فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51998 من 346740

أحدهما: إنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتركب وربما قال بعضهم هذا تفسير الاسم الواحد وهذه الوحدانية هي التي ذكروها هنا إذ ليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض وأنه لا يكون إلهين اثنين ونحو ذلك مما يقول نحوا منه النصارى والمشركون فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسلمون وهو حق لا ريب فيه وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ولا يرى منه شيء دون شيء ولا يدرك منه شيء دون شيء ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يمكن أن يشار منه إلى شيء دون شيء بحيث أنه ليس له في نفسه حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء أو يرى عباده منها شيئا دون شيء بحيث إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء فإن ذلك غير ممكن عندهم ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم عن رؤيته فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون ولا أن يكون على وجهه حجاب أصلا ولا أن يكون بحيث يلقاه العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقر إليه في الحقيقة فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم ويسمون ذلك نفي التجسيم إذ كل ما ثبت له ذلك كان جسما منقسما مركبا والباري منزه عندهم عن هذه المعاني

والمعنى الثاني: من معاني الواحد عندهم هو الذي لا شبيه له وهذه الكلمة أقرب إلى الإسلام لكن أجملوها فجعلوا نفي الصفات أو بعضها داخلا في نفي التشبيه واضطربوا في ذلك على درجات لا تنضبط

والمعتزلة تزعم أن نفي العلم والقدرة وغير ذلك من التوحيد ونفي التجسيم والتشبيه والصفاتية تقول ليس ذلك من التوحيد ونفي التجسيم والتشبيه ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك لكن وافقوا أولئك على أن ما نفوه من التشبيه وما نفوه من المعنى الذي سموه تجسيما وهو التوحيد الذي لا يتم الدين إلا به وهو أصل الدين عندهم وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه الأمور ولا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم والصحابة والتابعون بل يعلم بالاضطرار أن الذي جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدا ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك

كما روى الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي في ذم الكلام قال سمعت عبد الرحمن بن جابر السلمي قال سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام فقال إني أكره هذا بل أنهي عنه كما نهى عنه الشافعي ولقد سمعت الشافعي يقول سئل مالك عن الكلام في التوحيد قال مالك محال أن يظن بالنبي صلى الله عليه و سلم أنه علم أمته الاستنجاد ولم يعلمهم التوحيد بالتوحيد ما قاله النبي صلى الله عليه و سلم [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ] فما عصم به الدم والمال فهو حقيقة التوحيد ذلك شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب ذم الكلام والشيخ أبو الحسن الكرخي في كتاب الفصول في الأصول

وروى أيضا أبو عبد الرحمن السلمي ومن طريقة شيخ الإسلام حدثنا محمد بن محمود الفقيه بمرو حدثنا محمد بن عمير حدثنا أبو يحيى زكريا بن أيوب العلاف النجيبي بمصر حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا أشهب بن عبد العزيز سمعت مالك بن أنس يقول إياكم والبدع قيل يا أبا عبد الله وما البدع قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان

ورويا أيضا ما ذكره أيضا الشيخ أبو عبد الرحمن حدثنا محمد بن جعفر بن مطر سمعت شكرا سمعت أبا سعيد البصري سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول دخلت على مالك وعنده رجل يسأله عن القرآن فقال لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدل على باطل وهذا صريح في رد الكلام والتوحيد الذي كان تقوله المعتزلة والجهمية وليس له أصل عن الصحابة والتابعين بخلاف ما روي من الآثار الصحيحة في الصفات والتوحيد عن الصحابة والتابعين فإن ذلك لم ينكروه إنما أنكروا الكلام والتوحيد المبتدع في أسماء الله وصفاته وكلامه

وقال أبو عبد الرحمن حدثنا أبو القاسم بن مستويه حدثنا حامد بن رستم حدثنا الحسين بن مطيع حدثنا إبراهيم بن رستم عن نوح الجامع قال قلت لأبي حنيفة ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام فقال مقالات الفلاسفة عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة

وقال حدثنا عبد الله بن أحمد بن سعيد البخاري سمعت سعيد بن الأحنف سمعت الفتح بن علوان سمعت أحمد بن الحجاج سمعت محمد بن الحسين صاحب أبي حنيفة يقول: قال أبو حنيفة لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم من الكلام وكان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام

وقال شيخ الإسلام أبو الفضل الحادودي أنبأ إبراهيم بن محمد حدثنا زكريا بن يحيى سمعت محمد بن إسماعيل يقول سمعت الحسين بن علي الكرانيسي يقول شهدت الشافعي ودخل عليه بشر المريسي فقال لبشر أخبرني عما تدعو إليه أكتاب ناطق وفرض مفترض وسنة قائمة ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال فقال بشر لا إلا أنه لا يسعنا خلافه فقال الشافعي أقررت على نفسك بالخطأ فأين أنت من الكلام في الفقه والأخبار يواليك الناس عليه وتترك هذا قال لنا نتهمه فيه فلما خرج بشر قال الشافعي لا يفلح

وروى شيخ الإسلام عن المزني وعن الربيع قال المزني سمعت الشافعي يقول للربيع يا ربيع اقبل مني ثلاثة أشياء: لا تخوض في أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن خصمك النبي صلى الله عليه و سلم يوم القيامة ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام عن التعطيل زاد المزني ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل وهذا التوحيد الذي يذكره هؤلاء مأخوذ من قول بشر المريسي وذويه: وهذا التوحيد الذي ذكروه هو التعطيل بعينه فإنه لا يصلح أن يكون إلا صفة للمعدوم وقال أبو عبد الرحمن السلمي أيضا رأيت بخط أبي عمرو بن مطر قول سئل ابن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات فقال بدعة ابتدعوها ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب وأئمة الدين مثل مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق ويحيى بن يحيى وابن المبارك ومحمد بن يحيى وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف يتكلمون في ذلك بل كانوا ينهون عن الخوض فيه ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة فإياك والخوض فيه والنظر في كتبهم بحال

قلت: وقول ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة الكلام في الأسماء والصفات هو نظير ما نهى عنه مالك من الكلام في الأسماء والصفات وهو هذا التوحيد الذي ابتدعته الجهمية وأتباعها فإن ابن خزيمة له كتاب مشهور في التوحيد يذكر فيه صفات الله التي نطق بها كتابه وسنة رسوله

قال عبد الرحمن سمعت أبي يقول قلت لأبي العباس ابن سريج ما التوحيد قال توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعرض والأجسام وإنما بعث النبي صلى الله عليه و سلم بإنكار ذلك وهذا موافق لما تقدم فبين أن الخوض في الجسم والعرض ونفي ذلك وجعل ذلك من التوحيد هو قول أهل الباطل فكيف بمن جعله أصل الدين كما قال شيخ الإسلام سمعت أحمد بن الحسن

أنبأنا الأشعث يقول قال رجل لبشر بن أحمد أبي سهل الأسفرائيني إنما أتعلم الكلام لأعرف به الدين فغضب وسمعته قال أو كان السلف من علمائنا كفارا وقال أبو عمر بن عبد البر الذي أقول أنه إذا نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وعبد الرحمن وسائر المهاجرين والأنصار وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجا علم أن الله عز و جل لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين وبأعلام النبوة ودلائل الرسالة لا من قبل حركة ولا سكون ولا من باب البعض والكل ولا من باب كان ويكون ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبا في الجسم ونفيه وفي التشبيه ونفيه لازما ما أضاعوه وما أضاعوا الواجب لما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم ولو كان ذلك من علمهم مشهورا ومن أخلاقهم معروفا لاستفاض عنهم واشتهروا بالقرآن والروايات

فذكر أبو عمر أن ما يدخله هؤلاء في أصول الدين والتوحيد من الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه والاستدلال بالحركة والسكون لو كان من الدين لما أضاعه خيار هذه الأمة فعلم أنه ليس من الدين وكلام علماء الملة في هذا الباب يطول وإنما الغرض التنبيه على أن ما سماه هؤلاء توحيدا وجعلوه هو نفي التجسيم والتشبيه إنما هو شيء ابتدعوه لم يبعث الله به رسله ولا أنزل به كتبه وقد اعترف بذلك حذاقهم كما ذكره أبو حامد الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين ووافقه فيه أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب منهاج القاصدين لما ذكر الأسماء التي عرف مسمياتها فذكر العلم والفقه والتوحيد قال

ولهذا لما كان أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب و أبو الحسن الأشعري و أبو العباس القلانسي ممن أخذ أصل الكلام في التوحيد عن المعتزلة وخالفوهم في بعض دون بعض يقع في كلامهم من هذا التوحيد المبتدع المخالف للتوحيد المنزل من عند الله ما يقع كان الناس ينبهون على ذلك حتى ذكر شيخ الإسلام قال سمعت عدنان بن عبده النميري يقول سمعت أبا عمر البسطامي يقول كان أبو الحسن الأشعري أولا ينتحل الاعتزال ثم رجع فتكلم عليهم وإنما مذهبه التعطيل إلا أنه رجع من التصريح إلى التمويه وقال الشيخ أبو نصر السجزي في رسالته إلى أهل اليمين ولقد حكى لي محمد بن عبد الله المالكي المغربي وكان فقيها صالحا عن الشيخ أبي سعيد البرقي وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة عن أستاذه خلف المعلم وكان من فقهاء المالكيين أنه قال الأشعري أقام أربعين سنة على الاعتزال ثم أظهر التوبة فرجع عن الفروع وثبت على الأصول قال أبو نصر هذا كلام خبير بمذهب الأشعري وعورته ولهذا قال محمد بن خويز منداد إمام المالكية في وقته في العراق في الكلام الذي ذكره عنه أبو عكر ابن عبد البر قال أهل البدع والأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم هم أهل الكلام قال فكل متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه وكل متكلم فهو عندهم من أهل أشعريا كان أو غير أشعري

والمعنى الثالث: من معاني التوحيد عند هؤلاء الأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره هو أنه سبحانه لا شريك له في الملك بل هو رب كل شيء وهذا معنى صحيح وهو حق وهو أجود ما اعتصموه به من الإسلام في أصولهم حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربيه ومدبره والمعتزلة وغيرهم يخالفوهم في ذلك حيث يجعلون بعض المخلوقات لم يخلقها الله ولم يحدثها لكن مع هذا قد ردوا قولهم ببدع غلوا فيها وأنكروا ما خلقه الله من الأسباب وأنكروا ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله يخلق الأشياء بعضها ببعض وغير ذلك مما ليس هذا موضعه فهذه المعاني الثلاثة هي التي يقولون أنها معنى اسم الله الواحد وهي التوحيد وفيها من البدع التي خولف بها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ما قد نبهنا على بعضه

وأما التوحيد الذي ذكره الله في كتابه وأنزل به كتبه وبعث به رسله واتفق عليه المسلمون من كل ملة فهو كما قال الأئمة شهادة أن لا إله إلا الله وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما بين ذلك بقوله: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } فأخبر أن الإله إله واحد لا يجوز أن يتخذ إله غيره فلا يعبد إلا إياه كما قال في السورة الأخرى: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون } وكما قال: { لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا } إلى قوله: { فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } وكما قال: { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } وكما قال: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر }

والشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من المخلوقات كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم أو قبورهم أو غيرهم من الآدميين ونحو ذلك مما هو كثير في هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محق في التوحيد وهو من أعظم الناس إشراكا وقال تعالى: { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } وقال: { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين } وقال تعالى: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون } وقال تعالى: { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } وقال تعالى: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق } وقال تعالى: { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } وقال تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }

قال ابن عباس وعطاء وعكرمة ومجاهد يسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره ويشركون به ويقولون له ولد وثالث ثلاثة فكان الكفار يقرون بتوحيد الربوبية وهو نهاية ما يثبته هؤلاء المتكلمون إذا سلموا من البدع فيه وكانوا مع هذا مشركين لأنهم كانوا يعبدون غير الله وقال تعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } وقال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة }

فبين سبحانه أنه بهذا التوحيد بعث جميع الرسل وأنه بعث إلى كل أمة رسولا به وهذا هو الإسلام الذي لا يقبل الله من الأولين ولا من الآخرين دينا غيره قال تعالى: { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون * قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } فدين الله أن يدينه العباد ويدينون له فيعبدونه وحده ويطيعونه وذلك هو الإسلام له فمن ابتغى غير هذا دينا فلن يقبل منه وكذلك قال في الآية الأخرى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام } فذكر أن الدين عند الله الإسلام بعد إخباره بشهادته وشهادة الملائكة وأولي العلم أنه لا إله إلا هو

والإله هو المستحق للعبادة فأما من اعتقد في الله أنه رب كل شيء وخالقه وهو مع هذا يعبد غيره فإنه مشرك بربه متخذ من دونه إلها آخر فليست الإلهية هو الخلق أو القدرة على الخلق أو القدم كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربه فلو كان هذا هو الإلهية لكانوا قائلين إنه لا إله إلا هو فهذا موضع عظيم جدا ينبغي معرفته لما قد لبس على طوائف من الناس أصل الإسلام حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركا وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك بل التوحيد الذي لا بد منه لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد وهو توحيد العبادة وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه وهذا هو الإسلام فإن الإسلام يتضمن أصلين:

أحدهما: الاستسلام لله والثاني: أن يكون ذلك له سالما فلا يشركه أحد في الإسلام له وهذا هو الاستسلام لله دون ما سواه وسورة قل يا أيها الكافرون تفسر ذلك ولا ريب أن العمل ومقصده مسبوق بالعلم فلا بد أن يعلم ويشهد أن لا إله إلا الله وأما التوحيد القولي الذي هو الخبر عن الله ففي سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن وفيها اسمه الأحد الصمد وكل هذين الاسمين يدل على نقيض مذهب هؤلاء الجهمية كما بيناه في موضعه وعبادة الله وحده يدخل فيها كمال المحبة لله وحده وكمال الخوف منه وحده والرجاء له والتوكل عليه وحده والتوكل عليه كما يبين القرآن ذلك في غير موضع فكل من أصول التوحيد الذي أوجب الله على عباده وبذلك يكون الدين كله لله كما أمر الله رسله والمؤمنين بالقتال إلى هذه الغاية حيث يقول: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت