ولما زعم أولئك أن الكلام كله هو معنى واحد قال هؤلاء إن جاز أن يعقل أن المعاني المتنوعة تعود إلى حرف واحد جاز أن يعقل أن الحروف المتنوعة تعود إلى حرف واحد وقالوا لهم أيضا الترتيب نوعان ترتيب ذاتي وترتيب وجودي فالأول كترتيب العلم على الحياة والمعلول على العلة التامة وهؤلاء الذين فسروا قولهم بأنه غير مخلوق بأنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته سواء قالوا إنه معنى أو هو حروف أو هو معنى وحرف
يقولون إن المخلوق هو المحدث وهو ما يحدثه الله تعالى منفصلا عنه وأنه ماثم إلا قديم أو مخلوق وما كان قديما فإنه لازم لذات الله تعالى لا يتعلق بمشيئته وقدرته ولا يكون فعلا له وما كان محدثا فهو المخلوق المنفصل عن الله تعالى وهو المتعلق بمشيئته وقدرته ولا يقوم عندهم بذات الله فعل ولا كلام ولا إرادة ولا غير ذلك مما يتعلق بمشيئته وقدرته ويقولون لا تحل الحوادث بذاته ولا يجوز عليه الحركة ولا فعل حادث ولا غير ذلك وهؤلاء يتأولون كل ما ورد في الكتاب والسنة مما يخالف ذلك وهو كثير جدا كقوله ثم استوى على العرش إلى السماء وكما وصف به نفسه من المجيء والاتيان والنزول وغضبه يوم القيامة ورضاه على أهل الجنة وتكليمه لموسى ولعباده يوم القيامة وتكلمه بالوحي إذا تكلم به فسمعته الملائكة
وهؤلاء جميعا يحتجون على قدم القرآن بحجتهم المشهورة التي هي أصل المذهب التي احتج بها الأشعري وأصحابه والقاضي أبو يعلي وابن عقيل وأبو الحسن ابن الزاغوني وغيرهم وهي التي تقدم ذكرها في بيان أصل الطائفة الأولى عن أبي المعالي لأنه اعتقد أن صاغها على وجه يدفع بها بعض الأسئلة وقد ذكرنا ذلك ونبين أنه بناها على امتناع حلول الحوادث به ونحن نذكر ها هنا كما ذكرها هؤلاء فإن هذا مشهور في كلامهم كلهم وقد اعترف أصحاب الأشعري أن هذه الطريقة هي عمدته وعمدة غيره من أئمتهم كالقاضي أبي بكر وأبي إسحاق وابن فورك وأبي منصور على قدم الكلام قال لو كان كلام الباري حادثا لم يخل من أن يقوم بذات الباري تعالى فيكون محلا للحوادث بمثابة الجواهر أو يحدث لا في محل وذلك محال لأنه يؤدي إلى إبطال التفرقة بين ما يقوم بنفسه وبين ما لا يقوم بنفسه على أن في نفس المحل نفي اختصاصه إذ ليس اختصاصه به سبحانه أولى من اختصاصه بغيره وإن حدث في محل آخر وقام به كلاما لذلك المحل وكان المحل به متكلما آمرا ناهيا لأن كل قائم بمحل اختص به اختصاصا يجب أن يضاف إليه عند العبارة بأخص أوصافه يشتق له أو للجملة التي المحل منها وصف منه إما من أخص وصفه أو أعم أوصافه أو من معناه أو يصح إضافته إليه بأخص وصفه فإذا لم يكن ذلك بطل أن يخلق كلامه في محل وإذا بطلت هذه الأقسام بطل كونه حادثا
وقال طائفة منهم القاضيان أبو علي بن وأبو يعلي وابن عقيل وأبو الحسن الزغواني وهذا لفظه قال والطريق الثاني المعقول وفيه أدلة نذكر منها الجلي من معتمداتها فمن ذلك تقول لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري سبحانه أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه الله في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأئمة قاطبة على إحالته ومحال أن يكون في محل هو ذات غير ذاته تعالى لأن ذلك يوجب أن يكون كلاما لتلك الذات ولا يكون كلاما لله تعالى ولأنه لو جاز أن يكون كلاما لله تعالى يقال له كلامه وصفته لجاز أن يقال مثل ذلك في سائر الصفات مثل الكون واللون والحركة والسكون والإرادة إلى غير ذلك من الصفات وهذا مما اتفقنا على بطلانه
ومحال أن يكون خلقه لا في محل من جهة أن الكلام صفة والصفات لا بد لها من محل تقوم به ولو جاز أن يقال كلام الله لا في محل لجاز أن يقال إرادة وحركة وشهوة وفعل ولون لا في محل وهذا مما يعلم إحالته قطعا وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أنه غير مخلوق ثم قال قالوا قد وصفت الباري بأشياء حدثت في غيره ألا ترى أنا نصفه بأنه محسن بإحسان أحدثه في حق عباده ونصفه بأنه كاتب لوجود كتابه أحدثها في اللوح المحفوظ فما كان يمتنع أن يكون ههنا مثله قلنا الاحسان صفة قائمة بنفس المحسن وليس توقف وصفة بهذه الصفة على وجود منه وإذا ظهر إحسانه على خلقه كان ذلك أثر وصفه بالإحسان لأن ما فعله هو صفته وجرى ذلك مجرى وصفه بأنه صانع فإنه يوصف بذلك لأنه عالم بحقيقة المصنوع لا أن الصفة هي المصنوع وكذلك القول في وصفه بأنه كاتب لأن الكتابة تجري مجرى الصنعة في أنها نوع من أنواع العلوم بكيفيات المنفعل في إيجاد فعله وذلك أمر غير المصنوع وهذا بين واضح
قلت هذا الالتزام بالمحسن والكاتب والعادل والخالق ونحو ذلك وهو إلزام مشهور المعتزلة على قول أهل الاثبات باطنه أن المتكلم لا يد أن يقوم به الكلام فألزموهم أسماء الأفعال وهذا السؤال هو الذي ضعضع هذه الحجة عند أبي المعالي الجويني والرازي وغيرهم لما ألزمهم المعتزلة بذلك ولهذا عدل عنها أبو المعالي إلى أن قال قد حصل الاتفاق على أنه سبحانه متكلم بكلامه وأنه لا بد من ضرب من الاختصاص في إضافة الكلام إليه ثم الاختصاص إما اختصاص قيام وإما أن يكون اختصاص فعل بفاعل
والثاني باطل لأنه لا فرق بين خلق الأجسام وأنواع الأعراض وبين خلق الكلام في أنه لا يرجع إلى القديم سبحانه صفة حقيقة من جميع ما خلقه قلت فهو في هذا لم يلتزم أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لئلا ترد عليه المعارضات لكن قال يزول الاختصاص وهذا الذي ذكره في الحقيقة يستلزم لذلك وملزوم له فإن الكلام له اختصاص فإن لم يكن بفاعله كان بمحله والمعارضات واردة لا محالة وأجاب غيره عن اسم العادل والمحسن ونحوهما بأن قالوا العادل من تمام الأسماء عندنا لأنه فاعل العدل وإنما يشترط قيام العدل بالعادل منا لا من حيث كان فاعلا للعدل بل لخصوص وصف ذلك الفعل فإن العدل قد يكون حركة أو سكونا أو نحوهما فمن ذلك الوجه يجب قيامه به وكل معنى له ضد فشرط قيامه بالموصوف به والذي يسمي عدلا فينا من الأفعال فله ضد وهو الجور فمن ذلك يجب قيامه بالفاعل منا قلت هذه فروق لا حقيقة لها عند التأمل فإن قيام الكلام بالمتكلم كقيام الفعل بالفاعل سواء لا فرق بينهما لا في الشاهد ولا في اللغة والاشتقاق ولا في القياس العقلي ولهذا عدل الرازي عن تقرير الطريقة المشهورة من أن المتكلم من قام به الكلام إذا كانت تحتاج إلى هذه المقدمة وإلى نفي جواز كونه محلا للحوادث وأثبت ذلك بطريقة في غاية الضعف وهو الاجماع الجدلي المركب والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد لهم في مسائل الصفات والقدر فجعلوه موصوفا بمفعولاته القائمة بغيره حتى قالوا من فعل الظلم فهو ظالم ومن فعل السفه فهو سفيه ومن فعل الكذب فهو كاذب ونحو ذلك وكل هذا باطل بل الموصوف بهذه الأسماء من قامت به هذه الأفعال لا من جهلها فعلا لغيره أو قائمة بغيره