فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51920 من 346740

ولما زعم أولئك أن الكلام كله هو معنى واحد قال هؤلاء إن جاز أن يعقل أن المعاني المتنوعة تعود إلى حرف واحد جاز أن يعقل أن الحروف المتنوعة تعود إلى حرف واحد وقالوا لهم أيضا الترتيب نوعان ترتيب ذاتي وترتيب وجودي فالأول كترتيب العلم على الحياة والمعلول على العلة التامة وهؤلاء الذين فسروا قولهم بأنه غير مخلوق بأنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته سواء قالوا إنه معنى أو هو حروف أو هو معنى وحرف

يقولون إن المخلوق هو المحدث وهو ما يحدثه الله تعالى منفصلا عنه وأنه ماثم إلا قديم أو مخلوق وما كان قديما فإنه لازم لذات الله تعالى لا يتعلق بمشيئته وقدرته ولا يكون فعلا له وما كان محدثا فهو المخلوق المنفصل عن الله تعالى وهو المتعلق بمشيئته وقدرته ولا يقوم عندهم بذات الله فعل ولا كلام ولا إرادة ولا غير ذلك مما يتعلق بمشيئته وقدرته ويقولون لا تحل الحوادث بذاته ولا يجوز عليه الحركة ولا فعل حادث ولا غير ذلك وهؤلاء يتأولون كل ما ورد في الكتاب والسنة مما يخالف ذلك وهو كثير جدا كقوله ثم استوى على العرش إلى السماء وكما وصف به نفسه من المجيء والاتيان والنزول وغضبه يوم القيامة ورضاه على أهل الجنة وتكليمه لموسى ولعباده يوم القيامة وتكلمه بالوحي إذا تكلم به فسمعته الملائكة

وهؤلاء جميعا يحتجون على قدم القرآن بحجتهم المشهورة التي هي أصل المذهب التي احتج بها الأشعري وأصحابه والقاضي أبو يعلي وابن عقيل وأبو الحسن ابن الزاغوني وغيرهم وهي التي تقدم ذكرها في بيان أصل الطائفة الأولى عن أبي المعالي لأنه اعتقد أن صاغها على وجه يدفع بها بعض الأسئلة وقد ذكرنا ذلك ونبين أنه بناها على امتناع حلول الحوادث به ونحن نذكر ها هنا كما ذكرها هؤلاء فإن هذا مشهور في كلامهم كلهم وقد اعترف أصحاب الأشعري أن هذه الطريقة هي عمدته وعمدة غيره من أئمتهم كالقاضي أبي بكر وأبي إسحاق وابن فورك وأبي منصور على قدم الكلام قال لو كان كلام الباري حادثا لم يخل من أن يقوم بذات الباري تعالى فيكون محلا للحوادث بمثابة الجواهر أو يحدث لا في محل وذلك محال لأنه يؤدي إلى إبطال التفرقة بين ما يقوم بنفسه وبين ما لا يقوم بنفسه على أن في نفس المحل نفي اختصاصه إذ ليس اختصاصه به سبحانه أولى من اختصاصه بغيره وإن حدث في محل آخر وقام به كلاما لذلك المحل وكان المحل به متكلما آمرا ناهيا لأن كل قائم بمحل اختص به اختصاصا يجب أن يضاف إليه عند العبارة بأخص أوصافه يشتق له أو للجملة التي المحل منها وصف منه إما من أخص وصفه أو أعم أوصافه أو من معناه أو يصح إضافته إليه بأخص وصفه فإذا لم يكن ذلك بطل أن يخلق كلامه في محل وإذا بطلت هذه الأقسام بطل كونه حادثا

وقال طائفة منهم القاضيان أبو علي بن وأبو يعلي وابن عقيل وأبو الحسن الزغواني وهذا لفظه قال والطريق الثاني المعقول وفيه أدلة نذكر منها الجلي من معتمداتها فمن ذلك تقول لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري سبحانه أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه الله في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأئمة قاطبة على إحالته ومحال أن يكون في محل هو ذات غير ذاته تعالى لأن ذلك يوجب أن يكون كلاما لتلك الذات ولا يكون كلاما لله تعالى ولأنه لو جاز أن يكون كلاما لله تعالى يقال له كلامه وصفته لجاز أن يقال مثل ذلك في سائر الصفات مثل الكون واللون والحركة والسكون والإرادة إلى غير ذلك من الصفات وهذا مما اتفقنا على بطلانه

ومحال أن يكون خلقه لا في محل من جهة أن الكلام صفة والصفات لا بد لها من محل تقوم به ولو جاز أن يقال كلام الله لا في محل لجاز أن يقال إرادة وحركة وشهوة وفعل ولون لا في محل وهذا مما يعلم إحالته قطعا وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أنه غير مخلوق ثم قال قالوا قد وصفت الباري بأشياء حدثت في غيره ألا ترى أنا نصفه بأنه محسن بإحسان أحدثه في حق عباده ونصفه بأنه كاتب لوجود كتابه أحدثها في اللوح المحفوظ فما كان يمتنع أن يكون ههنا مثله قلنا الاحسان صفة قائمة بنفس المحسن وليس توقف وصفة بهذه الصفة على وجود منه وإذا ظهر إحسانه على خلقه كان ذلك أثر وصفه بالإحسان لأن ما فعله هو صفته وجرى ذلك مجرى وصفه بأنه صانع فإنه يوصف بذلك لأنه عالم بحقيقة المصنوع لا أن الصفة هي المصنوع وكذلك القول في وصفه بأنه كاتب لأن الكتابة تجري مجرى الصنعة في أنها نوع من أنواع العلوم بكيفيات المنفعل في إيجاد فعله وذلك أمر غير المصنوع وهذا بين واضح

قلت هذا الالتزام بالمحسن والكاتب والعادل والخالق ونحو ذلك وهو إلزام مشهور المعتزلة على قول أهل الاثبات باطنه أن المتكلم لا يد أن يقوم به الكلام فألزموهم أسماء الأفعال وهذا السؤال هو الذي ضعضع هذه الحجة عند أبي المعالي الجويني والرازي وغيرهم لما ألزمهم المعتزلة بذلك ولهذا عدل عنها أبو المعالي إلى أن قال قد حصل الاتفاق على أنه سبحانه متكلم بكلامه وأنه لا بد من ضرب من الاختصاص في إضافة الكلام إليه ثم الاختصاص إما اختصاص قيام وإما أن يكون اختصاص فعل بفاعل

والثاني باطل لأنه لا فرق بين خلق الأجسام وأنواع الأعراض وبين خلق الكلام في أنه لا يرجع إلى القديم سبحانه صفة حقيقة من جميع ما خلقه قلت فهو في هذا لم يلتزم أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لئلا ترد عليه المعارضات لكن قال يزول الاختصاص وهذا الذي ذكره في الحقيقة يستلزم لذلك وملزوم له فإن الكلام له اختصاص فإن لم يكن بفاعله كان بمحله والمعارضات واردة لا محالة وأجاب غيره عن اسم العادل والمحسن ونحوهما بأن قالوا العادل من تمام الأسماء عندنا لأنه فاعل العدل وإنما يشترط قيام العدل بالعادل منا لا من حيث كان فاعلا للعدل بل لخصوص وصف ذلك الفعل فإن العدل قد يكون حركة أو سكونا أو نحوهما فمن ذلك الوجه يجب قيامه به وكل معنى له ضد فشرط قيامه بالموصوف به والذي يسمي عدلا فينا من الأفعال فله ضد وهو الجور فمن ذلك يجب قيامه بالفاعل منا قلت هذه فروق لا حقيقة لها عند التأمل فإن قيام الكلام بالمتكلم كقيام الفعل بالفاعل سواء لا فرق بينهما لا في الشاهد ولا في اللغة والاشتقاق ولا في القياس العقلي ولهذا عدل الرازي عن تقرير الطريقة المشهورة من أن المتكلم من قام به الكلام إذا كانت تحتاج إلى هذه المقدمة وإلى نفي جواز كونه محلا للحوادث وأثبت ذلك بطريقة في غاية الضعف وهو الاجماع الجدلي المركب والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد لهم في مسائل الصفات والقدر فجعلوه موصوفا بمفعولاته القائمة بغيره حتى قالوا من فعل الظلم فهو ظالم ومن فعل السفه فهو سفيه ومن فعل الكذب فهو كاذب ونحو ذلك وكل هذا باطل بل الموصوف بهذه الأسماء من قامت به هذه الأفعال لا من جهلها فعلا لغيره أو قائمة بغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت