فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الوجه الرابع عشر: وأما قولهم: ولا يقول: إن كلام الله حرف وصوت قائم به بل هومعنى قائم بذاته فقد قلت في الجواب المختصر البديهي ليس في كلامي هذا أيضا ولا قلته قط بل قول القائل: إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة وقوله: إنه معنى قائم به بدعة لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا وأنا ليس في كلامي شيء من البدع بل في كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق وذلك أني قد أجبت في مسألة القرآن والحرف والصوت وما وقع في ذلك من النزاع والاضطراب في جواب الفتيا الدمشقية وفصلت القول فيها وفي مسألة العرش وبينته
وكذلك في جواب الفتيا المصرية قد بينته وفصلته في هذا وفي هذا وأزلت ما وقع فيه أكثر الناس من الاختلاف والشقاق الذي خرجوا به عن السنة والجماعة إلى البدعة والافتراق وبسطت ذلك بسطا متوسطا في جواب الاستفتاء الذي ورد به قاضي جيلان لما وقع بينهم من الفتنة في كلام الآدميين وأظهروا من البدعة والغلو في الإثبات ونفي الخلق عن كثير من المخلوقات ما هو من أعظم الجهالات والضلالات
وقد كتبت جملا من الكلام في ذلك في جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية وفي فتاوى أخر ومواضع أخر قال مسألة القرآن وقع فيها بين السلف والخلف من الاضطراب والنزاع ما لم يقع نظيره في مسألة العلو والإرتفاع إذ لم يكن على عهد السلف من يبوح بإنكار ذلك ونفيه كما كان على عهدهم ممن أباح بإظهار القول بخلق القرآن ولا اجترأت الجهمية إذ ذاك على دعاء الناس إلى نفي علو الله على عرشه بل ولا أظهرت ذلك كما اجترأوا على دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن وامتحانهم على ذلك وعقوبة من لم يجبهم بالحبس والضرب والقتل وقطع الرزق والعزل عن الولايات ومنع قبول الشهادة وترك افتدائهم من أسر العدو إلى غير ذلك من العقوبات التي إنما تصلح لمن خرج عن الإسلام وبدلوا بذلك الدين نحو تبديل كثير من المرتدين فأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فجاهدوا في الله حق جهاده متبعين سبيل الصديق وإخوانه الذين جاهدوا المرتدين بعد موت رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى وسم المسلمون بالإمامة وبأنه الصديق الثاني من كان أحق بهذا التحقيق عند فتور الواني فإن أولئك الجهمية جعلوا المؤمنين كفارا مرتدين وجعلوا ما هو من الكفر والتكذيب للرسول إيمانا وعلما ولبسوا على الأئمة والأمة الحق بالباطل وكانت فتنتهم في الدين أعظم ضررا من فتنة الخوارج المارقين
فإن أولئك وإن كفروا المؤمنين واستحلوا دماءهم وأموالهم ولم تكن فتنتهم الجحود لكلام رب العالمين وأسمائه وصفاته وما هو عليه في حقيقة ذاته بل كانت فيما دون ذلك من الخروج عن السنة المشروعة وإن كان أهل المقالات قد نقلوا أن قول الخوارج في التوحيد هو قول الجهمية المعتزلة
فهذا سر للجهمية لكن يشبه - والله أعلم - أن يكون ذلك قد قاله من بقايا الخوارج في من كان موجودا حين حدوث مقالة جهم في أوائل المائة الثانية فأما قبل ذلك فلم يكن حدث في الإسلام قول جهم في نفي الصفات والقول بخلق القرآن وإنكار أن يكون الله على العرش ونحو ذلك فلا يصح إضافة هذا القول إلى أحد من المسلمين قبل المائة الثانية لا من الخوارج ولا من غيرهم فإنه لم يكن في الإسلام إذ ذاك من يتكلم بشيء من هذه السلوب الجهمية ولا نقل أحد عن الخوارج المعروفين إذ ذاك ولا عن غيرهم شيئا من هذه المقالات الجهمية ومن أعظم أسباب بدع المتكلمين من الجهمية وغيرهم قصورهم في مناظرة الكفار والمشركين فإنهم يناظرونهم ويحاجونهم بغير الحق والعدل لينصروا الاسلم زعموا بذلك فيسقط عليهم أولئك لما فيهم من الجهل والظلم ويحاجونهم بممانعات ومعارضات فيحتاجون حينئذ إلى جحد طائفة من الحق الذي جاء به الرسول والظلم والعدوان لإخوانهم المؤمنين بما استظهر عليهم أولئك المشركون فصار قولهم مشتملا على إيمان وكفر وهدى وضلال ورشد وغي وجمع بين النقيضين وصاروا مخالفين للكفار والمؤمنين كالذي يقاتلون الكفار والمؤمنين ومثلهم في ذلك مثل من فرط في طاعة الله وطاعة رسوله من ملوك النواحي والأطراف حتى يسلط عليهم العدو تحقيقا لقوله: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } يقاتلون العدو قتالا مشتملا على معصية الله من الغدر والمثلة والغلول والعدوان حتى احتاجوا في مقاتلة ذلك العدو إلى العدوان على إخوانهم المؤمنين والاستيلاء على نفوسهم وأموالهم وبلادهم وصاروا يقاتلون إخوانهم المؤمنين بنوع مما كانوا يقاتلون به المشركين وربما رأوا قتال المسلمين آكد وبهذا وصف النبي صلى الله عليه و سلم الخوارج حيث قال: يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان وهذا موجود في سيرة كثير من ملوك الأعاجم وغيرهم وكثير من أهل البدع وأهل الفجور فحال أهل الأيدي والقتال يشبه حال أهل السنة الجدال
وهكذا ذكر العلماء مبدأ حال جهم فقال الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية
قال أحمد: وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرا كثيرا فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله: أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ وكان صاحب خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله تبارك وتعالى فلقي ناسا من المشركين يقال لهم السمنة فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له ألست تزعم أن لك إلها ؟ قال الجهم:
نعم فقالوا له: فهل رأيت إلهك ؟ قال لا: فقالوا له: هل سمعت كلامه ؟ قال: لا قالوا: فشممت له رائحة ؟ قال: لا قالوا: فوجدت له حسا ؟ قال: لا قالوا: فوجدت له مجسا ؟ قال: لا قالوا: فما يدريك أنه إله ؟ قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة من جنس حجة الزنادقة من النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح التي في عيسى هي من روح الله من ذات الله وإذا أراد الله أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان بعض خلقه فيأمر بما شاء وينهي عن ماشاء وهو روح غائب عن الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحا ؟ فقال: نعم قال: فهل رأيت روحك ؟ قال: لا قال: فسمعت كلامه قال: لا قال فوجدت له حسا ؟ قال: لا قال: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دونه مكان قال: ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله: { ليس كمثله شيء } { وهو الله في السموات وفي الأرض } { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } فبني أصل كلامه كله على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غيرتأويله وكذب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم - وزعم أن من وصف من الله شيئا مما وصف الله به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرا وكان من المشبهة وأضل بشرا كثيرا وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصر ة ووضع دين الجهمية
وهكذ وصف العلماء حال جهم كما قال أبو عبدالله محمد بن سلام البيكندي شيخ البخاري في كتاب السنة والجماعة من تأليفه ما جاء في بدو الجهمية والسمنية وكيف كان شأنهم وكفرهم بآيات الله عن حفص عبد الرحمن البجلي قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن أيوب بن أبي تميمة قال: ما أعلم أحدا من أهل الصلاح
أكذب على كتاب الله من السمنية قال: وهو عندنا كما قال لا أعلم أن أحدا أجهل ولا أحمق قولا منهم لا يتعلقون من كتاب الله بشيء ولا يحتجون إنما هوحب وبغض ومن أحب دخل الجنة ومن أبغض دخل النار
وصارت طائفة جهمية لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا على عهد الصحابة وإنما هو رأي محدث ويرون أن أول من تكلم جهم بن صفوان وكان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح أعطي لسانا منكرا فكان يجادل ويقول برأيه يجادل السمنية وهم شبه المجوس يعتقدون الأصنام فكلمهم فأخرجوه حتى ترك الصلاة أربعين يوما لا يعرف ربه وكلامهم يدعو إلى الزندقة وكلامهم وضعناه لغير واحد من أهل اللغة والبصر فمالوا آخر أمرهم إلى الزندقة والرجل إذا رسخ في كلامهم ترك الصلاة واتبع الشهوات وكان أبو الجوزاء صاحب جهم وكان أقوى في أمرهم من جهم فيما بلغنا وكان يسكن الغاريات وأخبرنا أناس من أهلها من صالحيهم أنه ترك الصلاة وشرب الخمر واتبع الشهوات وأفسد عالما من الناس فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى ما أعلم من تكلم في الإسلام قوم أخبث من كلامهم
القرآن كله نقض على كلامهم وبلغنا أن منهم من يقول أن ما يفسد علينا كلامنا القرآن ويكسره لا يرون أن في السماء ساكنا وذكر طرفا من كلامهم ثم قال: قال علي سمعت عبدالله يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية وقال في شعر له:
ولا أقول بقول الجهم إن له قولا يضارع قول الشرك أحيانا
ثم قال حدثنا عبيدالله - يعني ابن واصل - حدثنا عبد الله بن محمد شيخ من أهل بغداد - حدثنا ابن صالح قال: لقيت جهما فقلت: نطق الله ؟ قال: لا قلت: فهو ينطق ؟ قال: لا قلت: فمن يقول يوم القيامة: { لمن الملك اليوم } ومن يرد عليه: { لله الواحد القهار } ؟ قال: إنهم زادوا في القرآن ونقصوا منه
وروى أبو داود والخلال وغيرهما عن ابن شوذب: ترك جهم الصلاة أربعين يوما وكان فيمن خرج مع الحارث بن سريح وعن مروان بن معاوية الفزاري وذكر جهما فقال: قبح الله جهما حدثني ابن عم لي أنه شك في الله أربعين صباحا
وذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال عن يحيى بن أيوب قال: كنا يوما عند مروان بن معاوية الفزاري فسأله رجل عن حديث الرؤية فلم يحدثه به قال: إن لم تحدثني به فأنت جهمي فقال مروان: أتقول لي جهمي وجهم مكث أربعين ليلة لا يعرف ربه
قال البخاري وقال ضمرة بن شوذب: ترك جهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك فخاصمه بعض السمنية فشك فأقام أربعين يوما لا يصلي قال ضمرة: وقد رآه ابن شوذب قال البخاري وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: كلام جهم صفة بلا معنى وبناء بلا أساس ولم يعد قط من أهل العلم
وروى أبو داود الخلال عن إبراهيم بن طهمان قال: ما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه هذا العظيم يعني جهما وعن يحيى بن شبل قال: كنت جالسا مع مقاتل بن سليمان وعبدالله بن كثير إذا جاء شاب فقال: ما تقولون في قوله: { كل شيء هالك إلا وجهه } فقال مقاتل: هذا جهمي ثم قال: ويحك إن جهما والله ما حج هذا البيت قط ولا جالس العلماء إنما كان رجلا أعطي لسانا هذا
وقد ذكر البخاري قال وقال ابن مقاتل: سمعت ابن المبارك يقول: من قال إني أنا الله لا إله إلا أنا مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك قال وقال أيضا:
( ولا أقول بقول الجهم إن له ... قولا يضارع قول الشرك أحيانا )
( ولا أقول تخلى من بريته ... رب العباد وولي الأمر شيطانا )
( ما قال فرعون هذا في تجبره ... فرعون موسى ولا فرعون هامانا )
قال البخاري: وقال ابن المبارك: لا تقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ههنا بل على العرش استوى وقيل له: كيف نعرف ربنا قال: فوق سمواته علىعرشه وقال الرجل منهم أبطنك خال منه فبهت الآخر وقال: من قال لا إله إلا هو مخلوق فهو كافر وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية
قال البخاري: وقال سعيد بن عامر: الجهمية شر قولا من اليهود والنصارى قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان على أن الله تعالى على العرش وقالوا هم ليس على العرش
وروى البخاري عن وكيع بن الجراح أنه قال: لا تستخفوا بقولهم القرآن مخلوق فإنه من شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل
فهدا الذي ذكره الإمام أحمد من مبدأ حال جهم إمام هؤلاء المتكلمين النفاة يبين ما ذكرته فإنه لما ناظره من المشركين السمنية من الهند وجحدوا الإله لكون الجهم لم يدركه بشيء من حواسه لا ببصره ولا بسمعه ولا بشمه ولا بذوقه ولا بحسه كان مضمون هذا الكلام أن كل ما لا يحسه الإنسان بحواسه الخمس فإنه ينكره ولا يقر به فأجابهم الجهم أنه قد يكون في الموجود مالا يمكن إحساسه بشيء من هذه الحواس وهي الروح التي في العبد وزعم أنها لا تختص بشيء من الأمكنة وهذا الذي قاله هو قول الصابئة الفلاسفة المشائين
وقد قال البخاري: قال قتيبة يعني ابن سعيد: بلغني أن جهما كان يأخذ هذا الكلام من الجعد بن درهم
وقال البخاري: حدثنا قتيبة حدثني القاسم بن محمد حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى قال أرجعوا فضحوا تقبل منكم فإني مضح بالجعد بن درهم زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليل ولم يكلم موسى تكليما سبحانه وتعالى عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه وهذا الجعد قد ذكروا أنه كان من أهل حران وهو معلم مروان بن محمد ولهذا يقال له الجعدي وكانت حران إذ ذاك دار الصابئة الفلاسفة الباقين على ملة سلفهم أعداء إبراهيم الخليل فإن إبراهيم الخليل كان منهم ودعاهم إلى الحنيفية وكان من قصة ما ذكره الله في كتابه والحجة التي ذكرها مشركوا الهند باطلة والجواب الذي أجاب به مبتدعة الصابئين ومن اتبعهم من مبتدعة هذه الأمة باطل وذلك أن قول القائل ما لا يحس به العبد لا يفر به أو ينكره أو أن يريد به أن كل أحد من العباد لا يقر إلا بما أحسه هو بشيء من حواسه الخمس أو يريد به أنه لا يقر العبد إلا بما أحس به العباد في الجملة أو بما يمكن الإحساس به في الجملة فإن كان أرادوا الأول وهو الذي حكاه عنهم طائفة من أهل المقالات حيث ذكروا عن السمنية أنهم ينكرون من العلوم ما سوى الحسيات فينكرون المتواترات والمجربات والضروريات العقلية وغير ذلك إلا أن هذه الحكاية لا تصح على إطلاقها عن جمع من العقلاء في مدينة أو قرية وما ذكره من مناظرة الجهم لهم يدل على إقرارهم بغير ذلك وذلك أن حياة بني آدم وعيشهم في الدنيا لا يتم إلا بمعاونة بعضهم لبعض في الأقوال أخبارها وغير أخبارها وفي الأعمال أيضا فالرجل منهم لابد أن يقر أنه مولود وأنه له أبا وطىء أمه وأما ولدته وهولم يحس بشيء من ذلك من حواسه الخمس بل أخبر بذلك ووجد في قلبه ميلا إلى ما أخبر له وكذلك علمه بسائر أقاربه من الأعمام والأخوال والأجداد وغير ذلك وليس في بني آدم أمة تنكر الإقرار به وكذلك لا ينكر أحد من بني آدم أنه ولد صغيرا وأنه ربي بالتغذية والحضانة ونحو ذلك حتى كبر وهو إذا كبر لم يذكر إحساسه بذلك قبل تمييزه بل لا ينكر طائفة من بني آدم أمورهم الباطنة مثل جوع أحدهم وشبعه ولذته وألمه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه وغير ذلك مما لم يشعر به بحواسه الخمس الظاهرة بل يعلمون أن غيرهم من بني آدم يصيبهم ذلك وذلك ما لم يشعروا به بالحواس الخمس الظاهرة وكذلك ليس في بني آدم من لا يقر بما كان في غير مدينتهم من المدائن والسير والمتاجر وغير ذلك مما هم متفقون على الإقرار به وهم مضطرون إلى ذلك وكذا لا ينكرون أن الدور التي سكنوها قد بناها البناؤون والطبيخ الذي يأكلونه طبخه الطباخون والثياب المنسوجة التي يلبسونها نسجها النساجون وإن كان ما يقرون به من ذلك لم يحسه أحدهم بشيء من حواسه الخمس وهذا باب واسع فمن قال إن أمة من الأمم تنكر هذه الأمور فقد قال الباطل وقول من يقول من المتكلمين أن السوفسطائية قوم ينكرون حقائق الأمور وأنهم منتسبون إلى رئيس لهم يقال له: سوفسطا وأن منهم من ينكر العلم بشيء من الحقائق ومنهم من ينكر الحقائق الموجودة أيضا مع العلوم ومنهم اللاأدرية الذين يشكون فلا يجزمون بنفي ولاإثبات ومنهم من لا يقرإلا بما أحسه
وقد رد هذا النقل والحكاية من عرف حقيقة الأمر وقال إن لفظ السوفسطائية في الأصل كلمة يونانية معربة أصلها سوفسقيا أي الحكمة المموهة فإن لفظ سو معناه في لغة اليونان الحكمة ولهذا يقولون فيلاسوفا أي محب الحكمة ولفظ فسقيا معناه المموهة