فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51653 من 346740

و الخلة هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب فإنهم يقولون: قلب متيم إذا كان متعبدا للمحبوب والمتيم المتعبد وتيم الله عبده وهذا على الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليه و سلم ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل إذ الخلة لا تحتمل الشركة فإنه كما قيل في المعنى

( قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا )

بخلاف أصل الحب فإنه صلى الله عليه و سلم [ قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما وسأله عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك ؟ قال: عائشة قال: فمن الرجال ؟ قال: أبوها وقال لعلي رضي الله عنه: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ] وأمثال ذلك كثير

وقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وقال: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين ومحبة المؤمنين له حتى قال: { والذين آمنوا أشد حبا لله }

وأما الخلة فخاصة وقول بعض الناس: إن محمدا حبيب الله وإبراهيم خليل الله وظنه أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف فإن محمدا أيضا خليل كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة وما يروى أن العباس يحشر بين حبيب وخليل وأمثال ذلك فأحاديث موضوعة لا تصلح أن يعتمد عليها

وقد قدمنا أن من محبة الله تعالى محبة ما أحب كما في الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ] أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له فمن أحب شيئا أو اشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى

ومن قال إن اللذة إدراك الملائم كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء فقد غلط في ذلك غلطا بينا فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة فإن الإنسان مثلا يشتهي الطعام فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة فاللذة تتبع النظر إلى الشيء فإذا نظر إليه التذ فاللذة تتبع النظر ليس نفس النظر وليست هي رؤية الشيء بل تحصل عقيب رؤيته وقال تعالى: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام من فرح وحزن ونحو ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله وذلك بثلاثة أمور

تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها

فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما تقدم

و تفريعها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله

و دفع ضدها أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم حب المؤمنين الذين يحبهم الله لأنه أكمل الناس محبة لله وأحقهم بأن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله و الخلة ليس لغير الله فيها نصيب بل قال: [ لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ] علم مزيد مرتية الخلة على مطلق المحبة

والمقصود هو أن الخلة و المحبة لله تحقيق عبوديته وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إدلال لا تحتمله الربوبية ولهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها وكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده بالحب والخوف الرجاء فهو مؤمن موحد ولهذا وجد في المستأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله ويدعي أحدهم دعوى تتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين أو يطلبون من الله ما لا يصلح - بكل وجه - إلا لله لا يصلح للأنبياء والمرسلين

وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينتها الرسل وحررها الأمر والنهي الذي جاؤوا به بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين وفي النفس محبة انبسطت النفس بحمقها في ذلك كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله ويقول: أنا محب فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عذران وجهل فهذا عين الضلال وهو شبيه بقول اليهود والنصارى: { نحن أبناء الله وأحباؤه } قال الله تعالى: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين ولا منسوبين إليه بنسبة النبوة بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون

فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه محبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغض منه ذلك كما يحب منه ما يفعله من الخير إذ حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه وعدم تداويه منه بصحة مزاجه

ولو تدبر الأحمق ما قص الله في كتابه من قصص أنبيائه وماجرى لهم من التوبة والاستغفار وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم علم بعض ضرر الذنوب بأصحابها ولو كان أرفع الناس مقاما فإن المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفا بمصلحته ولا مريدا لها بل يعمل بمقتضى الحب - وإن كان جهلا وظلما - كان ذلك سببا لبغض المحبوب له ونفوره عنه بل لعقوبته

وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعا من أمور الجهل بالدين إما من تعدي حدود الله وإما من تضييع حقوق الله وإما من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحدا فأنا منه بريء فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحدا من المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار والثاني جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها أحد وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين وهي إما كذب عليهم وإما غلط منهم ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلية وفناء يسقط فيها تمييز الإنسان أو يضعف حتى لا يدري ما قال و السكر هو لذة عدم تمييز ولهذا كان بين هؤلاء من إذا استغفر من ذلك الكلام

والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام كان هذا أصل مقصدهم ولهذا أنزل الله للمحبة محنة يمتحن بها المحب فقال: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله وطاعة الرسول ومتابعته تحقيق العبودية

وكثير ممن دعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته ويدعي من الخيالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر وتحليل الحرام له وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته بل قد جعل محبة الله ومحبة رسوله الجهاد في سبيله و الجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به وكمال بغض ما نهى الله عنه ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه: { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله }

ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها وعبوديتهم لله أكمل من عبوديية من قبلهم وأكمل هذه الأمة في ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل فأين هذا من قوم يدعون المحبة ؟ !

و [ في ] كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ماسوى مراد المحبوب وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان ولا يمكن أحدا أن يحب كل موجود بل يحب ما يلائمه وينفعه ما ينافيه ويضره ولكن استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة زاعمين أن هذا من محبة الله ومن محبة الله بغض ما يبغضه الله ورسوله وجهاد أهله بالنفس والمال

وأصل ضلالهم أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب قصد بمراد الله تعالى الإرادة الدينية الشرعية التي هو بمعنى محبته ورضاه فكأنه قال: تحرق من القلب ماسوى المحبوب لله وهذا معنى صحيح فإن من تمام الحب أن لا يحب إلا ما يحبه الله فإذا أحببت مالا يحب كانت المحبة ناقصة وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محبا له بل محبا لما يبغضه فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض البدع المخالفة لشريعته فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى لما فيهم من النفاق الذين هم به في الدرك الأسفل من النار كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شر من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم وفي التوراة والإنجيل من محبة الله ما هم متفقون عليه حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس

ففي الإنجيل أن المسيح قال: أعظم وصايا المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة وإن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك وهم برآء من محبة الله إذ لم يتبعوا ما أحبه بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم وهو سبحانه يحب من يحبه لا يمكن أن يكون العبد محبا لله والله تعالى غير محب له بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له ن وإن كان جزاء الله لعبده أعظم كما في الحديث الصحيح الإلهي عن الله تعالى أنه قال: [ من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ]

وقد أخبر سبحانه أنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين ويحب التوابين ويحب المتطهرين بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب ومستحب كما في الحديث الصحيح: [ لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث ]

وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياخا في الزهد والعبادة وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى: من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها ولو صدق لم يكن قائلها معصوما فيجعلون متبوعيهم شارعين لهم دينا كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم دينا ثم إنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن الخاصة يتعدونها كما يدعي النصارى في المسيح ويثبتون للخاصة من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه إلى أنواع أخر يطول شرحها في هذا الموضع

وإنما دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه وهو تحقيق محبة الله بكل درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده ويقدر نقص هذا يكون نقص هذا وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة وكل عمل لا يراد به وجه لله فهو باطل فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله وأن يكون موافقا لمحبة الله ورسوله وهو الواجب والمستحب كما قال: { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }

فلا بد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب ولا بد أن يكون خالصا لوجه الله تعالى كما قال تعالى: { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وقال النبي صلى الله عليه و سلم: [ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ] وقال النبي صلى الله عليه و سلم: [ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ]

وهذا الأصل هو أصل الدين وبحسب تحقيقه يكون الدين وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وإليه دعا الرسول وعليه جاهد وبه أمر وفيه رغب وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه

والشرك غالب على النفوس وهو كما جاء في الحديث [ وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ] وفي حديث آخر [ قال أبو بكر: يا رسول الله كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم لأبي بكر: ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله ؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم ] وكان عمر يقول في دعائه: الله اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا

وكثيرا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله وعبوديتها له وإخلاص دينها له كما قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية قيل لأبي داود السجستاني: وما الشهوة الخفية ؟ قال: حب الرئاسة وعن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ] قال الترمذي حديث حسن صحيح

فبين صلى الله عليه و سلم أن الحرص على المال والشرف في فساد الدين لا ينقص عن فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم وذلك بين فإن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له لم يكن شيء أحب غليه من ذلك حتى يقدمه عليه وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء كما قال تعالى: { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين }

فإن المخلصين لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له وإخلاصه الدين له وكذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب منيبا إلى الله خائفا منه راغبا راهبا كما قال تعالى: { من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب } إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه وحصول مرغوبه فلا يكون عبد الله ومحبه إلا بين خوف ورجاء قال تعالى: { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا }

وإذا كان العبد مخلصا له اجتباه ربه فيحيي قلبه واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء ويخاف من حصول ضد ذلك بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإنه في طلب وإرادة وحب مطلق فيهوى ما يسنح له ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مر بعطفه أماله فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة فيبقى أسيرا عبدا لمن لو اتخذه هو عبدا له لكان ذلك عيبا ونقصا وذما وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة ويستعبده من يثنى عليه ولو بالباطل ويعادي من يذمه ولو بالحق وتارة يستعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب والقلوب تهواها فيتخذ إلهه هواه ويتبع هواه بغير هدى من الله

ومن لم يكن خالصا لله عبدا له قد صار قلبه معبدا لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه ويكون ذليلا له خاضعا وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين وكان من الغاوين أخوان الشياطين وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه فالقلب إن لم يكن حنيفا مقبلا على الله معرضا عما سواه وإلا كان مشركا قال تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } إلى قوله: { كل حزب بما لديهم فرحون }

وقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة المشركين المتبعين أهواءهم قال تعالى في إبراهيم: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين } وقال في فرعون وقومه: { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين }

ولهذا يصير اتباع فرعون أولا إلى أن لا يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدر الله وقضاه بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود هذا وجود هذا ويقول محققوهم الشريعة فيها طاعة ومعصية والحقيقة فيها معصية بلا طاعة والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية وهذا تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما أرسله به من الأمر والنهي

وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء والأنبياء فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية وأن العبد كلما ازداد تحقيقا ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له واعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه والخليل يقول: { أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشائخ كما فعلت النصارى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت