أحدها: صلاح اللفظ الأول لترتيب التوزيع
الثاني: أن المفهوم يشعر بالاختصاص وهذا لا ينازع فيه عاقل وإن نازع في كونه دليلا
الثالث: أن التأسيس أولى من التوكيد وليس هذا من باب تعارض الدليلين ولا من باب تقييد الكلام المطلق وإنما هو من باب تفسير اللفظ الذي فيه احتمال المعنيين فإن قلتم: اللفظ الأول إن كان ظاهرا في ترتيب الجمع فهذا صرف للظاهر وإن قلتم: هو محتمل أو ظاهر في التوزيع: منعناكم وإن قلتم لا يوصف اللفظ بظهور ولا إكمال إلا عند تمامه والأول لم يتم: فهذا هو الدليل الأول فما الفرق بينهما ؟ قلنا: في الدليل الأول بيان أن اللفظ الأول لو كان نصا لا يقبل التأويل عند الإطلاق فإن وصله بما يقيده يبطل تلك الدلالة كما لو قال: وقفت على زيد ثم قال: إن كان فقيرا فهذا لا يعد تفسيرا للفظ محتمل وإنما هو تقييد وفي هذا الدليل بيان أن اللفظ الأول محتمل لمعنيين ولا يجوز وصفه بظهور في أحدهما إلا أن ينفصل عما بعده فأما إذا اتصل بما بعده بين ذلك الوصل أحد المعنيين
فقولكم: اللفظ الأول لا يخلو أن يكون ظاهرا في أحدهما أو محتملا قلنا: قبل تمامه لا يوصف بواحد من الثلاثة وإنما قد يوصف بالصلاح للمعاني الثلاثة ولا يقال فيه: صرف للظاهر أصلا فإنه لا ظاهر لكلام لم يتم بعد وإنما ظاهر الكلام ما يظهر منه عند فراغ المتكلم
وبهذا يتبين منشأ الغلط في عموم اللفظ الأول فإن قوله: على أولادي ثم على أولادهم عام في أولاد أولاده بلا تردد فلا يجوز إخراج أحد منهم وهو مقتض للترتيب أيضا فإن الأولاد مرتبون على أولاد الأولاد لكن ما صفة هذا العموم: أهو عموم التفسير والتوزيع المقتضي لمقابلة كل فرد بفرد ؟ أو عموم الشياع المقتضي لمقابلة كل فرد بكل فرد ؟ ومن ادعى أن اللفظ صريح في هذا بمعنى أنه نص فيه فهو جاهل بالأدلة السمعية والأحكام الشرعية خارج عن مناهج العقول الطبيعية ومن سلم صلاح اللفظ لهما وادعى رجحان أحدهما عند انقطاع الكلام: لم ننازعه فإنها وليست مسألتنا وإن نازع في رجحان المعنى الأول بعد تلك الصلة فهو أيضا مخطئ قطعا
وهذه حجة عند مثبتي المفهوم ونفاته كالوجه الأول فإن نافى المفهوم يقول: المسكوت لم يدخل في الثاني لكن إن دخل في الأول عملت به ونسلم أنه إذا غلب على الظن أو إذا علم أن لا موجب للتخصيص سوى الاختصاص بالحكم: كان المفهوم دليلا فإذا تأمل قوله: على أنه من مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لأهل طبقته قال إن كان مراد الواقف عموم الشياع كان هذا اللفظ مقيدا لبيان مراده ومتى دار الأمر بين أن تجعل هذه الكلمة مفسرة للفظ الأول وبين أن تكون لغوا: كان حملها على الإفادة والتفسير أولى لوجهين:
أحدهما: أني اعتبرها واعتبار كلام الواقف أولى من إهداره
والثاني: اجعلها بيانا للفظ المحتمل حينئذ فادفع بها احتمالا كنت أعمل به لولا هي وإذا كان الكلام محتملا لمعنيين كان المقتضى لتعيين أحدهما قائما سواء كان ذلك الاقتضاء مانعا من النقيض أو غير مانع فإذا حملت هذا اللفظ على البيان كنت قد وفيت المقتضى حقه من الاقتضاء وصنت الكلام الذي يميز بين الحلال والحرام عن الاهدار والالغاء فأين هذا ممن يأخذ بما يحتمله أول اللفظ ويهدر آخره وينسب المتكلم به إلى العي واللغو
والذي يوضح هذا أن قوله: على أنه من صيغ الاشتراط والتقييد والشرط إنما يكون لما يحتمله العقد مع أن إطلاقه لا يقتضيه بيان ذلك أن قوله: بعت واشتريت لا يقتضي أجلا ولا رهنا ولا ضمينا ولا نقدا غير البلد ولاصفة زائدة في المبيع لكن اللفظ يحتمله بمعنى أنه صالح لهذا ولهذا لكن عند الإطلاق ينفي هذا الاشراء: فإن اللفظ لا يوجبها والأصل عدمها فمتى قال: على أن ترهنني به كذا كان هذا تفسيرا لقوله: بعتك بألف بمنزلة قوله: بألف متعلقة برهن
الوجه الثالث: أن قوله: على أنه من مات منهم عن غير ولد كان نصيبه لذوي طبقته دليل على أن من مات منهم عن ولد لم يكن نصيبه لذوي طبقته وهذه دلالة المفهوم وليس هذا موضع تقريرها لكن نذكر هنا نكتا تحصل المقصود
أحدها: أن القول بهذه الدلالة مذهب جمهور الفقهاء قديما وحديثا: من المالكية والشافعية والحنبلية بل هو نص هؤلاء الأئمة وإنما خالف طوائف المتكلمين مع بعض الفقهاء فيجب أن يضاف إلى مذاهب الفقهاء ما يوافق أصولهم فمن نسب خلاف هذا القول إلى مذهب هؤلاء كان مخطئا وإن كان بما يتكلم به مجتهدا فيجب أن يحتوي على أدوات الاجتهاد
ومما يقضي منه العجب ظن بعض الناس أن دلالة المفهوم حجة في كلام الشارع دون كلام الناس: بمنزلة القياس وهذا خلاف إجماع الناس: فإن الناس أما قائل بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ أو قائل أنه ليس من جملتها أما هذا التفصيل فمحدث
ثم القائلون بأنه حجة إنما قالوا هو حجة في الكلام مطلقا: واستدلوا على كونه حجة بكلام الناس وبما ذكره أهل اللغة وبأدلة عقلية تبين لكل ذي نظر أن دلالة المفهوم من جنس دلالة العموم والاطلاق والتقييد وهو دلالة من دلالات اللفظ وهذا ظاهر في كلام العلماء والقياس ليس من دلالات الألفاظ المعلومة من جهة اللغة وإنما يصير دليلا بنص الشارع بخلاف المفهوم فإنه دليل في اللغة والشارع بين الأحكام بلغة العرب
الثاني: أن هذا المفهوم من باب مفهوم الصفة الخاصة المذكورة بعد الإسم العام وهذا قد وافق عليه كثير ممن خالف في الصفة المبتدأة حتى أن هذا المفهوم يكون حجة في الاسم غير المشتق كما احتج به الشافعي وأحمد في قول النبي صلى الله عليه و سلم: [ جعلت لي الأرض مسجدا ] [ وجعلت تربتها طهورا ] وذلك أنه قال: الناس رجلان مسلم وكافر فأما المسلم فيجب عليك أن تحسن إليه علم بالاضطرار أن المتكلم قصد تخصيص المسلم بهذا الحكم بخلاف ما لو قال ابتداء: يجب عليك أن تحسن إلى المسلم فإنه قد يظن أنه إنما ذكره على العادة لأنه هو المحتاج إلى بيان حكمه غالبا كما في قوله: [ كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ] وكذلك [ في الإبل السائمة الزكاة ] أقوى من قوله [ في السائمة الزكاة ] لأنه إذا قال: في الإبل السائمة فلو كان حكمها مع السوم وعدمه سواء لكان قد طول اللفظ ونقص المعنى أما إذا قال: في السائمة فقد يظن أنه خصها بالذكر لكونها أغلب الأموال أو لكون الحاجة إلى بيانها أمس وهذا بين كذلك هنا إذا كان مقصوده انتقال نصيب الميت إلى طبقته مع الولد وعدمه
فلو قال: فمن مات منهم كان نصيبه لذوي طبقته كان قد عمم الحكم الذي أراده واختصر اللفظ فإذا قال: فمن مات منهم عن غير ولد ولا نسل ولا عقب كان ما كان جاريا عليه من ذلك لمن في درجته وذوي طبقته كان قد طول الكلام ونقص المعنى بخلاف ما إذا حمل في ذلك على الاختصاص بالحكم فإنه يبقى الكلام صحيحا معتبرا والواجب اعتبار كلام المصنف ما أمكن ولا يجوز الغاؤه بحال مع امكان اعتباره
الوجه الثالث: أن نفاة المفهوم لا مكان أن يكون للتخصيص بالذكر سبب غير التخصيص بالحكم: أما عدم الشعور بالمسكوت أو عدم قصد بيان حكمه أو كون المسكوت أولى بالحكم منه أو كونه مساويا له في بادئ الرأي أو كونه سئل عن المنطوق أو كون الغالب على إفراد ذلك النوع هو المنطوق فإذا علم أو غلب على الظن أن لا موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ونحوهما علم أنه إنما خصه بالذكر لأنه مخصوص بالحكم
ولهذا كان نفاة المفهوم يحتجون في مواضع كثيرة بمفهومات لأنهم لا يمنعون أن يظهر قصد التخصيص في بعض المفهومات وهذا من هذا الباب فإن قوله: من مات منهم عن غير ولد قد يشعر بالقسمين وله مقصود في بيان الشرط وليس هذا من باب التنبيه فإنه إذا جعل نصيب الميت ينتقل إلى إخوته عند عدم ولده لم يلزم أن ينقله إليهم مع وجود ولده والحاجة داعية إلى بيان النوعين بل لو كان النوعان عنده سواء وقد خص بالذكر حال عدم الوالد لكان ملبسا معميا لأنه يوهم خلاف ما قصد بخلاف ما إذا حمل على التخصيص
الرابع: أن الوصف إذا كان مناسبا اقتضى العلية وكون الميت لم يخلف ولدا مناسبا لنقل حقه إلى أهل طبقته فيدل على أن علة النقل إلى ذوي الطبقات الموت عن غير ولد فيزول هذا بزوا علته وهو وجود الولد
الخامس: أن كل من سمع هذا الخطاب فهم منه التخصيص وذلك يوجب أن هذا حقيقة عرفية أما أصلية لغوية أو طارية منقولة وعلى التقديرين يجب حمل كلام المتصرفين عليها باتفاق الفقهاء