فصل
وأما قول السائل: لم كانت موجبة لكشف الضر ؟ فذلك لأن الضر لا يكشفه إلا الله كما قال تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله } والذنوب سبب للضر والاستغفار يزيل أسبابه كما قال تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } فأخبر أنه سبحانه لا يعذب مستغفرا وفي الحديث: [ من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ] وقال تعالى: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير }
فقوله: { إني كنت من الظالمين } اعتراف بالذنب وهو استغفار فإن هذا الاعتراف متضمن طلب المغفرة
وقوله: { لا إله إلا أنت } تحقيق لتوحيد الإلهية فإن الخير لا موجب له إلا مشيئة الله فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والمعوق له من العبد هو ذنوبه وما كان خارجا عن قدرة العبد فهو من الله وإن كانت أفعال العباد بقدر الله تعالى لكن الله جعل فعل المأمور وترك المحظور سببا للنجاة والسعادة فشهادة التوحيد تفتح باب الخير والاستغفار من الذنوب يغلق باب الشر
ولهذا ينبغي للعبد أن لا يعلق رجاءه إلا بالله ولا يخاف من الله أن يظلمه فإن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون بل يخاف أن يجزيه بذنوبه وهذا معنى ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه
وفي الحديث المرفوع: إلى النبي صلى الله عليه و سلم: [ أنه دخل على مريض فقال: كيف تجدك ؟ فقال أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال: ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف ]
فالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا عمله فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك وإن كان الله قد جعل لها أسبابا فالسبب لا يستقل بنفسه بل لا بد له من معاون ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى
ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ولهذا قال الله تعالى: { فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب } فأمر بأن تكون الرغبة إليه وحده وقال: { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو حاله أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع توكل على ذلك السبب وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك: { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق }
وكذلك المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب كما قال تعالى: { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } وقد فسر النبي صلى الله عليه و سلم الظلم هنا بالشرك ففي الصحيح: [ عن ابن مسعود أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم: إنما هذا الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ( إن الشرك لظلم عظيم ؟ ) ] وقال تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب * إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار } وقال تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا }
ولهذا يذكر الله الأسباب ويأمر بأن لا يعتمد عليها ولا يرجى إلا الله قال تعالى لما أنزل الملائكة: { وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } وقال: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون }
وقد قدمنا أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة وكلاهما لا يصلح إلا لله فمن جعل مع الله إلها آخر قعد مذموما مخذولا والراجي سائل طالب فلا يصلح أن يرجو إلا الله ولا يسأل غيره ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح: [ ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذوه ومالا فلا تتبعه نفسك ]
فالمشرف الذي يستشرف بقلبه والسائل الذي يسأل بلسانه وفي الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري [ قال: أصابنا فاقة فجئت رسول الله صلى الله عليه و سلم لأسأله فوجدته يخطب الناس وهو يقول: أيها الناس والله ! مهما يكن عندنا من خير فلن ندخره عنكم وأنه من يستغن يغنه الله ومن يستعفف بعفه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي عطاء خيرا وأوسع من الصبر ]