فصل
إذا تبين ذلك: فمعلوم أن هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلا عظيما وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان وهم ينقسمون فيه إلى: عام وخاص ولهذا كانت ربوبية الرب لهم فيها عموم وخصوص ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتفش إن أعطى رضي وإن منع سخط ] فسماه النبي صلى الله عليه و سلم عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة
وذكر ما فيه دعاء وخير وهو قوله: [ تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتفش ] والنفش: إخراج الشوكة من الرجل والمنقاش: ما يخرج به الشوكة وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه وهذه حال من عبد المال وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطى رضي وإذا منع سخط كما قال تعالى: { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو رقيق له إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته فما استرق القلب واستعبده فهو عبده ولهذا يقال:
( العبد حر ما قنع ... والحر عبد ما طمع )
وقال القائل:
( أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرا )
ويقال: الطمع غل في العنق قيد في الرجل فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الطمع فقر واليأس غنى وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه ولا يطمع به ولا يبقى قلبه فقيرا إليه ولا إلى من يفعله وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه تعلق قلبه به فصار فقيرا إلى حصوله وإلى من يظن أنه سبب في حصوله وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك قال الخليل صلى الله عليه و سلم: { فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون }
فالعبد لا بد له من رزق محتاج إلى ذلك فإذا طلب رزقه من الله صار عبدا لله فقيرا إليه وإن طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه
ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل وإنما أبيحت للضرورة وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد: كقوله صلى الله عليه و سلم: [ لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ] وقوله: [ من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو كدوحا في وجهه ] وقوله: [ لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دمع موجع أو فقر مدقع ] هذا المعنى في الصحيح وفيه أيضا: [ لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ] وقال: [ ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك ] فكره أخذه من سؤال اللسان واستشراف القلب وقال في الحديث الصحيح: [ من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ]
وأوصى خواص أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا وفي المسند: أن أبا بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئا
وفي صحيح مسلم وغيره: عن عوف بن مالك [ أن النبي صلى الله عليه و سلم بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية: أن لا تسألوا الناس شيئا فكان بعض أولئك النفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا يقول لأحد ناولني إياه ]
وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع كقوله تعالى: { فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب } وقول النبي صلى الله عليه و سلم لابن عباس: [ إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ] ومنه قول الخليل: { فابتغوا عند الله الرزق } ولم يقل فابتغوا الرزق عند الله لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر كأنه قال لا تبتغوا الرزق إلا عند الله وقد قال تعالى: { واسألوا الله من فضله } والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه ودفع ما يضره وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله فله أن يسأل وإليه يشتكي كما قال يعقوب عليه السلام: { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله }
والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل و الصفح الجميل و الصبر الجميل