوا في إعادة الظلمة ما صلوه في مكان مغصوب فأفتوهم بأجزاء الصلاة لكن أهل الكلام كثيروا الاحتجاج من المعقول والمنقول بالحجج الداحضة ولهذا كثر ذم السلف لهم قال أبو عبد الله الرازي لما تكلم على وحدة علم الله وقدرته
فقال: الفصل الأول: في وحدة علم الله وقدرته نقل إمام الحرمين في الشامل عن أبي سهل الصعلوكي منا أنه تعالى عالم بعلوم غير متناهية وذهب جمهور الأصحاب إلى أنه تعالى عالم بعلم واحد قادر بقدرة واحدة مريد بإرادة واحدة
قال: واعلم أن القاضي أبا بكر عول في هذه المس ألة على الإجماع فقال القائل قائلان قائل يقول الله تعالى عالم بالعلم قادر بالقدرة وقائل يقول ليس الله عالما بالعلم ولا قادرا بالقدرة وكل من قال بالقول الأول قال أنه عالم بعلم واحد قادر بقدرة واحدة فلو قلنا أنه سبحانه عالم بعلمين أو أكثر كان ذلك قولا ثالثا خارقا للإجماع وأنه باطل
قال وأما الصعلوكي فهو مسبوق بهذا الإجماع فيكون حجة عليه قلت هذا الإجماع مركب من جنس الإجماع الذي احتج به الرازي على قدم المعنى الذي ادعوه أنه هو الكلام وليس في ذلك إجماع أصلا وإنما هو إجماع المعتزلة والأشعرية لو صح فكيف وقد حكى أبو خاتم التوحيدي عن الأشعري نفسه أنه كان يثبت علوما لا نهاية لها والسلف الذين أثبتوا علم الله وقدرته ليس مقصودهم بذلك ما يقصده هؤلاء من أنه لا بعض له بل قد صرحوا بأنه يعلم بعض علم الله ولا يعلم بعضه وكل من لم يوافقهم على ما ادعوه من نفي التبعيض الذي اختصوا بنفيه كالذين خالفوهم من المرجئة والشيعة والكرامية وغيرهم فإنهم يخالفوهم في ذلك وكذلك جماعة أهل الحديث والفقهاء والصوفية وهذا الذي اعتمده إمام الطائفة ولسانها القاضي أبو بكر من أنه لا يمكن إثبات وحدة العلم إلا بالإجماع الذي ادعاه يبين لك أنه ليس في العقل ما يمنع تعدد علمه وقدرته وكلامه وسائر صفاته وكذلك أقر بذلك أبو المعالي و الرازي وغيرهم من حذاق القوم فإن كلام ابن فورك قد يشعر بأن العقل يوجب اتحاد ذلك وقد بينا فساد ذلك