ثم إنكم أظهرتم للمسلمين مخالفة المعتزلة في مسألة الرؤية والقرآن ووافقتم أهل السنة على إظهار القول بأن الله يرى في الآخرة وأن القرآن كلام الله غير مخلوق والقول بأن الله لا يرى في الآخرة وأن القرآن مخلوق من البدع القديمة التي أظهرها الجهمية المعتزلة وغيرهم في عصر الأئمة حتى امتحنوا الإمام أحمد وغيره بذلك
ووافقتم المعتزلة على نفيهم وتعطيلهم الذي ما كانوا يجترئون على إظهاره في زمن السلف والأئمة وهو قولهم إن الله لا داخل العالم ولا خارجه وأنه ليس فوق السموات رب ولا على العرش إله فإن هذه البدعة الشنعاء والمقالة التي هي شر من كثير من اليهود والنصارى لم يكن يظهرها أحد من المعتزلة للعامة ولا يدعو عموم الناس إليها وإنما كان السلف يستدلون على أنهم يبطنون ذلك بما يظهرونه من مقالاتهم فموافقتكم للمعتزلة على ما أسروه من التعطيل والإلحاد الذي هو أعظم مخالفة للشرع والعقل مما خالفتموه فيه في مسألة الرؤية والقرآن فإن كل عاقل يعلم أن دلالة القرآن على علو الله على عرشه أعظم من دلالته على أن الله يرى وليس في القرآن آية توهم المستمع أن الله ليس داخل العالم ولا خارجه وفيه ما يوهم بعض الناس نفي الرؤية ولكن يعارضون آيات العلو الكثيرة الصريحة بما يتوهم أنه يدل على أنه بذاته في كل مكان وأنتم لا تقولون لا بهذا ولا بهذا فلم يكن معكم على هذا النفي آية تشعر بمذهبكم فضلا من أن تدل عليه نصا أو ظاهرا ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا قول صاحب ولا تابع ولا إمام وإنما غايتكم أن تتمسكوا بأثر مكذوب كما تذكرونه عن علي أنه قال: الذي أين الأين لا يقال له أين وهذا من الكذب على باتفاق أهل العلم لا إسناد له وكذلك حديث الملائكة الأربعة مع أن ذلك لا حجة فيه لكم وكذلك القول بأن القرآن مخلوق فيه من الشبهة ما ليس في نفس علو الله على عباده ولهذا كان في فطر جميع الأمم الإقرار بعلو الله على خلقه
وأما كونه يرى أو لا يرى أو يتكلم أو يتكلم فهذا عندهم ليس في الظهور بمنزلة ذاك فوافقتم الجهمية المعتزلة وغيرهم على ما هو أبعد من العقل والدين مما خالفتموهم فيه ومعلوم اتفاق سلف الأمة وأئمتها على تضليل الجهمية من المعتزلة وغيرهم بل قد كفروهم وقالوا فيهم ما لم يقولوه في أحد من أهل الأهواء أخرجوهم عن الاثنين وسبعين فرقة وقالوا: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية
فكنتم فيما وافقتم فيه الجهمية من المعتزلة وغيرهم وما خالفتموهم في كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض ولكن هو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان وأوجب ذلك فسادين عظيمين:
أحدهما: تسلط المعتزلة ونحوهم عليكم فإنكم لما وافقتموهم على هذا التعطيل بقي بعد ذلك إثباتكم للرؤية ولكون القرآن غير مخلوق قولا باطلا في العقل عند جمهور العقلاء وانفردتم من جميع طوائف الأمة بما ابتدعتموه في مسألة الكلام والرؤية وقويت المعتزلة بذلك عليكم وعلى أهل السنة
وإن كنتم قد رددتم على المعتزلة حتى قيل: إن الأشعري حجرهم في قمع السمسمة فهذا أيضا صحيح بما أبداه من تناقض أصولهم فإنه كان خبيرا بمذاهبهم إذ كان من تلامذة أبي علي الجبائي وقرأ عليه أصول المعتزلة أربعين سنة ثم لما انتقل إلى طريقة أبي محمد عبد الله بن مسعود بن كلاب وهي أقرب إلى السنة من طريقة المعتزلة فإنه يثبت الصفات والعلو ومباينة الله للمخلوقات ويجعل العلو يثبت بالعقل فكان الأشعري لخبرته بأصول المعتزلة أظهر من تناقضها وفسادها ما قمع به المعتزلة وبما أظهره من تناقض المعتزلة والرافضة والفلاسفة ونحوهم صار له من الحرمة والقدر ما صار له فإن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
لكن الأشعري قصر عن طريقة ابن كلاب وأنتم خالفتم ابن كلاب والأشعري فنفيتم الصفات الخبرية ونفيتم العلو وخياركم يجعله من الصفات السمعية مع أن ابن كلاب كان مبتدعا عند السلف بما قاله في مسألة القرآن ؟ وفي إنكار الصفات الفعلية القائمة بذات الله
ثم إن المعتزلة وإن انقمعوا من هذا الوجه فإنهم طمعوا وقووا من وجه آخر بموافقتكم لهم على أصول النفي والتعطيل فصار ذلك معزيا لفضلائهم بلزوم مذهبهم فإن كل من فهم مذهبكم الذي خالفتم فيه المعتزلة على أن ما ذكرتموه قول فاسد أيضا وإن كان قول المعتزلة فاسدا ونشأ الفساد
الثاني: وهو أن الفضلاء إذا تدبروا حقيقة قولكم الذي أظهرتم فيه خلاف المعتزلة وجدوكم قريبين منهم أو موافقين لهم في المعنى كما في مسألة الرؤية فإنكم تتظاهرون بإثبات الرؤية والرد على المعتزلة ثم تفسرونها بما لا ينازع المعتزلة في بيانه ولهذا قال من قال من الفضلاء في الأشعري: إن قوله قول المعتزلة ولكنه عدل عن التصريح إلى التمويه
وكذلك قولكم في مسألة القرآن فإنه لما اشتهر عند الخاص والعام أن مذهب السلف والأئمة أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنهم أنكروا على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين قالوا إنه مخلوق حتى كفروهم وصبر الأئمة على امتحان الجهمية مدة استيلائهم حتى نصر الله أهل السنة وأطفأ الفتنة فتظاهرتم بالرد على المعتزلة وموافقة السنة والجماعة انتسبتم إلى أئمة السنة في ذلك
وعند التحقيق: فأنتم موافقون للمعتزلة من وجه ومخالفوهم من وجه وما اختلفتم فيه أنتم وهم فأنتم أقرب إلى السنة من وجه وهم أقرب إلى السنة من وجه وقولهم أفسد في العقل والدين من وجه وقولكم أفسد في العقل والدين من وجه
ذلك أن المعتزلة قالوا: إن كلام الله مخلوق منفصل عنه والمتكلم من فعل الكلام وقالوا: إن الكلام هو الحروف والأصوات والقرآن الذي نزل به جبريل هو كلام الله وقالوا: الكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر وهذه أنواع الكلام لا صفاته والقرآن غير التوراة والتوراة غير الإنجيل وأن الله سبحانه يتكلم بما شاء
وقلتم أنتم: وإن الكلام معنى واحد قديم قائم بذات المتكلم هو الأمر والنهي والخبر وهذه صفات الكلام لا أنواعه فإن عبر عن ذلك المعنى بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا والحروف المؤلفة ليست من الكلام ولا هي كلام والكلام الذي نزل له جبريل من الله ليس كلام الله بل حكاية عن كلام الله كما قاله ابن كلاب أو عبارة عن كلام الله كما قاله الأشعري
ولا ريب أنكم خير من المعتزلة حيث جعلتم المتكلم من قام به الكلام وإن لم يقم به الكلام لا يكون متكلما به كما أن من لم يقم به العلم والقدرة والحياة لا يكون عالما به ولا قادرا بها ولا حيا بهما وأنه لو كان الكلام مخلوقا في جسم من الأجسام لكان ذلك الجسم هو المتكلم به فكانت الشجرة هي القائلة لموسى: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } فهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها ومن قال: إن المتكلم من فعل الكلام لزمه أن يكون كل كلام خلقه الله في محل كلاما له فيكون إنطاقه للجلود كلاما له بل يكون إنطاقه لكل ناطق كلاما له وإلى هذا ذهب الاتحادية من الجهمية الحلولية الذين يقولون إن وجوده عين الموجودات فيقول قائلهم: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظمه
لكن المعتزلة أجود منكم حيث سموا هذا القرآن الذي نزل به جبريل كلام الله كما يقوله سائر المسلمين وأنتم جعلتموه كلاما مجازا ومن جعله منكم حقيقة وجعل الكلام مشتركا كأبي المعالي وأتباعه انتقضت قاعدته في أن المتكلم بالكلام من قام به ولم يمكنكم أن تقولوا بقول أهل السنة فإن أهل السنة يقولون: الكلام كلام من قاله مبتدئا لا كلام من قاله مبلغا مؤديا فالرجل إذا بلغ قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ] كان قد بلغ كلام النبي صلى الله عليه و سلم بحركاته وأصواته وكذلك إذا أنشد شعر شاعر كامرئ القيس أو غيره فإذا قال:
( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل )
كان هذا الشعر شعر امرئ القيس وإن كان هذا قد قاله بحركاته وأصواته وهذا أمر مستقر في فطر الناس كلهم يعلمون أن الكلام كلام من تكلم به مبتدئا آمرا بأمره ومخبرا بخبره ومؤلفا حروفه ومعانيه وغيره إذا بلغه عنه علم الناس أن هذا كلام للمبلغ عنه لا للمبلغ
وهم يفرقون بين أن يقوله المتكلم به والمبلغ عنه وبين سماعة من الأول وسماعه من الثاني ولهذا كان من المستقر عند المسلمين أن القرآن الذي يسمعونه هو كلام الله كما قال الله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } مع علمهم بأن القارئ يقرأه بصوته كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ زينوا القرآن بأصواتكم ] فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ وإن كان من المعتزلة من يجعل كلام الثاني حكاية لكلام الأول
وينازع المعتزلة في الحكاية: هل هي المحكي كما يقول الجبائي أو غيره كما يقول ابنه ؟ على قولين
والتحقيق: أن الحاكي لكلام غيره ليس هو المبلغ له فإن الحاكي له بمنزلة المتمثل به الذي يقوله لنفسه موافقا لقائله الأول بخلاف المبلغ له الذي يقصد أن يبلغ كلام الغير
وللنية تأثير في مثل هذا فإن من قال: الحمد لله رب العالمين بقصد القراءة لم يكن ذلك مع الجنابة بخلاف من قالها بقصد ذكر الله وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع
والمقصود أنكم لم يمكنكم أن تقولوا ما يقوله المسلمون لأن حروف القرآن ونظمه ليس هو عندكم كلام الله بل ذلك عندكم مخلوق: أما في الهواء وإما في نفس جبريل وأما في غير ذلك فاتفقتم أنتم والمعتزلة على أن حروف القرآن ونظمه مخلوق لكن قالوا هم: ذلك كلام الله وقلتم أنتم: ليس كلام الله ومن قال منكم إنه كلام الله انقطعت حجته على المعتزلة فصارت المعتزلة خيرا منكم في هذا الموضع وهذه الحروف والنظم الذي يقرأه الناس هو حكاية تلك الحروف والنظم المخلوق عندكم كما يقوله المعتزلة وهي عبارة عن المعنى القائم بالذات
ولهذا كان ابن كلاب يقول: إن هذا القرآن حكاية عن المعنى القديم فخالفه الأشعري لأن الحكاية تشبه المحكي وهذا حروف وذلك معنى
وقال الأشعري: بل هذا عبارة عن ذلك لأن العبارة لا تشبه المعبر عنه
وكلا القولين خطأ فإن القرآن الذي نقرأه فيه حروف مؤلفة وفيه معان فنحن نتكلم بالحروف بألسنتنا ونعقل المعاني بقلوبنا ونسبة المعاني القائمة بقلوبنا إلى المعنى القائم بذات الله كنسبة الحروف التي ننطق بها إلى الحروف الخلوقة عندكم
فإن قلتم: إن هذا حكاية عن كلام الله لم يصح لأن كلام الله معنى مجرد عندكم وهذا فيه حروف ومعان
وإن قلتم: إنه عبارة لم يصح لأن العبارة هي اللفظ الذي يعبر به عن المعنى وهنا حروف ومعان يعبر بها عن المعنى القديم عندكم
وإن قلتم: هذه الحروف وحدها عبارة عن المعنى بقيت المعاني القائمة بقلوبنا وبقيت الحروف التي عبر بها أولا عن المعنى القائم بالذات التي هذه الحروف المنظومة نظيرها عندكم لم تدخلوها في كلام الله فالمعتزلة في قولها بالحكاية أسعد منكم في قولكم بالحكاية وبالعبارة
وأصل هذا الخطأ أن المعتزلة قالوا: إن القرآن بل كل كلام هو مجرد الحروف والأصوات و قلتم أنتم: بل هو مجرد المعاني ومن المعلوم عند الأمم أن الكلام اسم للحروف وللمعاني وللفظ والمعنى جميعا كما أن اسم الإنسان اسم للروح والجسد وإن سمي المعنى وحده حديثا أو كلاما أو الحروف وحدها حروفا أو كلاما فعند التقييد و القرينة
وهذا مما استطالت المعتزلة عليكم به حيث أخرجتم الحروف المؤلفة عن أن تكون من الكلام فإن هذا مما أنكره عليكم الخاص والعام: وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به ] [ قال له معاذ: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ] ؟ ! وشواهد هذا بكثير
ثم إنكم جعلتم معاني القرآن معنى واحدا مفردا وهو الأمر بكل ما أمر الله به والخبر عن كل ما أخبر الله به وهذا مما اشتد إنكار العقلاء عليكم فيه وقالوا إن هذا من السفسطة المخالفة لصرائح العقول
وأنتم تنكرون على من يقول: إن الله يتكلم بحروف وأصوات قديمة أزلية ومعلوم أن ما قلتموه أبعد عن العقل والشرع من هذا وإن كان العقلاء قد أنكروا هذا أيضا لكن قولكم أشد نكرة بل قولكم أبعد من قول النصارى الذين يقولون باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد
ثم أعجب من هذا أنكم تقولون: إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن وبالعبرية كان هو التوراة وبالسريانية كان هو الإنجيل ومن المعلوم بالاضطرار لكل عاقل أن التوراة إذا عربت لم تكن معانيها معاني القرآن وإن القرآن إذا ترجم بالعبرية لم تكن معانيه معاني التوراة
ثم إن منكم من جعل ذلك المعنى يسمع ومنكم من قال لا يسمع وجعلتم تكليم الله لموسى من جنس الإلهام الذي يلهم غيره حيث قلتم: خلق في نفسه لطيفة أدرك بها الكلام القائم بالذات وقد قال تعالى: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما } ففرق سبحانه بين إيحائه إلى موسى وبين تكليمه لموسى
وقال تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء } ففرق بين إيحائه - سبحانه - وبين تكليمه من وراء حجاب
والأحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بتخصيص موسى بتكليم الله إياه دون إبراهيم وعيسى ونحوهما وعلى قولكم: لا فرق بل قد زعم من زعم من أئمتكم أن الواحد من غير الأنبياء يسمع كلام الله كما سمعه موسى بن عمران فمن حصل له إلهام في قلبه جعلتموه قد كلمه الله كما كلم موسى بن عمران
ومعلوم أن المعتزلة لم يصلوا في الإلحاد إلى هذا الحد بل من قال: إن الله خص موسى بأن خلق كلاما في الهواء سمعه كان أقل بدعة ممن زعم أنه لم يكلمه إلا بأن أفهمه معنى أراده
بل هذا قريب إلى قول المتفلسفة الذين يقولون: ليس لله كلام إلا ما في النفوس وأنه كلم موسى من سماء عقله لكن يفارقونها بإثبات المعنى القديم القائم بذات الله أيضا
فجعلتم ثبوت القرآن في المصاحف مثل ثبوت الله فيها قلتم: قوله تعالى: { إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون } بمنزلة قوله تعالى: { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } ومعلوم أن المذكور في التوراة هو اسمه وأن الله إنما يكتب في المصحف اسمه فأسماؤه بمنزلة كلامه لا أن ذاته بمنزلة كلامه